القصر الذي لم يكن بيتًا: حكاية روفيدة مع الزواج القهري

القصر الذي لم يكن بيتًا: حكاية روفيدة مع الزواج القهري


اسمي روفيدة.
مش الاسم اللي يلفت، ولا اللي الناس توقف عنده. اسم بنت عادية، زيي بالظبط قبل ما الدنيا تقرر تغير مساري من غير إذن.
كنت دايمًا حاسة إن الحياة مش كريمة قوي، بس برضه ما كنتش شايفاها قاسية للدرجة. كنت عايشة في النص، بين الصبر والرضا، بين القبول والخوف.

عندي 18 سنة، بس عمري الحقيقي أطول من كده بكتير.
كبرت بدري، مش علشان عايزة، لكن علشان الظروف ما ادّتش فرصة لحد فينا يكون طفل كامل.
اتولدت وسط إخوات كتير، 11 أخت، وأخ واحد بس اسمه تيسير. بعد وفاة أمي وأبويا، البيت بقى هادي زيادة عن اللزوم، هدوء يخوف.

تيسير كان أكبرنا، وبقى فجأة صاحب القرار.
المسؤولية تقيلة، وأنا فاهمة ده، بس اللي ما كنتش فاهمته وقتها إن المسؤولية لو دخلت قلب فاضي من الرحمة، بتطلع قسوة.
كان دايمًا متضايق، شايف نفسه مظلوم، شايفنا حمل تقيل، وكأننا سبب تعبه مش أهله.

أنا كنت مختلفة شوية عن إخواتي.
كنت بسكت.
ما أحبش المشاكل، وما أحبش الصوت العالي.
كنت فاكرة إن الهدوء أمان، وإن السكوت بيخلّي الواحد بعيد عن الأذى.
ما كنتش أعرف إن السكوت أحيانًا بيخلّي الناس تتعامل معاك كإنك مش موجود.

اليوم اللي اتغير فيه كل شيء كان يوم عادي جدًا.
لا مناسبة، ولا علامة، ولا إحساس سابق بالخطر.
شمس طالعة، وأنا بلعب مع إخواتي قدام البيت، ضحك، جري، صوت الكرة وهي تخبط في الأرض.

الكرة خرجت مني وغلطت في راجل واقف بعيد شوية.
راجل شكله مش من المكان.
لبسه نضيف، عربيته فخمة، ونظرته فيها حاجة غريبة.

قربت بسرعة، قلبي سبقني:
“آسفة… والله ما قصدت.”

في الأول بص لي بغضب، وبعدين الغضب اختفى فجأة.
كأن وشه اتبدّل في ثانية.
رفع عينه وبصلي نظرة طويلة، مش إعجاب، لا… كانت نظرة فحص، كأني شيء قدامه مش بني آدمة.

قال بسخرية:
“طب وأسفة دي اصرفها منين؟”

ضحك، بس ضحكته ما ريحتنيش.
حسيت إني واقفة قدام حاجة أكبر مني، حاجة مش فاهمة نيتها.

سألني عن سني، عن أهلي، عن بيتي.
وأنا جاوبت ببساطة، زي ما اتربيت.
ما كنتش فاهمة إن كل كلمة بقولها كانت بتترتب في دماغه زي قطع بازل.

لما قلت له إن أمي وأبويا ميتين، وإن عايشة مع أخويا، شفت لمعة في عينه.
لمعة مش شفقة… لمعة فرصة.

قال:
“ما تخافيش… أنا بس عايز أكلم أخوكي.”

دخل بيتنا.
قعد مع تيسير.
وأنا دخلت أوضتي.
ما سمعتش كل الكلام، بس سمعت ضحك.
ضحك تقيل، ما كانش في مكانه.

بعد شوية، تيسير نادى عليا:
“بت يا روفيدة!”

خرجت وأنا قلبي مقبوض.
قاسم كان واقف، مبتسم ابتسامة غريبة.

قال:
“مفيش زغرودة ولا إيه يا عروسة؟”

الكلمة نزلت عليّ زي حجر تقيل.
“عروسة؟!”

في دقائق، من غير ما حد يسألني، حياتي اتقررت.
ما حدش شاف خوفي.
ما حدش سمع صوتي.
كنت واقفة بينهم زي حاجة اتسعّرت واتقفلت.

قاسم دفع.
وتيسير وافق.
وأنا… اتبعت.

خمس شهور عدّوا تقال.
قاسم كان يظهر ويختفي.
ولا مرة حسسني إني إنسانة.
كان يعاملني كأني صفقة مستنية التنفيذ.

كنت بحاول أهرب جوا نفسي.
أصلي.
أدعي.
أمسك في أي أمل صغير.

يوم الفرح جه.
لبست فستان أبيض، بس قلبي كان لابس خوف.
ضحكت للناس، وأنا من جوايا بقول وداع لحياتي القديمة.

دخلت قصره.
مكان كبير، فخم، بس بارد.
برده كان شبه إحساسي.

طلع بيّا أوضة النوم.
قرب.
قلبي وقف.

مسكت سكينة.
إيدي كانت بترتعش:
“لو قربت مني… هقتل نفسي.”

وقف.
بص لي بحدة:
“انتي بتاعتي بفلوسي.”

وسكت شوية:
“وهسيبك المرادي بمزاجي.”

خرج.
وسابني.

وقعت على السرير.
العياط كان كاتم صوتي.
القصر كله اتحول سجن مطلي بدهب.

الأيام بعد كده عدّت ببطء.
صمت، نظرات، أوامر من غير صوت.
كنت عايشة كأني ظل، بس جوايا حاجة بدأت تصحى.

ليلة، دخل عليا وأنا بقرأ قرآن.
قال بسخرية:
“بتدعي لمين؟”

قفلته بهدوء:
“بدعي لنفسي… وبدعي لك.”

قلت:
“ربنا يشفيك من مرض الفلوس.”

الكلام وجعه.
خرج.

تاني يوم، تيسير دخل القصر.
عايز فلوس أكتر.
كنت سامعة كل حاجة.

خرجت، وقفت قدامه:
“أنا مش هارجع معاك.”

وبصيت لقاسم:
“السجن هنا أكرم من العيشة مع واحد باعني.”

في اللحظة دي، حسيت إني رجعت لنفسي.
يمكن أكون محبوسة،
بس لأول مرة… ما كنتش مكسورة.

مرت أيام بعدها، أو يمكن أسابيع، روفيدة ما كانتش عارفة. الوقت جوه القصر ما كانش ليه شكل ولا معنى. الصبح زي الليل، والليل زي الصبح، وكل يوم بيعدّي وهي بتتعلم حاجة جديدة عن نفسها. اتعلمت إن الخوف مش دايمًا ضعف، وإن الصمت مش دايمًا استسلام، وإن الإنسان ممكن يكون محبوس من بره لكنه حر من جواه. كانت بتقعد ساعات تبص من شباك الأوضة، تشوف السما الواسعة وتحس إنها أقرب لها من أي حد في القصر. افتكرت أمها، صوتها، دعواتها اللي كانت دايمًا تقولها من غير سبب، وحست لأول مرة إن الدعوات دي لسه شغالة، بس متأخرة شوية. ما بقتش بتستنى من قاسم حاجة، ولا بتخاف من غضبه زي الأول، لأن جوه قلبها اتكوّن حائط هادي، مش قسوة ولا كراهية، لكن وعي. وعي إن اللي اتاخد منها بالقوة مش لازم يفضل مكسور للأبد، وإن حتى السجون الكبيرة ليها مفاتيح، بس المفاتيح دي مش دايمًا بتكون في الإيد… أحيانًا بتكون في العقل.

لو في حاجة روفيدة خرجت بيها من كل اللي فات، فهي إن الوجع مش دايمًا بييجي علشان يكسرنا، أحيانًا بييجي علشان يعرّفنا نفسنا. اتعلمت إن أقرب الناس ممكن يخذلوا، وإن الدم لوحده ما يضمنش الرحمة، وإن الفلوس لما تمسك القرار بتطفّي الإنسانية واحدة واحدة. اتعلمت كمان إن السكوت الطويل مش حكمة دايمًا، وإن الخوف لما يفضل جوه القلب بيكبر، لكن أول ما الإنسان يسميه ويعترف بيه، بيصغر. يمكن ما قدرتش تختار البداية، ولا الظروف، ولا الشخص اللي دخل حياتها بالقوة، بس قدرت تختار إنها ما تبقاش نسخة مكسورة من نفسها. فهمت إن الكرامة مش صوت عالي ولا مواجهة عنيفة، الكرامة أحيانًا بتكون إنك ترفض من جواك، وتستنى اللحظة اللي تخرج فيها وانت واقف على رجليك، مش مكسور ولا طالب شفقة. ويمكن أهم درس، إن اللي يتباع مرة مش لازم يتباع العمر كله، وإن الإنسان مهما اتضغط، لسه جواه مساحة صغيرة يقدر يقول فيها: لأ… حتى لو بصوت واطي.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان