شي إن الغلابة: حكاية الشنطة السودا اللي كانت بتلم الناس قبل ما تلم الهدوم

شي إن الغلابة: حكاية الشنطة السودا اللي كانت بتلم الناس قبل ما تلم الهدوم


شي إن الغلابة: حكاية الشنطة السودا اللي كانت بتلم الناس قبل ما تلم الهدوم

لو رجع بيا الزمن شوية لورا، قبل ما الموبايلات تبقى جزء من إيدينا، وقبل ما كلمة “أبلكيشن” تبقى أسهل من كلمة “سوق”، هلاقي نفسي واقفة قدام باب شقة قديمة، مستنية صوت الجرس اللي كان بيعلن عن حاجة أكبر بكتير من مجرد زيارة عادية، كان إعلان عن يوم مختلف، يوم فيه حركة، وضحك، ولمّة ناس، وألوان هدوم متعلقة على ضهر كراسي السفرة، اليوم اللي كانت فيه “الست الصينية” تيجي، ومعاها شنطتها السودة الكبيرة اللي كانت شايلة فيها عالم كامل، عالم من القماش والأحلام الصغيرة، عالم كان بيخلي البيت كله يتحول فجأة لمعرض أزياء شعبي، لكن بطعم دافي ما يتعوضش.

الجرس كان بيرن بطريقة مميزة، كأن فيه استعجال خفيف، وكأن اللي وراه عارفة إن في ستات مستنياها، أول ما الباب يتفتح، كانت تقف بابتسامتها الهادية، ملامحها بسيطة، عينيها فيها تعب واضح، لكن برضه فيها طيبة غريبة، وشها مش بيقول إنها جاية تبيع وبس، لكن كأنها جاية تزور، كأنها واحدة من القرايب البعاد اللي بيجوا كل فترة ويقلبوا البيت حياة، ووراها شنطة سودا ضخمة، أكبر من حجمها تقريبًا، شنطة أول ما تتحط على الأرض تحسي إنها شايلة حكايات مش بس هدوم.

كانت تدخل بهدوء، تقعد على طرف الكنبة، وتبدأ تفتح الشنطة، ومع أول سوستة تتفتح، كأن باب تاني بيتفتح، باب لعالم كله ألوان، فساتين، بلوزات، بناطيل، طرح، وكل حاجة كانت ممكن تخطر على بال أي ست، ومامي أول ما تشوف المشهد ده، كانت بتقوم بسرعة كأنها دخلت في حالة طوارئ، تنادي بأعلى صوتها: “يا أم محمد! يا طنط حنان! بسرعة… الست الصينية جات!”، والجملة دي كانت كفيلة إنها في أقل من عشر دقايق تملأ البيت ستات من كل حتة، كل واحدة جاية وهي شايلة حكايتها، وهمها، وفضولها تشوف الجديد.

الصالة كانت بتتحول حرفيًا لمعرض، الكراسي تتحرك، الترابيزة تتزق، والهدوم تبدأ تتعلق هنا وهنا، وكل واحدة تمسك قطعة وتقيسها فوق هدومها، واحدة تقول: “دي هتبقى حلوة في الفرح الجاي”، والتانية تضحك وترد: “إيه يا بنتي ده؟ ده واسع عليكي”، وثالثة تقف قدام المراية تلف وتبص لنفسها وكأنها على مسرح، والضحك يملأ المكان، ضحك حقيقي، مش مجاملة، ضحك نابع من لحظة بسيطة لكنها مليانة حياة، أما الست الصينية فكانت قاعدة وسطهم، تضحك، تهز راسها، يمكن مش فاهمة الكلام كله، لكن فاهمة الجو، فاهمة إن البيع ماشي، وفاهمة إن القعدة دي أهم من أي صفقة.

اللي كان يميز اللحظات دي مش بس الهدوم، لكن التفاصيل الصغيرة اللي كانت بتحصل حواليها، كوباية شاي بالنعناع تتقدم لها، واحدة تقولها “كلي يا سوسو”، وتلاقي نفسها بعد شوية ماسكة طبق محشي، تاكل وتضحك، وكأنها مش غريبة، وكأنها جزء من القعدة، وفي لحظات كتير كانت تبقى سايبة البيع خالص، وتقعد تسمع حكايات الستات، واحدة تحكي عن بنتها، والتانية عن جوزها، والثالثة عن مشاكل البيت، وهي قاعدة تهز راسها، وتبتسم، ويمكن في عيونها حاجة بتقول إنها فاهمة الإحساس، حتى لو اللغة مختلفة.

أما الفصال… فده كان عرض لوحده، مسرحية كاملة بكل تفاصيلها، تبدأ واحدة تقول: “حرام عليكي السعر ده!”، والتانية تدخل تقول: “خليها بـ30 عشان خاطرنا”، والست الصينية ترد بابتسامة: “لا لا… ده كويس”، ويكمل الحوار شد وجذب، وكل واحدة تحاول تكسب الجولة، وفي الآخر، بعد ضحك ومساومة، توافق، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي، لحظة إن الكل يحس إنه كسب، حتى لو الفرق بسيط، لكن الإحساس بالرضا كان كبير.

كانت تمشي بعد ساعات، والشنطة أخف، لكن البيت أتقل، أتقل بالضحك، بالكلام، بالحكايات اللي اتقالت واتسمعت، والأكياس اللي اتمليت هدوم، والقلوب اللي اتمليت إحساس غريب كده… إحساس إن اليوم ده كان مميز، مش لأنه فيه شراء، لكن لأنه فيه لمّة، فيه ناس، فيه حياة، لكن الحقيقة اللي ماكنّاش شايفينها وقتها، إن الست دي ماكنتش مجرد بائعة، كانت قصة ماشية على رجلين، كانت واحدة سابت بلدها، يمكن مجبورة، يمكن وراها ديون، يمكن وراها حياة اتكسرت، وجت تبدأ من جديد، ومع كل باب كانت بتخبط عليه، كانت بتدور على فرصة، وعلى مكان يحتويها.

ومع الوقت، بقينا نعرف تفاصيل أكتر، نعرف إنها بتلف بيوت كتير، وإن الشنطة دي مش بس شغلها، دي حياتها كلها، وإنها رغم التعب، كانت بتيجي بنفس الابتسامة، بنفس الروح، وكأنها بتقول لنفسها كل يوم إن بكرة ممكن يكون أحسن، واللي لاقته هنا ماكانش بس زباين، كان ناس فتحت لها بيتها وقلبها، ناس خلتها تحس إنها مش لوحدها، وإن الغربة ممكن تبقى أخف لما تلاقي حد يضحك معاك حتى لو مش فاهم لغتك.

ومرت السنين، وكل حاجة اتغيرت، بقى عندنا موبايلات، وأبلكيشنات، وبقينا نشتري بضغطة زر، نختار ونقيس ونرجع من غير ما نقابل حد، بقينا نعرف الأسعار قبل ما نسأل، ونشتري من غير ما نفاصل، بس رغم كل السهولة دي، في حاجة اتفقدت، حاجة ما بتتعوضش، اختفت القعدة، اختفى صوت الضحك الجماعي، اختفت اللحظة اللي كلنا فيها حوالين شنطة سودا، كل واحدة بتجرب، والتانية بتعلق، والتالتة بتضحك، اختفى الدفء اللي كان في التفاصيل.

دلوقتي ممكن نطلب عشرين قطعة في دقيقة، لكن عمرنا ما هنلاقي نفس الإحساس، إحساس إن الشراء كان سبب، لكن اللي بيحصل حواليه هو الأهم، إن الناس كانت بتتقابل، وتتكلم، وتشارك لحظات بسيطة لكنها حقيقية، يمكن التكنولوجيا سهلت علينا حاجات كتير، لكن أخدت معاها حاجات أهم، حاجات زي الضحكة اللي بتيجي من القلب، أو الإحساس إن في حد داخل بيتك وهو غريب، ويخرج وهو كأنه واحد منكم.

ولحد النهارده، لما بشوف شنطة سودا كبيرة، أو أسمع حد بيتكلم عن هدوم زمان، برجع بالذاكرة للحظات دي، وأفتكر الست الصينية، بابتسامتها الهادية، وشنطتها اللي كانت شايلة أكتر من مجرد قماش، كانت شايلة حكايات، وذكريات، وأيام ما تتنسيش، وأقول لنفسي إن يمكن إحنا كسبنا السرعة، لكن خسرنا الحكاية… وخسرنا الدفء اللي كان بيخلي أبسط حاجة تتحول لذكرى تعيش معانا سنين.

الفصل الجديد: لما الشنطة رجعت… بس المرة دي كانت فاضية

عدت سنين طويلة، وكل حاجة اتغيرت حوالينا بسرعة غريبة، الشوارع بقت أهدى من غير صوت البياعين، البيوت بقت مقفولة أكتر، والناس بقت مشغولة في شاشاتها، لكن الذكريات كانت لسه موجودة، بتظهر فجأة في مواقف بسيطة، زي لما تفتحي دولاب قديم وتلاقي قطعة لبس قديمة، أو لما تشوفي صورة فيها قعدة زمان، فتبتسمي من غير سبب واضح، وأنا في يوم عادي جدًا، كنت بترتب في شقة ماما بعد ما كبرت وبقيت أزورها أقل، لقيت فستان قديم، قماشه بسيط، لكن فيه ريحة زمن كامل، أول ما لمسته، رجعتلي كل المشاهد، صوت الضحك، الشاي، الفصال، والشنطة السودة، وكأن حد ضغط زر في دماغي وشغل فيلم كامل من غير مقدمات، ووقفت للحظة، مسكة الفستان، وبسأل نفسي: “هي فين دلوقتي؟ يا ترى عايشة؟ يا ترى لسه بتلف؟”

السؤال فضل معايا طول اليوم، يمكن لأول مرة أفكر فيها بجد، مش كذكرى، لكن كإنسانة، واحدة كان ليها وجود في حياتنا، حتى لو بسيط، وقررت من غير ما أفكر كتير إني أنزل ألف شوية في نفس الشوارع القديمة، يمكن ألاقي حد يعرف عنها حاجة، يمكن ألاقي خيط صغير يوصلني ليها، نزلت، والمكان نفسه، بس الإحساس مختلف، المحلات اتغيرت، والوجوه كبرت، والهدوء بقى غالب، سألت كذا حد، وفي الآخر واحدة ست كبيرة قالتلي: “تقصدي سوسو؟ آه كانت بتيجي زمان… بس اختفت بقالها سنين”، الكلمة دي وقفتني، “اختفت” كلمة تقيلة، مش زي “بطلت” أو “سافرت”، فيها فراغ غريب.

وأنا راجعة، مشيت قدام بيتنا القديم، نفس العمارة، نفس الباب، وقفت قدامه شوية، مش عارفة ليه، يمكن عشان أشوف المكان اللي كانت بتيجي فيه، المكان اللي كان بيجمعنا كلنا، وفجأة، وكأن الزمن قرر يلعب معايا، سمعت صوت خبط خفيف على باب العمارة، بصيت… ولقيت ست واقفة، ملامحها مألوفة بشكل يخض، لكن مختلفة، الزمن رسم خطوط على وشها، جسمها بقى أضعف، وشنطتها… نفس الشنطة السودة، بس كانت أخف، بشكل واضح، للحظة حسيت إني بحلم، لكن لما عينيها جات في عيني، ابتسمت نفس الابتسامة القديمة، الهادية، اللي فيها طيبة غريبة.

قربت منها وأنا مش مصدقة، وقلت: “إنتي… سوسو؟”، ضحكت بهدوء وهزت راسها، وقالت بالعربي المكسر اللي ما اتغيرش: “آه… إنتي كبيرة خلاص”، الجملة كانت بسيطة، لكنها ضربت في قلبي، لأنها كانت شايفة الوقت، شايفة إني اتغيرت، وإن الدنيا مشيت، بس هي لسه هنا، وقفت قدامها، وبصيت للشنطة، وسألتها: “لسه بتبيعي؟”، بصتلي، وسكتت لحظة، وبعدين قالت بهدوء: “لا… خلاص”، وردها كان بسيط، لكن فيه حزن مستخبي.

قلت لها تطلع معايا الشقة، نفس الشقة القديمة، قعدنا، والمكان كأنه رجع للحظة، بس ناقصه أصوات الناس، فتحت الشنطة، بس المرة دي ماكانش فيها هدوم كتير، شوية قطع بسيطة، قديمة شوية، مش زي زمان، سألتها ليه بطلت، فقالتلي إن صحتها تعبت، وإنها ما بقتش قادرة تلف زي الأول، وإن الشغل بقى أصعب، والناس بطلت تفتح بيوتها زي زمان، كل واحد بقى في حاله، وكل حاجة بقت أونلاين، قالت الجملة دي وهي بتبتسم ابتسامة حزينة: “دلوقتي كله يشتري من موبايل… محدش يقعد مع حد”.

سكتنا شوية، وبعدين بدأت تحكي، عن سنين طويلة قضتها وهي بتلف، عن بيوت كتير دخلتها، عن ناس ساعدوها، وناس قفلوا في وشها، وعن أيام كانت بترجع فيها تعبانة، بس مبسوطة لأنها باعت حاجة، وعن أيام تانية كانت بترجع فيها من غير ما تبيع، بس برضه مبسوطة لأنها ضحكت مع ناس، وقالتلي جملة فضلت معايا: “أنا كنت أبيع هدوم… بس كنت أحب الناس أكتر”، الجملة دي كانت بسيطة، لكن فيها كل الحقيقة، إنها ما كانتش بتبيع بس، كانت بتعيش لحظات.

سألتها عن بلدها، وعن ليه ما رجعتش، فقالت إن ديونها خلصت من زمان، بس بقت متعودة على هنا، على الناس، على القعدة، على الإحساس إنها مش لوحدها، وإنها لما حاولت ترجع، حسّت إن قلبها متعلق هنا، مش هناك، وإن الغربة بقت أخف لما لقت ناس بتضحك معاها، حتى لو ما بيفهموش بعض كويس، ساعتها بس فهمت إن العلاقة ما كانتش بين بائعة وزباين، كانت علاقة أعمق، علاقة إنسانية.

بصيت للشنطة تاني، وسألتها ليه رجعت دلوقتي، قالت إنها كانت عايزة تشوف الأماكن اللي كانت بتروحها، كأنها بتودعها، أو يمكن بتدور على نفس الإحساس القديم، بس ما لقتوش، لأن كل حاجة اتغيرت، حتى البيوت بقت مقفولة، والناس بقت مستعجلة، والضحك بقى قليل، ساعتها حسيت بحاجة وجعتني، إن الزمن مش بس بياخد الناس، ده بياخد الإحساس كمان.

قعدنا وقت طويل، شربنا شاي، نفس الطقس القديم، بس بهدوء أكتر، ومن غير الزحمة، ومن غير الضحك العالي، وقبل ما تمشي، بصتلي وقالت: “زمان كان أحلى… صح؟”، ابتسمت وأنا بقول: “أيوه… بس كان فيكي جزء كبير منه”، ضحكت، ولمّت شنطتها، وقامت تمشي، لكن قبل ما تخرج، سيبت لها الفستان القديم اللي كنت لسه ماسكاه، وقلت لها: “ده منك… ومن أيامك”، خدتُه، وبصت له، وعينيها لمعت، كأنها شايفة عمر كامل في قطعة قماش.

ومشت… والباب اتقفل بهدوء، بس المرة دي الصوت ماكانش تقيل زي زمان، كان فيه هدوء غريب، كأن القصة خلصت، أو يمكن كأنها اتكتبت بشكل كامل، وقفت في الصالة، وبصيت حوالي، المكان فاضي، بس مليان ذكريات، وساعتها بس فهمت إن الشنطة السودة ما كانتش مجرد وسيلة بيع، كانت رمز لحاجة أكبر، لحاجة اسمها “اللمّة”، حاجة اسمها “الدفء”، حاجة يمكن ما نقدرش نرجعها، لكن نقدر نفتكرها، ونحكي عنها، عشان تفضل عايشة فينا حتى لو الزمن اتغير.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان