في حياتي كلها كنت مقتنعة أني أعرف أمي أكثر من أي شخص تاني على وجه الأرض. كنت فاكرة إن السنين الطويلة اللي عشتها جنبها، والاثناشر سنة اللي قضيتهم وأنا بتابع علاجها وحالتها الصحية وتفاصيل يومها دقيقة بدقيقة، كفاية إنها تخليني أفهم كل حاجة بتفكر فيها أو بتحس بيها. لكن الحقيقة اللي اكتشفتها في الأيام الأخيرة من عمرها هدت كل القناعات دي مرة واحدة، وخلتني أعرف إن الإنسان ممكن يعيش عمر كامل جنب أقرب الناس ليه، وبرضه تفضل جواه حكايات وأسرار محدش يعرفها غير لما القدر يقرر يكشفها في الوقت اللي هو عايزه.
أمي، الحاجة تحية، كانت عندها واحد وتمانين سنة. من اتناشر سنة بالضبط المرض حبسها في السرير. في الأول كنا فاكرين إنها مرحلة وهتعدي، لكن الأيام بقت شهور، والشهور بقت سنين، لحد ما بقى السرير هو عالمها كله. كانت بتشوف الدنيا من شباك أوضة صغيرة، وتعيش أيامها بين الدوا والأكل والنوم والزيارات القليلة. وأنا كنت بنتها الوحيدة، بشتغل طول النهار عشان أوفر مصاريف البيت والعلاج، وأرجع آخر اليوم أحاول أعوضها عن ساعات الوحدة الطويلة اللي بتقضيها لوحدها.
طول الفترة دي كانت أم أحمد هي اللي شايلة الحمل الأكبر. ست بسيطة وغلبانة، لكن قلبها كبير بشكل مش طبيعي. كانت تدخل بيتنا قبل ما أصحى أحيانًا، وتفضل جنب أمي طول اليوم. تنظفها وتجهز أكلها وتديها علاجها وتسمع كلامها وتحاول تضحكها. عمرها ما اشتكت، وعمرها ما حسستنا إنها بتعمل حاجة فوق طاقتها. بالعكس، كانت بتتعامل مع أمي وكأنها أمها هي. عشان كده لما اتصلت بيا في يوم وأنا في الشغل وسمعت صوتها وهي بتعيط، قلبي وقع في رجلي.
قالتلي بصوت متقطع من العياط إن أمي طردتها. في البداية افتكرت إن في سوء تفاهم، أو زعل عابر وهيتصلح. لكن أم أحمد أكدتلي إن الموضوع انتهى، وإن أمي أصرت تمشيها من البيت. ولما سألتها مين هيقوم على خدمتها بعد كده، سكتت شوية وبعدين قالت جملة عمرها ما خرجت من دماغي: “أمك جابت راجل مكاني… بس صدقيني، مش هتبقي عايزة تعرفي شكله عامل إزاي.”
قفلت المكالمة وأنا حرفيًا مش حاسة بنفسي. سيبت الشغل وجريت على البيت. طول الطريق كنت متخيلة أسوأ السيناريوهات. يمكن حد نصاب ضحك عليها. يمكن حد استغل كبر سنها. يمكن في مصيبة أنا لسه مش فاهمها. أول ما وصلت البيت طلعت على أوضتها بسرعة وفتحت الباب، وللحظة حسيت إن الزمن وقف.
كان قاعد جنب السرير راجل ضخم جدًا. جسمه كله عضلات، ودراعاته مليانة أوشام، ورقبته كمان. دقنه طويلة وملامحه حادة بشكل يخوف. لابس فيست جينز مقطوع، وشكله كله بعيد تمامًا عن أي صورة ممكن تتخيلها لممرض أو شخص بيراعي ست كبيرة في السن. لكن الصدمة الحقيقية مش كانت في شكله، الصدمة كانت في اللي بيعمله. كان ماسك معلقة صغيرة، وبينفخ فيها بهدوء عشان الشوربة تبرد، وبعدها يقربها من فم أمي بحنية شديدة. وأمي كانت بتضحك. آه والله بتضحك. الضحكة اللي أنا بقالي سنين بحاول أشوفها على وشها ومش بلاقيها.
وقفت مكاني مش عارفة أقول إيه. كل اللي قدرت أعمله إني أبص لأمي وأقول بصوت مهزوز: “ماما… ممكن أتكلم معاكي شوية لوحدنا؟” الراجل رفع عينه ناحيتي للحظة، وبعدها قام بهدوء غريب وقال: “أكيد يا أبلة، خدي راحتك.” وخرج من الأوضة من غير أي اعتراض.
أول ما الباب اتقفل، كنت مستعدة أفتح عليها سيل من الأسئلة. لكن أمي سبقتني. بصتلي بنظرة قوية جدًا وقالت: “اسمه عاشور. وهو اللي هيبقى هنا من النهارده. ومفيش حد هيمشيه. وأنا اللي طلبت منه يقعد.” حاولت أعترض وأسأل وأفهم، لكنها كانت حاسمة بشكل غير معتاد. أنهت الكلام بجملة واحدة: “الموضوع خلص.”
خرجت من عندها وأنا غرقانة في الغضب والاستغراب. لكن الأيام اللي بعدها بدأت تلخبطني أكتر. كنت كل يوم مستنية أغلطه في حاجة، أو أشوف منه تصرف يثبت إن شكوكي كانت في محلها، لكن اللي حصل كان العكس تمامًا. عاشور كان بيصحى قبل أمي، ويجهز كل احتياجاتها، ويتابع مواعيد علاجها بدقة، ويقعد بالساعات يسمعها وهي بتحكي عن أيام زمان. كان يضحك معاها ويهزر معاها، ويعاملها باحترام شديد. والأغرب إن أمي نفسها بدأت تتغير.
بعد أسابيع قليلة بقت بتاكل أحسن، وتضحك أكتر، وتطلب تتفرج على التلفزيون، وتتكلم في مواضيع كانت بقالها سنين مش بتفتحها. كأن حد رجع فيها الروح من جديد. كنت بشوف التغيير بعيني، لكن رغم كده كان في حاجة مضايقاني. كل ما أدخل عليهم فجأة ألاقيهم بيتكلموا، وأول ما يشوفوني يسكتوا. سكوت كامل. كأن في سر مش عايزين يقولوهولي.
فضل الوضع بالشكل ده شهور لحد ما جه اليوم اللي قلب حياتنا كلها. أمي تعبت فجأة. حالتها الصحية انهارت بشكل سريع، واضطرينا ننقلها المستشفى. الدكاترة قالوا إن ده طبيعي بالنسبة لسنها وحالتها، لكن عقلي وقتها رفض يقتنع. كنت بدور على أي حد ألومه، ولقيت نفسي بلوم عاشور من غير دليل.
الغريب إنه من لحظة دخولها المستشفى ما سبهاش ثانية. كان قاعد جنب سريرها ليل ونهار. يجيب العلاج، يتكلم مع الدكاترة، يساعد الممرضات، ويطمن عليها كل دقيقة. كان بيتصرف وكأنه ابنها الحقيقي. وده كان مستفزني أكتر من أي حاجة تانية.
في ليلة من الليالي، كانت أمي نايمة بعد ما أخدت دواها. استغليت الفرصة وقربت من عاشور. قلتله بصراحة ومن غير مقدمات: “بص يا عاشور، أنا عايزاك تمشي. وهديك تلات أضعاف أي فلوس كنت بتاخدها. بس سيبنا لوحدنا.” كنت متوقعة إنه يفرح أو يوافق أو حتى يتفاوض. لكنه معملش أي حاجة من دي.
بصلي نظرة طويلة جدًا، نظرة مستحيل أنساها طول عمري. كان فيها حزن أكتر ما فيها غضب. وبعدها قام بهدوء وخرج من الأوضة. لحقت بيه وأنا بنادي عليه لحد ما وصلنا حوش المستشفى. هناك وقف فجأة ولف ناحيتي.
لأول مرة حسيت إن الراجل ده شايل جواه حكاية كبيرة. ملامحه اتغيرت تمامًا، وصوته بقى أهدى. قال: “يا أبلة، الفلوس اللي بتتكلمي عنها دي متساويش عندي حاجة. أنا مش موجود هنا عشان فلوس. أنا موجود هنا عشان دين.” استغربت وسألته: “دين إيه؟ أنت تعرف أمي منين أصلًا؟”
تنهد عاشور تنهيدة طويلة، وبص للأرض قبل ما يبدأ كلامه. قال إنه من حوالي عشر سنين كان شخص تاني خالص. شاب صغير ضايع في الشوارع، داخل في خناقات ومشاكل طول الوقت، ومعروف في المنطقة كلها إنه بلطجي وصاحب مشاكل. وفي يوم دخل في خناقة كبيرة جدًا واتصاب إصابة خطيرة. فضل يجري في الشوارع ودمه بينزف، وكل الأبواب اتقفلت في وشه خوفًا من المشاكل. محدش رضي يساعده. محدش فتح له الباب. إلا شخص واحد.
قال إن أمي هي الوحيدة اللي فتحته. وقتها كانت لسه تقدر تتحرك وتمشي. دخلته البيت وخبته وعالجت جروحه بإيديها. فضلت جنبه أيام كاملة. كانت تبكي عليه وتدعيله وتكلمه كأنه ابنها. ولما صحته اتحسنت، بدأت تكلمه عن حياته ومستقبله. قالتله إن جواه إنسان كويس، وإنه بيرمي نفسه في طريق نهايته ضياع. كانت تقوله كل يوم: “أنت راجل جدع يا عاشور، بس محتاج حد يفكرك بده.”
وأثناء كلامه كنت شايفة الدموع بتلمع في عينيه. قال إن الجملة دي غيرت حياته كلها. لأول مرة حد شاف فيه حاجة كويسة. لأول مرة حد عامله كبني آدم يستحق فرصة. ومن يومها ساب السكة الغلط، واشترى توكتوك بالشقى والتعب، وبدأ يشتغل بالحلال. ومن وقت للتاني كان يسأل عن أمي ويطمن عليها من بعيد.
وبعدين قال الجملة اللي كسرت قلبي: “لما عرفت إنها بقت مريضة وملازمة السرير، روحت أشوفها. أول ما شافتني عرفتني. عيطت وقالتلي إنها تعبانة من الوحدة. قالتلي إن أم أحمد ست محترمة وطيبة، لكن مش فاضية تحكي معاها أو تسمع ذكرياتها. قالتلي: يا عاشور، أنا مش محتاجة حد يأكلني بس… أنا محتاجة حد يونسني.” سكت شوية وبعدين أكمل: “عشان كده طلبت مني أقعد. وعشان كده كانت بتسكت أول ما تدخلي. كانت مكسوفة تقولك إنها محتاجة حد يسمعها أكتر ما محتاجة حد يخدمها.”
في اللحظة دي حسيت إن الدنيا كلها وقفت. كل الاتهامات اللي جوايا، وكل الشكوك، وكل الأحكام اللي أطلقتها على الراجل ده بسبب شكله، وقعت مرة واحدة. افتكرت قد إيه كنت مشغولة في شغلي وحياتي. افتكرت الساعات الطويلة اللي كانت أمي بتقضيها لوحدها وأنا فاكرة إن الأكل والدواء كفاية. لأول مرة فهمت إن الوحدة ممكن تكون أقسى من المرض نفسه.
رجعت مع عاشور لأوضة أمي وأنا مش قادرة أرفع عيني فيه من كتر الخجل. ولما فتحت أمي عينيها وشافتني ماسكة إيده وبشكره، ابتسمت ابتسامة هادئة مليانة راحة. كانت ابتسامة شخص أخيرًا شاف أحب الناس إليه فاهمين بعض. يومها قعدنا كلنا سوا لساعات طويلة. سمعت منها حكايات عمري ما سمعتها قبل كده. وضحكنا وبكينا وتكلمنا عن ذكريات قديمة نسيناها.
بعد أيام قليلة جدًا رحلت أمي بهدوء وسلام. كانت ملامحها وقتها مرتاحة بشكل غريب، كأنها خلصت كل اللي كانت عايزة تقوله للدنيا. وفي يوم الجنازة، كان أول شخص واقف يستقبل الناس هو عاشور. وقف بالساعات يتلقى العزاء ويخدم المعزين وكأنه ابنها الحقيقي. وقتها فقط أدركت معنى الجملة اللي الناس دايمًا بتقولها: مش كل ابن بيبقى سند، ومش كل غريب بيبقى بعيد. أحيانًا ربنا بيبعت للإنسان شخص من مكان ما تتوقعوش أبدًا، عشان يرد جميل قديم، أو يوفي دين منسي، أو يثبت إن الطيبة الحقيقية عمرها ما بتضيع، وإن المعروف مهما مر عليه الزمن، بيرجع لصاحبه في النهاية بأجمل صورة ممكنة.