الأوضة المقفولة: القصة التي بدأت بمراية

الأوضة المقفولة: القصة التي بدأت بمراية


في آخر الشارع، عند النقطة اللي الضوء فيها بيقل بالتدريج كأنه بيتعب من المشي، كان واقف بيت قديم محدش بيحسبه ضمن البيوت. مش لأنه بعيد بس، لكن لأنه دايمًا كان عامل زي صفحة مطوية في آخر كتاب: موجودة، بس محدش بيركّز معاها.

الباب الحديد متاكل من الصدأ، والقفل الكبير اللي عليه كان بيبان كأنه اتساب عمدًا عشان يعلن إن المكان ده “مش للزيارة”. الشبابيك مسدودة بألواح خشب باهتة، وفيها شقوق صغيرة تخلي عينك تحاول تبص… بس ما تلحقش تشوف حاجة. واللي كان أغرب من شكل البيت نفسه، هو اتفاق الناس عليه من غير ما يتفقوا: بعد المغرب، محدش يقرب.

محدش كان بيشرح القاعدة دي. كل واحد عنده سبب مختلف، أو حكاية سمعها من حد أكبر منه، أو تحذير قديم اتقاله وهو صغير فكبر معاه. مرة يقولوا إن البيت اتبنى على أرض “مش مظبوطة”، ومرة يقولوا إن أصحابه اختفوا فجأة، ومرة تانية يقولوا إن اللي دخله زمان ما خرجش إلا وهو “مش هو”.

يوسف كان بيسمع الكلام ده كله… وبيركنه جوا دماغه زي ما تركن ورق قديم في درج. مش لأنه بيتريق، ولا لأنه شايف نفسه أذكى من الناس، لكن لأنه ما كانش قادر يبلع فكرة إن الخوف لوحده دليل. كان دايمًا يسأل: يعني إيه “مش هو”؟ إزاي؟ وليه محدش بيحكي تفاصيل كاملة؟ وليه كل مرة الكلام يقف عند نفس الجملة؟

يوسف كان ولد عادي في المدرسة، بس في دماغه كان فيه حتة مش بتسكت. يحب يلاحظ، يحب يربط، يحب يمسك الخيط لحد ما يوصل لنهايته. وده كان بيخليه أحيانًا يتحرك ناحية الحاجات اللي غيره بيبعد عنها.

اليوم اللي كل حاجة اتغيرت كان يوم عادي جدًا لدرجة إن يوسف نفسه ما كانش فاكر تاريخه. راجع من المدرسة قبل الغروب بشوية، شنطته تقيلة، وعرقه ناشف على جبينه من المشي. كان مركز في حاجة تانية تمامًا… لحد ما رفع عينيه بالصدفة ناحية البيت.

نور.

نور صغير طالع من شباك الدور التاني. مش انعكاس، مش لمعة بتعدّي، مش ضوء عربية. نور ثابت، خافت، لكنه واضح ومصمّم كأنه بيقول: “أنا هنا”.

يوسف وقف مكانه. قلبه دق بسرعة، وبطنه عملت حركة غريبة زي لحظة سقوط في حلم. حاول يضحك على نفسه: يمكن حد دخل. يمكن صاحب البيت رجع. يمكن في عمال بيصلحوا.

قرب خطوة واحدة… وسمع خبطة خفيفة من جوه.

الخبطة ما كانتش عالية، لكن كانت كفاية إنها تخلي جسمه كله يشد. رجع خطوة لورا، وبص حوالين الشارع كأنه مستني حد يقول له “ارجع”. الشارع كان شبه فاضي. صوت بعيد لعربية، ووشوش مش واضحة في آخر الناحية. ولا حد مركز معاه.

الفضول كان زي يد بتزقه لقدام. يوسف لف حوالين البيت، يمشي ببطء، ويقرب من الحيطان كأنه بيحاول يسمع المكان وهو بيتنفس. ولما وصل للباب… لاحظ حاجة ما ينفعش تبقى مصادفة:

الباب مفتوح نص فتحة.

فضل واقف قدامه ثواني طويلة. حس إن الهواء حواليه اتقل، وإن الصمت بقى له وزن. مد إيده ودفع الباب بهدوء. الحديد صرّ صرّة طويلة مؤلمة، زي اعتراض متأخر من حاجة ما كانتش عايزة تتفتح أصلًا.

دخل.

أول حاجة ضربته كانت الرائحة: تراب قديم، ورطوبة، وحاجة شبه الخشب المتعفن. الأرض مغطاة بطبقة غبار، بس المدهش إن في آثار أقدام خفيفة هنا وهناك… مش كتير، لكنها جديدة بما يكفي.

يوسف مشي خطوة… خطوة. كان سامع أنفاسه بوضوح، وسامع صرير خفيف تحت رجليه. جدران البيت من جوه كانت أوسع مما تخيل. المكان مش مظلم بالكامل، ومش منور بالكامل. نور غريب منتشر، كأنه طالع من مصدر ما ينفعش تبص له.

وهو بيبص يمين وشمال، سمع الهمس لأول مرة:

“يوسف…”

اتجمد. اسمه اتقال بصوت واطي لكنه واضح. اتلفت بسرعة، وبص وراه، وبص قدامه، وكأنه هيشوف حد واقف في نص الصالة. مفيش. حاول يتكلم، لكن صوته خرج أصغر من المعتاد:

“مين؟”

محدش رد. لكنه سمع الهمس تاني… أقرب. وبشكل أغرب، كأنه طالع من فوق، من ناحية السلم.

السلم كان قديم، درجاته خشب، وكل درجة تصرّ كأنها بتشكي. يوسف طلع ببطء، وإيده على السور الخشب اللي ملمسه خشن. عند كل درجة كان يحس إنه ممكن يرجع… بس كان يكمل.

في الدور التاني كان في ممر ضيق. وفي آخره باب مقفول. من تحت الباب كان في شريط نور خفيف، زي نور أوضة حد سايب لمبة صغيرة فيها.

يوسف وقف قدام الباب. حس بنبضه في ودانه. مد إيده للمقبض… وبمجرد ما لمسه، حس بالبرودة كأن المقبض متشافط من مكان تاني.

فتح.

الأوضة كانت فاضية بشكل يزعّل العين. مفيش كراسي، مفيش دولاب، مفيش حتى شبابيك. بس في منتصفها… مراية كبيرة جدًا، واقفة لوحدها، بإطار خشب داكن عليه خدوش، كأنه اتنقل كتير أو اتخبط كتير.

يوسف قرب خطوة. وبص.

ما شافش نفسه.

بدل وشه، شاف أوضته هو. نفس الترتيب اللي في بيته، نفس السرير، نفس الغطا اللي أمه كانت دايمًا بتزقه تحت المخدة عشان “يبان مرتب”. وعلى السرير كان في شخص نايم.

يوسف قرب أكتر، عينه بقت واسعة، والهواء اتسحب من صدره:

الشخص النايم كان هو.

في اللحظة دي، المراية اتقفلت بعنف كأنها باب اتقفل في وشه. والضلمة نزلت على الأوضة مرة واحدة. يوسف لف بسرعة ناحية الباب، شدّه… مقفول. حاول مرة تانية، وبعدين تالتة، وبعدين بدأ يضرب بيده على الخشب وهو بيقول بصوت متقطع:

“افتح… افتح!”

قلبه كان بيدق جامد لدرجة حس إنه مش قادر يركز. وبعد ثواني، النور رجع فجأة. مش نور لمبة، لكن نفس النور الغريب اللي كان في البيت. المراية كانت مفتوحة تاني.

يوسف بص بسرعة ناحية السرير اللي كان شايفه… السرير كان فاضي.

قبل ما يفكر، سمع الصوت تاني… بس المرة دي أوضح، كأنه واقف وراه:

“متخافش… أنا كنت مستنيك.”

يوسف لف بعنف. لا شيء.

لكن من داخل المراية… طلعت يد.

يد شبه يده. نفس لون الجلد، نفس شكل الأصابع. وبعدها ظهر الوجه. وش يوسف… نسخة مطابقة، لكن فيها حاجة ناقصة. العينين كانوا فاضيين. مش بمعنى إنهم معتمين، لكن بمعنى إنهم بلا روح، بلا سؤال، بلا ارتباك.

النسخة التانية ابتسمت ابتسامة صغيرة هادية وقالت:

“كل بيت ليه سر… وكل واحد ليه ظل. وأنا ظلك.”

يوسف رجع لورا تلقائيًا، ورجله خبّت في الأرض كأنه بيتأكد إنها ثابتة:

“لا… إنت مش حقيقي.”

الظل رد بنفس الهدوء:

“أنا الحقيقي… إنت اللي مجرد انعكاس.”

يوسف حاول يضحك، يستهزأ، يطرد الخوف… لكن جسمه ما ساعدوش. المراية بدأت تشده. مش شد بإيد، لكن قوة خفية، كأن الهواء نفسه بقى سحّاب. يوسف قاوم، غرز صوابعه في الأرض، حاول يرجّع نفسه لورا.

وهو بيقاوم، افتكر صوت أمه. مش كلام مرعب، بالعكس. جملة بسيطة كانت بتقولها لما يخاف من أي حاجة وهو صغير:

“اللي يخاف يفضل مكانه… واللي يواجه يخرج.”

يوسف وقف، ومن جوه الخوف بدأ يتحول لغضب. ليه هو؟ ليه بيتسحب؟ ليه في نسخة منه عايزة تاخد مكانه؟

بص في عين الظل وقال بصوت ثابت على قد ما يقدر:

“أنا مش هسيب نفسي.”

المراية اهتزت. الإطار الخشب عمل صوت خشن، كأنه بيتكسر من جوه. الظل صرخ صرخة سريعة، مش صرخة ألم بس، صرخة حد اتفضح.

يوسف كرر بصوت أعلى:

“مش هسيب نفسي!”

في اللحظة دي، المراية اتشقّت. شق رفيع في الزجاج بقى خط طويل… وبعده شقوق كتير، بسرعة مرعبة. وبعدين… اتكسرت.

يوسف وقع على الأرض، مش فاهم إذا كان وقع لجوه ولا لبرا. كل اللي كان حاسه إنه لسه موجود، وإن نفسه راجع ببطء.

فتح عينه… الأوضة كانت فاضية. مفيش مراية. مفيش نور. مفيش حتى نفس الإحساس. كأنه كان في حلم وصحِي. الباب بقى مفتوح.

يوسف نزل السلم يجري، رجله بتتلخبط في درجاته، وطلع برا البيت وهو بيحاول يبلع ريقه. أول ما عدّى العتبة… الباب اتقفل وراه لوحده. قفلة واحدة نهائية، زي قرار ما بيتراجعش.

وقف في الشارع وهو بيتنفس بسرعة. بص على البيت… الشبابيك ضلمة، والباب مقفول بالقفل الصدّي زي ما كان. كأن اللي حصل من دقايق ما حصلش أصلًا.

من اليوم ده، البيت فضل مهجور. والناس فضلت تقول “محدش يقرب بعد المغرب” من غير ما تعرف إن التحذير ده له معنى مختلف عند يوسف.

يوسف اتغير. مش تغيير يخليه يخاف من المرايات أو يكره الضلمة، بالعكس. بقى أكتر هدوء، وأكتر انتباه. بقى لما يقف قدام مراية في الحمّام، يطوّل النظر ثواني زيادة… مش عشان يتأكد من شكله، لكن عشان يتأكد من حاجة أعمق:

إن اللي شايفه… هو اللي اختار يكونه.

ويمكن ده هو السر اللي ما حدش بيقوله: إن في لحظات في حياة أي واحد، بيقف قدام نفسه… ويقرر.

يقرر يفضل “انعكاس” للي الناس عايزاه… ولا يبقى هو.

ويوسف، مهما كان اللي شافه في البيت القديم، خرج منه بجملة واحدة ثابتة:

“أنا مش هسيب نفسي.”

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان