مراتي رجعت بعد 18 سنة في حفل تخرج بناتي التوأم.. لكن ردهم على المسرح صدم الجميع

مراتي رجعت بعد 18 سنة في حفل تخرج بناتي التوأم.. لكن ردهم على المسرح صدم الجميع


مراتي رجعت بعد 18 سنة في حفل تخرج بناتي التوأم.. لكن ردهم على المسرح صدم الجميع

مراتي سابت بناتي التوأم بعد الولادة بأيام قليلة، ومشيت كأنها بتقفل باب شقة مش باب حياة كاملة، وبعد ثمانية عشر عامًا رجعت فجأة في حفل تخرجهم، لابسة أحلى هدومها، وماسكة صندوقين هدايا، وواقفة قدام أكتر من ثلاثمائة شخص كأنها البطلة اللي راجعة تصلح كل حاجة بكلمتين وابتسامة. لكن اللي حصل بعدها على المسرح خلّى القاعة كلها تسكت، وساعتها فهمت إن البنات اللي ربيتهم لوحدي ما كبروش بس في السن، دول كبروا في الوعي والكرامة، وعرفوا يفرقوا بين اللي جابهم للدنيا واللي عاش عمره كله عشانهم.

الحكاية بدأت من ثمانية عشر سنة، في أوضة صغيرة داخل مستشفى حكومي، ريحتها مختلطة بين المطهر والتعب والخوف. كنت واقف جنب سرير ندى، مراتي وقتها، وأنا شايل بنت من التوأم والممرضة شايلة التانية. كانوا لسه مولودين من ساعات، وشوشهم صغيرة وضعيفة، وصوت عياطهم كان بالنسبة لي أجمل صوت سمعته في حياتي. كنت فاكر إننا داخلين على بداية جديدة، وإن كل تعب الحمل والخوف هيختفي أول ما نشوفهم، لكن ندى كانت ساكتة بطريقة غريبة، عينيها مش في البنات ولا فيا، عينيها كانت في السقف كأنها بتفكر تهرب من المكان كله.

قربت منها وقلت لها بهدوء: “إنتِ كويسة؟” بصتلي نظرة ما فهمتهاش وقتها، نظرة مليانة ضيق وخنقة أكتر من التعب. قالت بصوت مبحوح: “أنا مش قادرة أعمل كده.” في الأول افتكرتها بتتكلم عن الرضاعة أو السهر أو خوف الأمومة الطبيعي، فقلت لها إن كل أم بتخاف في البداية، وإننا هنساعد بعض، وإن البنات دول رزقنا وفرحتنا. لكنها رفعت عينها وقالت الجملة اللي فضلت محفورة جوايا لحد النهارده: “أنا عايزة أعيش.. عايزة أسافر وأسهر وأستمتع بحياتي.. مش عايزة أفضل مربوطة بطفلتين بيعيطوا طول الوقت.”

ساعتها حسيت إن الأوضة ضاقت بيا، وإن صوت الأجهزة حوالينا بقى بعيد، وكأنني واقف في حلم تقيل مش عارف أصحى منه. سألتها بهدوء مرتبك: “إنتِ بتقولي إيه يا ندى؟ دول بناتك.” لكنها ما اتأثرتش، بالعكس كانت بتتكلم كأنها بتشرح قرار أخدته من زمان. قالت إنها اتسرعت في الجواز، وإن الأمومة مش شبهها، وإنها مش عايزة حياتها تضيع في ببرونات وحفاضات ودكاترة. حاولت أتكلم، أترجاها، أفكرها بالبيت وبالعشرة وبالأطفال اللي مالهمش ذنب، لكنها كانت قفلت قلبها قبل ما تقفل شنطتها.

بعد ثلاثة أيام فقط من الولادة، لبست هدومها، ورتبت شنطتها الصغيرة، ومشيت. مشيت من غير ما تبص للبنات، من غير ما تلمس خد واحدة فيهم، من غير ما تسيب جواب أو حتى كلمة اعتذار. يومها وقفت في ممر المستشفى شايل بنت على دراعي والتانية في سرير صغير جنبي، وأنا مش فاهم أزعل على نفسي ولا عليهم. كان المفروض أكون أب جديد فرحان، لكني بقيت أب وأم في لحظة واحدة، من غير تدريب، من غير استعداد، ومن غير حتى حد يقولي أبدأ منين.

أول شهور كانت أصعب أيام حياتي. كنت بتعلم أغير الحفاضات وأنا عيني بتقفل من قلة النوم، وبحاول أفرق بين عياط الجوع وعياط المغص وعياط الخوف. كنت بصحى بالليل مرة لليلى ومرة لغادة، وأحيانًا الاتنين مع بعض، وأبقى واقف في نص الأوضة مش عارف أمسك مين وأسكت مين. والدتي كانت بتساعدني على قد ما تقدر، لكن المسؤولية الحقيقية كانت على كتفي. كنت أروح الشغل ووشي شاحب، وأرجع أجري على البيت عشان ألحق أكلهم وأحمّيهم وأنيمهم، وكل يوم كنت بسأل نفسي: هل أنا هقدر؟ هل البنات دول هيكبروا من غير ما يحسوا بالنقص؟

كبرت ليلى وغادة يوم ورا يوم، ومعاهم كبرت مخاوفي وأحلامي. أول سنة مشي، أول كلمة، أول سخونية، أول يوم حضانة، كل حاجة كنت بحضرها لوحدي، لكني كنت بحاول أخلي وحدتي ما تبانش عليهم. لما كانوا يعيوا، كنت أقعد جنبهم للصبح، أمسح جبينهم وأدعي ربنا إن التعب يروح مني فيهم. لما كانوا يضحكوا، كنت أحس إن ربنا بيراضيني. ولما كانوا يناموا على صدري بعد يوم طويل، كنت أنسى كل وجع وأقول لنفسي إن البقاء جنبهم كان القرار الصح الوحيد في حياتي.

السؤال الأصعب بدأ لما كبروا شوية وبقوا يفهموا إن كل طفل في المدرسة عنده أم بتيجي حفلة آخر السنة أو بتعمل له سندوتشات بشكل معين أو بتشتري له فستان العيد. مرة ليلى سألتني وهي عندها سبع سنين: “بابا، ماما فين؟” حسيت إن قلبي اتشد من مكانه، لكني ما حبيتش أكذب. قلت لها بهدوء: “ماما اختارت تمشي يا حبيبتي.” غادة سألتني بعدها: “يعني إحنا زعلناها؟” حضنتهم الاتنين وقلت لهم: “أبدًا، إنتوا ما عملتوش حاجة. في ناس بتختار تبعد، وفي ناس بتختار تفضل. وأنا كل يوم باختار أفضل.”

الجملة دي بقت قانون بيتنا. ما كنتش بسب ندى قدامهم، ولا كنت بزرع كره في قلبهم، لكني كمان ما كنتش بزيف الحقيقة. كنت بقول لهم إن الإنسان بيتقاس باختياراته، وإن الحب مش كلام حلو يظهر وقت التصوير ويختفي وقت التعب، الحب فعل يومي، صبر يومي، وجود يومي. ومع الوقت، البنات فهموا. فهموا من غير ما حد يشرح كتير. فهموا لما لقوني في كل اجتماع مدرسة، وفي كل كشف دكتور، وفي كل امتحان، وفي كل لحظة خوف.

سنين كتير عدت بين شغل ومصاريف وديون صغيرة تتسد ببطء، وبين أحلام كنت بأجلها عشان أشتري لهم كتب أو أدخلهم درس أو أجيب لهم لبس العيد. ما كنتش غني، ولا حياتنا كانت سهلة، لكن بيتنا كان دافي. كنت بطبخ لهم أوقات وأحرق الأكل أوقات، أضفر شعرهم بطريقة مش مظبوطة فيضحكوا عليا، وأحاول أفهم مشاكل البنات في سن المراهقة وأنا مرتبك لكن موجود. كنت بغلط طبعًا، وأتعصب أحيانًا، وأعتذر لما أحس إني قسيت، لكن الحاجة الوحيدة اللي ما عملتهاش أبدًا إني أسيبهم.

وصلنا ليوم التخرج من الثانوية، اليوم اللي كنت مستنيه أكتر منهم يمكن. يوم الجمعة اللي فات، صحيت بدري جدًا رغم إن الحفل كان بعد العصر. كويت البدلة الوحيدة اللي عندي، ووقفت قدام المراية وأنا حاسس إن كل سنة تعب بتعدي قدام عيني. ليلى وغادة خرجوا من أوضتهم لابسين روب التخرج، وشعرهم مترتب، وابتسامتهم مليانة ثقة. للحظة، شفت فيهم الرضيعتين اللي كنت بشيلهم على دراعي، وشفت في نفس الوقت الشابتين اللي بقوا أقوى من أي وجع قديم.

وصلنا المدرسة، والقاعة كانت مليانة أهالي وتصفيق وكاميرات. قعدت في الصفوف الأولى، وعيني عليهم طول الوقت. كل ما اسم طالبة يتقال كنت أصفق، لكن قلبي كان مستني اسم ليلى وغادة. كنت حاسس بفخر غريب، مش بس لأنهم اتخرجوا، لكن لأنهم وصلوا للنقطة دي من غير ما ينكسروا. كنت شايفهم واقفين وسط زميلاتهم، وكنت بقول في سري: “الحمد لله يا رب.. التعب ما راحش هدر.”

في منتصف الحفل، طلع مدير المدرسة على المسرح وقال إن فيه متبرعة كريمة ساهمت في تنظيم الحفل، وإن عندها مفاجأة خاصة لطالبتين من الخريجات. الناس سقفت بحماس، وأنا ما اهتمتش في البداية. افتكرت الموضوع تبرع عادي أو تكريم بسيط. لكن لما الست طلعت على المسرح، حسيت الدم نشف في عروقي. كانت ندى. نفس الملامح، بس أكبر وأنضج، لابسة شيك، وماسكة صندوقين هدايا، وواقفة تحت الإضاءة كأنها رجعت في التوقيت المثالي عشان تسرق مشهد النهاية.

قلبي دق بسرعة، وإيدي بردت. ثمانية عشر سنة كاملة اختفت فيهم من حياتنا، لا مكالمة، لا رسالة، لا زيارة، لا عيد ميلاد، لا سؤال في مرض، لا محاولة واحدة تعرف البنات عايشين إزاي. وفجأة تظهر قدام الناس، في أهم يوم في حياتهم، وتتكلم كأنها صاحبة حق مؤجل. مسكت الميكروفون وابتسمت ابتسامة واسعة وقالت: “ليلى.. غادة.. اطلعوا يا حبايب ماما.”

القاعة كلها بصت ناحية البنات. ليلى وغادة اتجمدوا مكانهم. كانوا يعرفوا شكلها من الصور القديمة، من بقايا قليلة ما قدرتش أرميها، لكنهم عمرهم ما شافوها في الحقيقة. نظرتهم وقتها كانت مزيج من الصدمة والبرود، لا فرحة ولا لهفة، فقط مواجهة مفاجئة مع وجه كان مجرد حكاية ناقصة في طفولتهم. ندى كملت بصوت أعلى: “أنا رجعت النهارده عشان أبدأ صفحة جديدة مع بناتي، لأن من ثمانية عشر سنة أبوكم حرّضكم عليا وخلاكم تبعدوا.”

الهمهمة انتشرت في القاعة كالنار. حسيت إن الأرض بتهتز تحت رجلي، وإن مئات العيون اتجهت ناحيتي. كنت قادر أقوم وأرد، أفضحها، أحكي للناس كل اللي حصل، لكني فضلت مكاني. مش ضعف، لكن لأن دي كانت لحظة البنات، مش لحظتي. ندى حاولت تكمل التمثيلية بثبات، وقالت إن الظروف كانت أقوى منها، وإنها اتمنعت عنهم، وإنها جابت هدايا مخصوص عشان اليوم ده يكون بداية جديدة بعيد عن الماضي.

ليلى وغادة بصوا لبعض، ومسكوا إيد بعض، وطلعوا على المسرح بهدوء. ندى فتحت دراعاتها مستنية حضن، مستنية المشهد اللي غالبًا رسمته في خيالها: دموع، مصالحة، تصفيق، وصورة تنتشر على الناس بعنوان أم تعود لبناتها بعد سنين. لكن البنات وقفوا بعيد. لا حضن، لا اقتراب، لا دموع. غادة مدت إيدها وأخدت الميكروفون، وليلى بصت ناحيتي من فوق المسرح، نظرة قالت لي كل شيء قبل الكلام.

غادة قالت بهدوء قاتل: “حضرتك مين أصلًا؟” ساعتها القاعة كلها سكتت. ندى ابتسامتها وقفت على وشها كأن حد فصل عنها النور. حاولت تضحك بتوتر وقالت: “أنا ماما يا حبيبتي.. ماما ندى.” لكن ليلى أخذت الميكروفون وقالت: “ماما؟ إحنا طول عمرنا عرفنا إن الأم مش لقب بيتقال على المسرح، ولا هدية في صندوق، ولا تبرع في مدرسة. الأم وجود. والأب اللي قاعد هناك ده كان أم وأب وكل حاجة.”

التصفيق بدأ خفيفًا ثم زاد. ليلى كملت وهي واقفة بثبات: “هو اللي كان بيسهر لما نسخن، هو اللي كان بيطبخ حتى لو الأكل اتحرق، هو اللي كان بيحضر اجتماعات أولياء الأمور، هو اللي كان بيسمع مشاكلنا، وهو اللي كان يطمننا إننا مش ناقصين. حضرتك اخترتي تعيشي حياتك، وهو اختار يعيش لنا. فلو فيه حد يستاهل يتكرم النهارده، يبقى هو.”

ندى حاولت تقاطعهم، وبدأت تبكي، وقالت إن الحياة ظلمتها، وإنها ندمت، وإن الهدايا دي أقل تعويض. هنا غادة حطت صندوق الهدية على أرض المسرح وقالت: “إحنا مش محتاجين تعويض. بابا ما سابش فينا فراغ عشان حضرتك تيجي تمليه بعد ثمانية عشر سنة. إحنا مش قاسيين، بس مش سهل نفتح باب اتقفل علينا وإحنا لسه عمرنا أيام. سامحناك يمكن، لكن السماح مش معناه إنك ترجعي تمثلي دور ما عشتيهوش.”

القاعة كانت في حالة ذهول. بعض الناس بتبكي، وبعضهم بيصفق، ومدير المدرسة واقف مش عارف يتصرف. أما أنا، فكنت قاعد مكاني والدموع بتنزل من غير ما أحس. مش دموع شماتة في ندى، ولا انتصار عليها، لكن دموع أب شاف بناته واقفين على رجلهم، عارفين قيمتهم، وعارفين مين تعب عشانهم من غير ما يحتاجوا حد يشرح لهم.

ليلى ختمت الكلام وهي ماسكة إيد أختها: “إحنا النهارده بنتخرج، وبداية حياتنا الجديدة هتكون مع الراجل اللي صنعنا وربانا ووقف جنبنا، مش مع الشخص اللي افتكرنا في يوم فيه كاميرات وتصفيق.” بعدها نزلوا من على المسرح ومشيوا ناحيتي وسط تصفيق القاعة كلها. أول ما وصلوا عندي، حضنوني الاتنين، وأنا لأول مرة من سنين حسيت إن كل التعب اترد في حضن واحد.

ندى نزلت من المسرح بهدوء، مكسورة أو محرجة، لا أعرف. خرجت من الباب الخلفي زي ما خرجت من حياتنا قبل كده، لكن الفرق إنها المرة دي ما سابتش جرح جديد. بالعكس، رجوعها أكد للبنات حقيقة كانوا عارفينها طول عمرهم: إن العائلة مش بالدم فقط، العائلة بالاختيار، بالثبات، وبالناس اللي تفضل جنبك لما الدنيا تبقى صعبة.

في آخر اليوم، وإحنا راجعين البيت، كانت ليلى ماسكة شهادة التخرج، وغادة ساكتة بتبص من شباك العربية. سألتهم لو كانوا زعلانين، فقالت ليلى: “زعلانين؟ يمكن زمان. لكن النهارده إحنا ارتحنا.” أما غادة فقالت: “بابا، إحنا عمرنا ما كنا من غير أم.. إنت كنت كفاية.” ساعتها ما عرفتش أرد. اكتفيت إني أسوق وأنا شايف الطريق قدامي مشوش من الدموع، لكن قلبي كان واضح لأول مرة من سنين. عرفت إن الإنسان ممكن يخسر شريك حياة، لكنه لو تمسك بأولاده، ربنا بيعوضه فيهم بطريقة ما تتوصفش.

ومن يومها فهمت درس عمري كله: اللي يسيبك في أصعب لحظة ما ينفعش يرجع يطالب بمكانه في أجمل لحظة، واللي اختار يبقى جنبك في التعب هو أول واحد يستحق يقف جنبك وقت الفرح. أما البنات، فهما ما انتقموش من أمهم، هما بس قالوا الحقيقة قدام الجميع، والحقيقة أحيانًا بتكون أقوى من أي صراخ.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان