يوم الجمعة الذي تغيّر فيه كل شيء

يوم الجمعة الذي تغيّر فيه كل شيء


يوم الجمعة الذي تغيّر فيه كل شيء

غدا يوم الجمعة عند أهلي كان دايمًا له طعم خاص… طعم مختلط بين الدفء العائلي، والذكريات القديمة، وأحيانًا — الحقيقة اللي اتعلمتها بعد سنين — طعم الطلبات المؤجلة اللي بتستنى اللحظة المناسبة علشان تظهر. السفرة كانت دايمًا بتبان بريئة جدًا؛ فراخ مشوية طالعة من الفرن ولسه البخار بيطلع منها، رز أبيض مفلفل بطريقة أمي اللي كانت تعتبرها إنجاز شخصي، بطاطس محمرة لونها دهبي، وطبق الفاصوليا الخضرا اللي كانت أمي بتعمله بطريقتها الخاصة… طريقة فيها لحمة أكتر من الفاصوليا نفسها.

الشباك في الصالة كان مفتوح على شارع هادي في ضاحية من ضواحي القاهرة. الشارع اللي فيه صوت عربية يعدّي كل شوية، وصوت ولدين صغيرين بيلعبوا كرة تحت عمود النور. أبويا كان سايب الماتش شغال بصوت واطي في الصالة، مش علشان يتفرج عليه بجد، لكن علشان يبقى فيه صوت في الخلفية… كأنه موسيقى لمسرحية عائلية محفوظة من سنين.

اسمي نادية حسن. عندي 33 سنة. وعلى قد ما اسمي بسيط، حياتي مع أهلي ما كانتش بسيطة أبدًا. اتعلمت بعد سنين طويلة إن أهلي لما بيطلبوا مني أزورهم يوم الجمعة، مش بيبقوا عايزين يطمنوا عليّ أو يسمعوا أخباري… هم غالبًا بيبقوا عايزين يقولوا حاجة، أو يطلبوا حاجة، أو يرموا عليّ مشكلة جديدة لازم أتحملها.

أخويا رامي كان قاعد على الكنبة أول ما وصلت. رجليه بالجوارب ممدودة على الترابيزة قدامه، وموبايله في إيده بيقلب فيه بسرعة كأنه بيدور على كنز ضايع. بالكاد رفع عينه علشان يسلم عليّ، وقال “أهلاً” بنبرة نصها كسل ونصها لا مبالاة.

رامي عنده 30 سنة. شكله وسيم بطريقة مهملة شوية… الشعر اللي محتاج حلاقة بقاله أسبوعين، واللحية اللي مش محددة كويس. لكنه طول عمره كان عنده موهبة غريبة: موهبة إنه يعيش في مرحلة “هنشوف هنعمل إيه”. المشكلة إن المرحلة دي بدأت معاه من أيام الكلية… ولسه ما خلصتش لحد دلوقتي.

قعدنا ناكل. الكلام في الأول كان عادي جدًا، نفس الكلام اللي بيتقال كل أسبوع تقريبًا. أمي سألتني عن شغلي في قسم الحسابات في المستشفى، وهزت دماغها كأنها فاهمة التفاصيل… رغم إنها عمرها ما كانت فاكرة أصلًا أنا بشتغل في أنهي قسم. أبويا اشتكى من الغلا، وقال إن الدنيا بقت صعبة على المعاش. أما رامي فكان بيحكي نكت عن “مديره الظالم” في الشغل.

كنت سامعة الكلام… لكن جزء جوايا كان مستني اللحظة. اللحظة اللي بيتحول فيها الكلام العادي إلى الطلب الحقيقي.

وجت اللحظة فعلًا.

لما الصحون كانت بتتشال تقريبًا، أمي مسحت بقها بالمنديل، وبصت لنا كلنا، وقالت الجملة بنفس الهدوء اللي ممكن حد يعلن بيه حالة الطقس.

“رامي ساب الشغل… فإنتي هتدفعي مصاريفه شوية لحد ما يلاقي شغل.”

الجملة وقعت على السفرة كأنها عقد مكتوب وموقع من غير ما حد يستشيرني. رفعت عيني وبصيت لها بهدوء.

“نعم؟”

أبويا ما رفعش عينه من الطبق. كان بيقطع قطعة فراخ بالشوكة والسكينة وكأن الموضوع طبيعي جدًا. وقال ببساطة:

“اللي بينا دم. العيلة بتقف جنب بعض.”

وبعدين كمل بنفس النبرة:

“وإنتي بنت مسؤولة… تقدري تتحملي.”

رامي ابتسم ابتسامة صغيرة. الابتسامة اللي بيبتسمها واحد كسب حاجة من غير ما يلعب أصلًا.

الغريب إن قلبي ما كانش بيدق بسرعة. نادية القديمة كانت هتتوتر دلوقتي. كانت هتحاول تشرح لهم إن عندي إيجار شقة، وقسط عربيتي الصغيرة، وقرض قديم لسه بسدده، والقرشين اللي بدأت أوفرهم أخيرًا لأول مرة في حياتي.

كانت هتحاول تقنعهم إني إنسانة… مش حل جاهز لكل مشكلة.

لكن الأسبوع ده كان طويل.

طويل بطريقة خلت حاجة جوايا تتغير.

بصيت لهم بهدوء وسألت:

“طيب… قد إيه يعني؟”

أمي لوحت بإيدها كأن الموضوع تافه.

“حاجات بسيطة… قسط عربيته، الموبايل، إيجار الشقة… لحد ما يلاقي شغل بس.”

رامي أخيرًا رفع عينه وقال بثقة:

“مش هتطول.”

قالها بنفس الطريقة اللي قالها سنة 2019 لما استلف كارت الفيزا بتاعي. وقتها أخد 8 شهور علشان يرجع الفلوس… وبعد ما هددته إني هوقف الكارت.

أبويا رجع ضهره لورا على الكرسي وهو مرتاح وقال:

“شايفة؟ الموضوع بسيط.”

سكت شوية وبعدين قال الجملة اللي فهمت منها كل حاجة:

“إحنا عارفين إنك هتفهمي.”

بصيت لوشوشهم.

ثقة أمي.

إحساس أبويا إن ده حق طبيعي.

راحة أخويا الكسولة.

وساعتها فهمت الحقيقة اللي فضلت سنين طويلة ما بحاولش أواجهها.

هم ما كانوش بيطلبوا مني حاجة.

هم كانوا بيقرروا عني.

حطيت الشوكة بهدوء. وضميت إيدي في حضني. وقلت الكلمة اللي ما توقعتهاش نفسي أصلًا:

“تمام.”

الغرفة سكتت.

ابتسامة أمي بدأت تختفي.

جبين أبويا اتعقد.

رامي بطل يبتسم.

وكملت بنفس الهدوء:

“يبقى يعيش عندكم هنا بقى… علشان أنا…”

سكتت لحظة.

وبعدين قلت الجملة اللي قلبت ثقتهم لصدمة:

“علشان أنا قدمت استقالتي من المستشفى النهاردة.”

الصمت اللي حصل بعدها كان تقيل لدرجة إن صوت الماتش في الصالة بقى واضح جدًا فجأة.

أمي سابت المنديل من إيدها.

أبويا وقف تقطيع في الفراخ وبصلي كأني قلت حاجة غير مفهومة.

رامي اتعدل في قعدته فجأة كأن كهرباء عدت فيه.

أمي سألت بصوت مهزوز:

“يعني إيه استقلتي؟”

بصتلها بهدوء وقلت:

“يعني استقلت.”

سكتت لحظة وبعدين كملت:

“قررت آخد أجازة مفتوحة من كل حاجة.”

أبويا قال بسرعة:

“وإيجارك؟”

أمي كملت:

“ومصاريفك؟”

رامي قال:

“والفلوس اللي بتبعتوها لخالتك كل شهر؟”

ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت:

“بسيطة.”

وبعدين قلت الجملة اللي خلتهم يتجمدوا:

“هفسخ عقد شقتي… وهجيب حاجتي هنا… وأقعد في أوضتي القديمة.”

الصمت رجع تاني.

وكملت:

“ورامي بقى يورينا الشطارة… ويصرف علينا إحنا الاتنين لحد ما الدنيا تظبط.”

وش أبويا احمر.

وقال بعصبية:

“إنتي اتجننتي؟!”

وقف من على الكرسي وقال:

“إنتي العمود اللي شايل البيت!”

وبعدين أشار لرامي وقال:

“رامي لسه بيشق طريقه.”

وقفت أنا كمان بهدوء.

وقلت له:

“العمود تعب من الشيل يا بابا.”

سكت لحظة وبعدين كملت:

“ومحتاج يتسند شوية.”

بصيت لرامي.

وقلت:

“رامي عنده 30 سنة… يعني شق طريقه ده كان المفروض يخلص من زمان.”

وبعدين قلت الجملة اللي كنت محتاجة أقولها من سنين:

“وبما إنكم قررتوا إني مسؤولة عنه وهو عاطل… فأنا قررت إني مش مسؤولة حتى عن نفسي.”

مسكت شنطتي.

وبصيت لرامي وقلت:

“جهّز لي مكان في الأوضة يا رامي… علشان أنا جاية الأسبوع الجاي.”

وقبل ما أمشي قلت آخر جملة:

“ومستنية منك المصاريف البسيطة اللي ماما قالت عليها.”

مشيت.

وأنا خارجة سمعت صوتهم بيعلى ورايا.

لكن لأول مرة من سنين…

النفس اللي بطلعه ما كانش تقيل.

لأول مرة حسيت إنّي مش مجرد بنك متحرك في حياتهم.

لكن إنسانة.

إنسانة ليها حق تقول كلمة واحدة بس…

“لأ.”

الفصل الثاني: المكالمة التي لم أتوقعها

الهواء برا كان بارد شوية لما خرجت من العمارة. الشارع نفسه اللي كنت بمرّ فيه من سنين فجأة حسّيته مختلف… أو يمكن أنا اللي اتغيرت. الأنوار الصفراء فوق الأعمدة كانت بتعمل دوائر صغيرة على الأسفلت، وكل دائرة منهم كأنها جزيرة هدوء مؤقتة في بحر من الأفكار اللي بتدور في دماغي.

ركبت العربية وسكت شوية قبل ما أدور المحرك. إيدي كانت على الدركسيون، لكن عقلي كان لسه جوه الصالة… عند السفرة اللي سيبتها من خمس دقايق بس، والعيون اللي كانت بتبص لي كأني كسرت قانون غير مكتوب في العيلة.

أنا طول عمري كنت البنت “العاقلة”. البنت اللي بتفهم، اللي بتستحمل، اللي بتعدّي. يمكن علشان كده محدش لاحظ إن التحمل ده له سقف… وإن السقف ده لما بيتكسر، الصوت بيبقى عالي.

وصلت شقتي بعد نص ساعة تقريبًا. العمارة كانت هادية، والبواب كان قاعد على الكرسي البلاستيك قدام الباب، ماسك الراديو الصغير بتاعه بيسمع نشرة الأخبار. سلمت عليه وطلعّت السلم ببطء، كل خطوة كأنها بتثبت حقيقة جديدة: أنا أخيرًا قلت “لأ”.

دخلت الشقة. المكان كان ساكت، بس السكون ده كان مريح. حطيت الشنطة على الترابيزة الصغيرة جنب الباب، وخلعت الجاكت. المطبخ كان فيه كوباية قهوة قديمة نسيتها الصبح، ولسه فيها شوية قهوة باردة.

قعدت على الكنبة، وبصيت حواليا.

الشقة دي… أنا اللي بنيتها من الصفر. كل قطعة أثاث فيها كنت شرياها بالقسط. كل رف، كل ستارة، كل مصباح صغير كان نتيجة ساعات شغل طويلة في المستشفى.

ويمكن علشان كده… فكرة إني أسيبها كانت مؤلمة شوية.

لكن الحقيقة إن القرار اللي قلته على السفرة ما كانش كذبة.

أنا فعلًا قدمت استقالتي.

الأسبوع اللي فات كان الأصعب في حياتي المهنية. ضغط الشغل، العجز في القسم، المناوبات الطويلة… وفي الآخر اكتشفت إن المرتب اللي بقبضه نصه بيروح لمشاكل مش بتاعتي أصلًا.

وأنا قاعدة في المكتب يوم الأربعاء… سألت نفسي سؤال بسيط:

أنا بشتغل لكل ده ليه؟

الجواب كان واضح وموجع في نفس الوقت.

مش علشاني.

الموبايل رن فجأة. الرقم كان اسم أمي.

بصيت للشاشة شوية قبل ما أرد.

ولما ضغطت زر الرد، صوتها كان مختلف عن أي مرة قبل كده.

“نادية…”

كان فيه توتر في صوتها. حاجة بين الغضب والارتباك.

قلت بهدوء:

“أيوه يا ماما.”

سكتت لحظة، وبعدين قالت:

“إنتي كنتي بتتكلمي جد؟”

ابتسمت رغم إنها مش شايفاني.

“في أنهي جزء؟”

قالت بسرعة:

“موضوع الاستقالة.”

قلت:

“آه.”

الصمت رجع تاني.

لكن المرة دي كان صمت مختلف… صمت واحد بيحاول يفهم حاجة عمره ما فكر فيها قبل كده.

قالت أمي أخيرًا:

“بس… إنتي دايمًا كنتي…”

ما كملتش الجملة.

لكن أنا فهمتها.

كنت دايمًا العمود.

كنت دايمًا الحل.

كنت دايمًا الشخص اللي بيصلّح كل حاجة.

قلت بهدوء:

“يمكن علشان كده تعبت.”

سمعت صوت أبويا في الخلفية بيسأل:

“قالت إيه؟”

وأمي ردت بصوت واطي:

“بتقول جد.”

الخط فضل ساكت ثواني.

وبعدين صوت رامي دخل في المكالمة فجأة:

“يعني إيه يا نادية؟”

صوته ما كانش فيه ثقة المرة دي.

قلت له:

“يعني نفس اللي قولته.”

سكت شوية، وبعدين قال:

“إنتي بتهزري صح؟”

ضحكت ضحكة صغيرة.

“أنا عمري ما كنت بهزر في الفلوس يا رامي.”

ما ردش.

لكن للمرة الأولى من سنين…

أنا حسيت إن الكرة مش في ملعبي.

قفلت المكالمة بعد دقايق.

وحطيت الموبايل على الترابيزة.

بصيت حواليّا تاني.

الشقة نفسها.

الحياة نفسها.

لكن الشعور مختلف.

لأن لأول مرة من سنين طويلة…

أنا ما كنتش شايلة حد غير نفسي.

ولأول مرة…

المستقبل ما كانش خطة لإنقاذ حد تاني.

كان خطة علشاني أنا.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان