لما صحيت من البنج… اكتشفت إنهم سرقوا جزءًا من جسمي
لما فتحت عيني أول مرة بعد البنج، ماكنتش فاهمة أنا فين، ولا إيه اللي جابني للمكان ده. كل اللي كنت حاساه وجع قاسي، وجع غريب ومخيف، كأنه سكينة مغروسة في جنبي الشمال ومش عايزة تطلع. حاولت أتنفس بهدوء، لكن حتى النفس كان بيوجعني، وكل حركة بسيطة كانت بتخليني أحس إن جسمي كله بيتكسر من جوه. نور أبيض قوي كان واقع على وشي، وصوت أجهزة المستشفى حواليا كان منتظم بطريقة تخوف أكتر ما تطمن. ريحة المطهرات كانت مالية المكان، والبطانية الخفيفة اللي فوق جسمي ماكانتش قادرة تدفيني من رعشة الخوف اللي بدأت تمشي في عروقي. حاولت أفتكر أنا هنا ليه، آخر حاجة في ذاكرتي كانت أمي وهي بتقولي بصوت هادي: “هنروح نعمل شوية تحاليل عادية ونرجع بسرعة”. بعدها كل حاجة اختفت، كأن حد مسح من عمري ساعات كاملة.
رفعت إيدي بالعافية وحطيتها على جنبي، وأول ما لمست الشاش الكبير اللي مغطي المكان، قلبي وقع. ده ماكانش مكان حقنة، ولا أثر تحليل، ولا حتى جرح بسيط. ده كان جرح عملية، عملية كبيرة كمان. حسيت إن الدم نشف في عروقي، وبدأت أفكر بسرعة: أنا عملت إيه؟ مين دخلني أوضة العمليات؟ وليه محدش قالي؟ ضغطت على زرار النداء بإيدي المرتعشة، وفضلت مستنية كأني مستنية حكم على حياتي كلها. دخلت ممرضة، أول ما شافتني صاحية اتوترت، قربت مني وقالت كلام عادي عن إني لازم أرتاح، لكن أنا ماكنتش قادرة أسمع غير صوت خوفي. سألتها: “أنا عملت عملية إيه؟” بصتلي لحظة، ووشها اتغير، وبعدين قالت: “الدكتور هيشرحلك كل حاجة”. قالتها ومشيت بسرعة، وسابتني لوحدي مع أسئلة كانت بتنهش قلبي.
بعد دقائق دخل الدكتور، راجل في الخمسينات، لابس بالطو أبيض ووشه عليه ابتسامة باردة مش مفهومة. وقف عند طرف السرير وقال بمنتهى الهدوء: “الحمد لله، العملية نجحت، وأخوكي حالته مستقرة”. بصيتله وأنا مش فاهمة، وكررت الكلمة وراه: “أخويا؟” قال: “أيوه، عملية التبرع بالكُلية تمت بنجاح”. في اللحظة دي حسيت إن السقف نزل فوق صدري. التبرع؟ كلية؟ أنا؟ حاولت أتكلم لكن لساني تقل، وبعد ثواني قدرت أقول بصوت مهزوز: “أنا ما وافقتش”. سكت الدكتور لحظة، وبص في الورق اللي معاه، ثم قال: “والدتك وقعت الموافقة”. ضحكت، ضحكة قصيرة كلها وجع وقهر، وقلتله: “أنا عندي أربعة وتلاتين سنة، مين قال إن حد يوقّع بدالي؟” ناولني الورق، ولما بصيت عليه لقيت خانة توقيع المريض فاضية، لكن توقيع أمي كان واضح، ثابت، كأنها بتوقع على إيصال كهربا مش على جزء من جسمي.
في اللحظة دي، مش بس عرفت إنهم خدوا مني كلية من غير إذني، أنا كمان فهمت حياتي كلها. فهمت كل مرة قالولي استحملي عشان أخوكي، وكل مرة اتنازلت فيها عن حاجة بحبها عشان هو عايزها، وكل مرة تعبت فيها محدش حس بيا، وكل مرة هو غلط واتلامت أنا. فجأة شفت طفولتي كلها ماشية قدامي زي شريط قديم. شفت أمي وهي بتديله آخر قطعة لحمة في الطبق، وتقول لي: “إنتي بنت وبتستحملي”. شفت أبويا وهو بيشتريله موبايل جديد عشان نجح بالعافية، وأنا لما جبت تقدير عالي قالولي: “كويس”. شفت نفسي وأنا بشتغل وأساعد البيت، بينما هو كان يعيش كأنه الأمير الوحيد في العيلة. طول عمري كنت فاكرة إن ده تفضيل عادي، لكن في اللحظة دي فهمت الحقيقة البشعة: أنا ماكنتش بنتهم زي ما هو ابنهم، أنا كنت دايمًا الخطة البديلة، الحل الجاهز وقت الأزمة.
قلت للدكتور وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي: “اللي حصل ده جريمة، وأنا هرفع قضية”. ارتبك وقال إن المستشفى اتعاملت بناءً على أوراق مقدمة من العائلة، لكن كلامه ماكانش ليه أي معنى عندي. جسمي أنا، حقي أنا، حياتي أنا. وقبل ما يقدر يكمل، الباب اتفتح ودخلت أمي. كانت عيونها حمرا من العياط، وجريت عليا تحاول تحضني، لكني زقتها بعيد بكل القوة اللي فضلت في جسمي. صرخت فيها: “إنتي عملتي فيا كده؟ بعتي بنتك عشان تنقذي ابنك؟” وقفت مكانها مكسورة، وقالت بصوت مخنوق: “كان هيموت يا بنتي، سامحيني”. بصيتلها وأنا حاسة إن قلبي اتحول لحجر، وقلت: “وكنتِ مستعدة تموتيني أنا؟ كنتِ مستعدة أصحى ألاقي جزء من جسمي اتاخد مني من غير كلمة؟” ما ردتش، فضلت تبكي، لكن لأول مرة دموعها ماحركتش فيا أي شفقة.
دخل أبويا بعدها، لكن دخوله كان أبرد من دخلة أمي. ماكانش باين عليه الندم، بالعكس، كان واقف كأنه جاي يوبخني على زعلي. قال بمنتهى البرود: “إحنا عملنا الصح، العيلة أهم، وأخوكي كان بين الحياة والموت”. بصيتله طويلًا، وقلت: “العيلة عمرها ما تسرق بنتها. العيلة عمرها ما تعتبر جسم بنتها ملك ليها. العيلة ما تنقذش واحد بإنها تكسر واحدة تانية”. حاول يرفع صوته، لكني قاطعته: “من النهارده، إنتوا انتهيتوا بالنسبة لي”. كانت الجملة طالعة من قلبي قبل لساني، ومع ذلك حسيت بعدها براحة غريبة، راحة واحدة أخيرًا قررت توقف ظلم عمره سنين.
الأيام اللي بعدها كانت أصعب من أي ألم جسدي. العملية خلّت جسمي ضعيف، لكن الخيانة كانت أضعفني أكتر. كل ما الممرضة تغير على الجرح، كنت أبص للشاش وأفتكر إن الندبة دي مش بس أثر جراحة، دي توقيع خيانة من أقرب ناس ليا. المحامي اللي كلمته أكد لي إن اللي حصل مخالفة خطيرة، وإن توقيع أمي ماينفعش يحل محل موافقتي، وإن في مسؤولية على كل شخص شارك أو سكت أو تجاهل غياب موافقتي. لكن القضية بالنسبة لي ماكانتش فلوس، ولا تعويض، ولا انتقام. القضية كانت حقي في جسمي، حقي في الاختيار، حقي إني أكون إنسانة مش أداة إنقاذ يستخدموها وقت ما يحتاجوا.
بعد أسابيع خرجت من المستشفى، لكني ما رجعتش بيت أهلي. رحت شقة صغيرة كنت مأجراها قريب من شغلي، شقة بسيطة جدًا، فيها سرير وكرسي ومطبخ صغير، لكنها كانت أول مكان أحس فيه إن محدش يقدر يقرر عني. في أول ليلة هناك، قعدت على الأرض وبكيت ساعات طويلة. بكيت على أمي اللي كنت فاكرة إنها سندي، وبكيت على أبويا اللي طلع شايفني أقل من أخويا، وبكيت على نفسي القديمة اللي كانت بتسامح بسرعة وتبرر لكل الناس. لكن بعد العياط جه صمت عميق، وفي الصمت ده سمعت صوتي لأول مرة بيقول: كفاية. كفاية تنازل، كفاية خوف، كفاية حب للناس اللي ماعرفوش يحبوني غير لما يحتاجوني.
وصلتني رسالة من أخويا بعد فترة. كتب فيها: “والله ماكنتش أعرف إنهم عملوا كده، ولما عرفت كرهت نفسي، أنا آسف”. فضلت أبص للرسالة وقت طويل. جزء مني كان عايز يصدقه، وجزء تاني كان فاكر كل السنين اللي عاشها وهو مستفيد من تفضيله. هل فعلًا ماكانش يعرف؟ هل كان ضحية زيي؟ ولا كان جزء من نظام كامل اتبنى على إن حياته أهم من حياتي؟ في الآخر رديت بجملة واحدة: “حتى لو ماكنتش تعرف، أنا اللي دفعت التمن”. وبعدها قفلت التليفون. ماكنتش جاهزة أسامح، ولا كنت مجبرة أدي حد راحة على حساب وجعي.
يوم أول جلسة في المحكمة، لبست هدومي بهدوء، ووقفت قدام المراية أبص لنفسي. كنت شاحبة، أنحف، وتحت عيني هالات واضحة، لكن في عيني كان فيه شيء جديد. قوة ماكنتش موجودة قبل كده. شفت أمي من بعيد في الممر، كانت باينة أكبر بعشر سنين، عيونها مليانة ندم، وإيديها بتترعش. للحظة قلبي وجعني عليها، لكني افتكرت إن الندم ما بيرجعش كلية، وما بيرجعش ثقة، وما بيمسحش ليلة صحيت فيها مرعوبة وأنا مش عارفة إيه اللي اتعمل في جسمي. أبويا كان واقف بعيد، متجهم، وكأنه لسه شايف إنهم أصحاب حق. أما أنا، فدخلت القاعة ورفعت رأسي، لأن دي كانت أول مرة في حياتي أدافع عن نفسي من غير ما أخاف أخسرهم.
القضية طولت، والتحقيقات فتحت أبواب كتير، وأسماء كتير اتسألت، وورق كتير اتراجع. عرفت إن في ناس في المستشفى سهلوا الموضوع، وإن في ناس شافوا الخانة الفاضية وسكتوا، وإن أمي وأبويا كانوا مقتنعين إنهم بيعملوا “الصح” لأن ابنهم لازم يعيش. لكن مين قال إن حياة حد تكون على حساب حرية حد تاني؟ مين قال إن الحب يدي الحق في السرقة؟ ومين قال إن الأمومة أو الأبوة معناها امتلاك؟ كل سؤال كان بيكبر جوايا، وكل إجابة كانت بتأكد لي إن السكوت كان هيخليني أخسر نفسي للأبد.
مع الوقت، بدأت أتعافى. مش بسرعة، ومش بسهولة. كان فيه أيام أصحى فيها حاسة إن الجرح بيوجعني، وأيام تانية يكون الوجع كله في قلبي. لكني بدأت أتعلم أعيش من جديد. بدأت أكل كويس، أتابع مع دكتوري، أشتغل، أخرج، وأضحك أحيانًا من غير ما أحس بالذنب. تعلمت إن النجاة مش معناها إنك تنسي، النجاة معناها إنك تكملي رغم إنك فاكرة. وإن القوة مش معناها إنك ما تبكيش، القوة إنك تبكي وتغسلي وشك وتقفي تاني.
بعد شهور، وقفت قدام البحر في يوم هادي، وحطيت إيدي على مكان الندبة. ماحسيتش بنفس الرعب القديم. حسيت بحزن، آه، لكن حسيت كمان بفخر. الندبة دي بقت شاهد على أبشع خيانة عشتها، لكنها كمان بقت دليل إني ما سكتش. دليل إني اختارت نفسي في اللحظة اللي الكل كان عايزني أختارهم. في الماضي كنت فاكرة إن خسارة الأهل نهاية العالم، لكني اكتشفت إن الأصعب من خسارتهم هو إنك تفضلي جنبهم وهم بيلغوا وجودك. مش كل بيت أمان، ومش كل دم رحمة، ومش كل حد اسمه أهل يستحق يكون عيلة.
ومن يومها، بقيت أؤمن بحقيقة واحدة: الإنسان مش أناني لما يحمي نفسه، ولا قاسي لما يرفض الظلم، ولا عاق لما يقول لا لمن اعتادوا كسر حدوده. أنا خسرت جزءًا من جسمي، وخسرت عيلة كنت فاكرة إنها سندي، لكني كسبت نفسي. وده كان أعظم انتصار خرجت بيه من الوجع. لأن في النهاية، الجسد ممكن يحمل ندبة، لكن الروح لما تقرر تقوم، محدش يقدر يسرقها مرة تانية.