حين سقط القناع
كانت الليلة باردة على غير عادة هذا الوقت من العام. لم يكن الشتاء قد أعلن حضوره رسميًا بعد، ومع ذلك تسلل البرد إلى أطراف أصابع سلمى وهي تقف أمام المرآة في غرفتها الصغيرة. لم تكن ترتجف تمامًا، لكنها كانت تشعر بذلك الارتعاش الخفيف الذي يشبه التردد، وكأن جسدها يحاول أن يقول شيئًا يعجز عقلها عن صياغته.
المطر كان يطرق النافذة بإيقاع غير منتظم. قطرات متباعدة أولًا، ثم انهمار مفاجئ، ثم سكون قصير، ثم عودة خجولة. كانت السماء تبدو كأنها تفكر قبل أن تبكي. الشقة التي عاشت فيها سنوات طويلة بدت أضيق من المعتاد. الأثاث كما هو، الجدران كما هي، الستارة الزرقاء نفسها التي اشترتها أمها في تخفيضات نهاية الموسم، لكن هناك شيئًا تغيّر. ربما لم تضق الغرفة، بل ضاق صدرها.
اقتربت أكثر من المرآة. لم تكن تتفحص ملامحها بقدر ما كانت تبحث عن أثر خفي لا يُرى بسهولة. كانت ترى الإرهاق المتراكم في عينيها، ذلك الإرهاق الذي لا يأتي من السهر فقط، بل من المحاولة المستمرة لأن تبدو متماسكة. كانت دائمًا متماسكة. دائمًا “المعقولة”. الكلمة التي تكررت على لسان الجميع حتى صارت جزءًا من تعريفها.
في السابعة والعشرين من عمرها، لم تكن سلمى تعتبر نفسها ضحية للظروف، لكنها لم تكن أيضًا بطلة ملحمية كما في القصص التي تنتهي بتصفيق طويل. كانت فقط تحاول أن تُبقي كل شيء قائمًا دون أن يسقط فوق رأسها. حين خسر والدها عمله في عامها الجامعي الأول، لم يطلب منها أحد صراحة أن تتحمل المسؤولية، لكن الصمت في البيت كان كافيًا ليفهم الرسالة. تقدمت لوظيفة مسائية في مكتبة صغيرة، كانت ترتب الكتب حتى منتصف الليل، ثم تعود لتذاكر حتى يغلبها النعاس فوق دفتر ملاحظاتها.
لم تكن تشكو. لم تكن تجيد الشكوى أصلًا. كانت تبتسم لأمها دائمًا، تطمئنها بأن كل شيء تحت السيطرة، حتى حين لم يكن تحت سيطرة أحد. كانت تقول لنفسها إن هذه مرحلة عابرة، وإن الصبر سيكافأ يومًا ما. كانت تؤمن بذلك، أو تحاول أن تؤمن.
رن هاتفها فجأة، فقطع سلسلة أفكارها كما تُقطع خيوط العنكبوت بضربة واحدة. نظرت إلى الشاشة. اسم كريم يضيء في منتصفها. شعرت بانقباض خفيف في معدتها. لم يعد اسمُه يثير الفرح كما في السابق، بل شيئًا أقرب إلى الترقب المقلق.
ضغطت زر الإجابة.
– أيوه يا كريم؟
كان صوته مختلفًا. لم يكن حزينًا ولا غاضبًا، بل محايدًا أكثر مما ينبغي. الحياد أحيانًا أقسى من أي انفعال. تحدث عن ضغط العائلة، عن والده الذي يرى أن الفارق الاجتماعي واضح، عن توقعات لا يمكن تجاهلها. استخدم كلمات منمقة، كأنها مأخوذة من بيان رسمي. لم يقل مرة واحدة إنه يرفض هذا المنطق. لم يقل إنه يتمسك بها مهما كان الثمن. فقط شرح “الموقف”.
سألته بهدوء لم تتعرف عليه في نفسها:
– وأنت؟
صمت. كان صمتًا طويلًا، لكنه لم يكن صمت تردد. كان صمت اختيار. اختيار عدم المواجهة.
في تلك اللحظة، شعرت بشيء يسقط داخلها. لم يكن انهيارًا دراميًا، بل سقوطًا هادئًا، كقناع يُخلع دون صوت. أغلقت الهاتف بعد دقائق بدت أطول من ساعات. جلست على الأرض وأسندت ظهرها إلى السرير. لم تبكِ فورًا. ظل عقلها يبحث عن تفسير أقل قسوة. ربما هو مرتبك. ربما يحتاج وقتًا. ربما…
لكنها توقفت. لأول مرة، لم تدافع عنه في داخلها.
دخلت أمها الغرفة بعد قليل. نظرت إليها نظرة سريعة فهمت منها كل شيء. جلست بجانبها دون أسئلة كثيرة. قالت جملة واحدة بقيت عالقة في ذهنها: “اللي يسيبك علشان الناس، هيسيّبك أول ما الناس تغير رأيها”.
خلال أسبوعين، انتهت الخطوبة رسميًا. جاءت المكالمات، الرسائل، التعليقات غير المطلوبة. بعض الأقارب مارسوا هوايتهم الأزلية في التحليل. البعض أبدى تعاطفًا مشوبًا بالفضول. البعض سأل بأسلوب مهذب يخفي رغبة في معرفة التفاصيل. كانت تبتسم، تهز رأسها، تقول إن الأمور قسمة ونصيب. لكنها في الداخل كانت تعيد تقييم أشياء كثيرة.
لاحظت شيئًا لم تكن تنتبه له من قبل. كم مرة تنازلت عن رأيها كي لا يبدو الخلاف كبيرًا؟ كم مرة أقنعت نفسها بأن “الأهم هو الحب”؟ كم مرة تجاهلت شعورها الخفي بأن كريم يميل دائمًا إلى الحل الأسهل، حتى لو كان ذلك يعني التخلي عن موقفه؟
لم يكن سيئًا بطبعه. كان لطيفًا في معظم الأوقات، مهذبًا، طموحًا. لكنه لم يكن شجاعًا بما يكفي. وربما هي أيضًا لم تكن شجاعة بما يكفي لتطلب منه أن يكون كذلك.
في العمل، كانت الأمور تسير بوتيرة معتادة. أو هكذا ظنت. أعلنت الإدارة عن فتح باب التقديم لمنصب مدير مشروع جديد. المنصب يتطلب خبرة إضافية، قدرة على إدارة فريق أكبر، ومواجهة ضغوط أعلى. قرأت الإعلان ثلاث مرات. شعرت بانقباض مشابه لذلك الذي شعرت به حين رأت اسم كريم على الشاشة.
يوسف، زميلها في القسم، لاحظ ترددها. كان دائمًا صريحًا بطريقة قد تبدو مزعجة أحيانًا.
– هتقدمي؟
ضحكت بسخرية خفيفة:
– أنا لسه خارجة من رفض رسمي، مش ناقصة رفض تاني من الإدارة.
نظر إليها بجدية غير معتادة:
– الرفض اللي يوجع بجد هو اللي بييجي من نفسك.
أزعجتها الجملة لأنها لامست شيئًا حساسًا. كانت تخاف أن تحاول فتفشل. كانت تخاف أن تثبت لنفسها أنها ليست “كفاية”. لكنها أدركت فجأة أنها عاشت سنوات تحاول أن تكون كفاية للآخرين، دون أن تسأل نفسها إن كانت كفاية لنفسها.
عادت إلى بيتها في تلك الليلة وفكرت طويلًا. لم يكن القرار بطوليًا كما تُصوّر القصص. كانت خائفة، مترددة، تضع الاحتمالات السوداء أمامها بوضوح. لكنها، في لحظة هدوء نادرة، قررت أن تتقدم.
الأيام التالية لم تكن سهلة. بدأت تُعد خطتها، تراجع الأرقام، تدرس المخاطر. كلما تعمقت في التفاصيل، ظهر لها حجم المسؤولية. تساءلت أكثر من مرة إن كانت تتهور. قارنت نفسها بزملاء يمتلكون خلفيات أقوى وعلاقات أوسع. شعرت أحيانًا بأنها تخوض معركة لا تملك فيها سلاحًا كافيًا.
في إحدى الليالي، أغلقت الحاسوب فجأة وانهارت بالبكاء. لم يكن البكاء على كريم هذه المرة، بل على نفسها. على السنوات التي حاولت فيها أن تكون مثالية كي لا تُرفض. على المرات التي قبلت فيها بأنصاف الحلول كي لا تبدو متطلبة. أدركت أنها لم تكن تخاف الفشل بقدر ما كانت تخاف أن يُقال عنها إنها لا تستحق.
في يوم العرض أمام اللجنة، ارتدت ملابس بسيطة لكنها أنيقة. لم تحاول أن تبدو أكبر من عمرها أو أكثر ثقة مما تشعر به. حين وقفت أمامهم، شعرت برعشة خفيفة في صوتها في البداية، لكنها سرعان ما استقرت. تحدثت بصدق عن خطتها، عن التحديات، عن احتمالات الخطأ. لم تُجمّل كل شيء. لم تدّعِ أن الطريق مفروش بالورود. كانت واضحة.
بعد أسبوع من الانتظار الثقيل، جاءها الاتصال. تم اختيارها.
لم تصرخ. لم تقفز فرحًا. جلست على كرسيها وأخذت نفسًا عميقًا. شعرت بشيء يشبه الاستقرار الداخلي. كأن حجرًا كان يضغط على صدرها فاختفى. لم يكن الانتصار على أحد، بل على نسخة قديمة من نفسها.
مع المنصب الجديد، جاءت مسؤوليات حقيقية. لم يكن الطريق مفروشًا بالنجاحات المتتالية. أخطأت في تقدير بعض الأمور. اختلفت مع أحد أعضاء الفريق. قضت ليالي طويلة تراجع قراراتها. لكنها هذه المرة لم تفسر كل خطأ على أنه دليل على عدم استحقاقها. كانت تتعلم، ببطء، أن الفشل الجزئي لا يعني الفشل الكامل.
بعد شهرين، أقامت الشركة حفلًا رسميًا للاحتفال بالمشاريع الجديدة. كانت القاعة مضاءة بأناقة هادئة، والموسيقى منخفضة بما يكفي لتسمح بالأحاديث الجانبية. لم تكن تتوقع أن تراه هناك. لكن كريم كان واقفًا قرب إحدى الطاولات، يتحدث مع مجموعة من الحضور.
التقت عيونهما. لم يهرب هذه المرة.
اقترب منها بخطوات مترددة. بارك لها على المنصب الجديد. قال إنه تابع أخبارها من بعيد. اعترف بأنه تردد حين اتخذ قراره. تحدث عن ضغوط العائلة، عن خوفه من الصدام، عن شعوره بالندم لاحقًا.
استمعت إليه دون مقاطعة. لم تكن تشعر بالغضب الذي توقعت أن تشعر به يومًا ما. كان هناك هدوء غريب. سألته سؤالًا بسيطًا:
– لو رجعنا، وأول ضغط جديد جه… هتعمل إيه؟
صمت. نفس الصمت القديم. نفس الفراغ بين الكلمات.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، ليست ساخرة ولا حزينة، فقط واعية. أدركت في تلك اللحظة أن المشكلة لم تكن في الفارق الاجتماعي وحده، بل في الفارق بين من يواجه ومن ينسحب.
قال إنه ندم. إنها تستحق أفضل.
أجابت بهدوء:
– أنا فعلًا بقيت أستحق أفضل.
لم تكن جملة انتقامية. لم تكن موجهة إليه بقدر ما كانت موجهة إلى نفسها القديمة. إلى الفتاة التي كانت تقيس قيمتها بمدى قبول الآخرين لها.
تركت الحفل مبكرًا. وقفت في الشرفة الخارجية للحظة. المطر كان خفيفًا هذه المرة، يكاد لا يُرى تحت أضواء المدينة. لم يكن مشهدًا دراميًا كما في الأفلام. لم تشعر بانتصار ساحق ولا بخسارة موجعة. فقط شعرت بخفة.
وقف يوسف بجانبها بعد قليل، دون أسئلة كثيرة.
– فخورة بيكي.
نظرت إلى انعكاسها في الزجاج الداكن. رأت ملامحها بوضوح مختلف. قالت لنفسها، بصوت منخفض:
– وأنا كمان.
حين سقط القناع، لم يسقط قناع كريم وحده. سقط قناع الفتاة التي كانت تخاف أن تُرفض. سقط قناع التي كانت تخلط بين الحب والتنازل، بين الصبر والصمت، بين القوة والتظاهر بالقوة.
لم تصبح امرأة خارقة فجأة. ما زالت تخاف أحيانًا. ما زالت تشك في نفسها في بعض الليالي. لكنها أصبحت أكثر صدقًا مع ذاتها. لم تعد تسعى لأن تكون مناسبة للجميع. صارت تسأل سؤالًا واحدًا قبل أي قرار: هل هذا يليق بي حقًا؟
النهاية لم تكن زواجًا جديدًا، ولا عرضًا دراميًا لاعتذار طويل، ولا تصفيقًا من جمهور غير مرئي. كانت مجرد اختيار هادئ. اختيار أن تضع نفسها في المقدمة دون شعور بالذنب.
وفي تلك الليلة، حين عادت إلى شقتها الصغيرة، لم تبدُ الجدران ضيقة كما في السابق. ربما لم يتغير المكان، لكن الذي تغيّر حقًا هو المساحة داخلها.
اختارت نفسها. ولم يكن ذلك أقل أشكال الشجاعة.