بعد ثلاثة أشهر من طلاقنا أخبرت طليقي أنني حامل… فاتهمني في شرفي، لكنه بعد ست سنوات وقف عاجزًا أمام الحقيقة

بعد ثلاثة أشهر من طلاقنا أخبرت طليقي أنني حامل… فاتهمني في شرفي، لكنه بعد ست سنوات وقف عاجزًا أمام الحقيقة


بعد ثلاثة أشهر من طلاقنا أخبرت طليقي أنني حامل… فاتهمني في شرفي، لكنه بعد ست سنوات وقف عاجزًا أمام الحقيقة

لم أتخيل يومًا أن مكالمة هاتفية لا تتجاوز دقائق معدودة يمكن أن تغيّر حياتي كلها، أو أن كلمات قليلة تخرج من شخص أحببته في يوم من الأيام تستطيع أن تهدم كل ما بنيته من ثقة وأمان خلال سنوات. كنت أقف في الممر الطويل داخل المستشفى الحكومي، أضم بين يدي ورقة التحاليل التي خرجت بها قبل دقائق، بينما أشعر أن قدمي لا تحملانني. لم أكن خائفة من الحمل نفسه، بل كنت خائفة من رد الفعل الذي سأسمعه من الرجل الذي كان يومًا زوجي. ورغم أننا انفصلنا منذ ثلاثة أشهر فقط، فإنني كنت أعلم يقينًا أن هذا الطفل تكوّن قبل الطلاق، وأن الحقيقة أوضح من أن تحتاج إلى تفسير. ومع ذلك ظل قلبي يدق بعنف وأنا أضغط على زر الاتصال، وكأن شيئًا بداخلي كان يخبرني أن القادم لن يكون سهلًا.

رن الهاتف مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة، حتى بدأت أظن أنه لن يجيب، لكنه فتح الخط أخيرًا. لم أسمع منه تحية ولا سؤالًا عن حالي، فقط صمت ثقيل جعلني أرتبك أكثر. حاولت أن أتماسك، لكن الكلمات خرجت متقطعة من بين دموعي. أخبرته أنني خرجت لتوي من الطبيب، وأن الفحوصات أكدت أنني حامل، وأن الحمل وصل إلى شهره الرابع تقريبًا. كنت أظن أنه سيسألني عن صحتي، أو يصمت من هول المفاجأة، أو حتى يطلب أن يراني لنتحدث بهدوء، لكن ما حدث كان أبعد ما يكون عن أي رد فعل طبيعي.

ساد صمت بارد لثوانٍ قليلة، ثم خرجت منه ضحكة قصيرة، لكنها كانت كافية لتزرع في داخلي خوفًا لم أعرفه من قبل. لم تكن ضحكة شخص فوجئ، بل ضحكة شخص قرر أن يحكم قبل أن يسمع. قال بسخرية إن المزاح ثقيل، وإنه لا يفهم كيف أتصل به بعد الطلاق لأخبره بمثل هذا الكلام. ثم توقف لحظة قصيرة قبل أن ينطق بالسؤال الذي مزق روحي: “ابن من هذا؟”. للحظة شعرت أن الهواء اختفى من حولي، وأن الممر الطويل بدأ يدور بي. ضغطت على ورقة التحاليل حتى تجعدت بين أصابعي، وقلت له بصوت مرتفع إن الحمل بدأ قبل الطلاق، وإنه يستطيع حساب الشهور بنفسه، لكن كلماتي كانت ترتطم بجدار من القسوة.

عاد يضحك مرة أخرى، ثم ذكرني بالفحوصات التي أجريناها قبل الزواج. عندها فقط بدأت ذاكرتي تعود إلى ذلك اليوم القديم. كنت أتذكر أننا ذهبنا إلى الطبيبة لإجراء التحاليل الروتينية، وبعد انتهاء كل شيء أخذ النتائج وحده، وعندما عاد كان وجهه متغيرًا قليلًا. سألته وقتها إن كان هناك شيء مقلق، فابتسم وقال إن الأمر بسيط ولا يستحق التفكير. كنت أثق فيه إلى درجة أنني لم أطلب رؤية الأوراق، ولم أذهب للطبيبة لأعرف التفاصيل بنفسي. صدقته لأنني كنت أظن أن الزواج يقوم على الثقة، ولم يخطر ببالي أن الرجل الذي سأبني معه حياتي يمكن أن يخفي عني أمرًا بهذه الخطورة.

قطع ذكرياتي بصوته القاسي وهو يقول إن الطبيبة أخبرته يومها بأنه لا يستطيع الإنجاب، وإنه لن يكون أبًا أبدًا، ثم كرر السؤال نفسه ولكن بصورة أشد إهانة، مطالبًا إياي بأن أخبره من هو والد الطفل الحقيقي. كانت كل كلمة ينطق بها أشبه بطعنة جديدة في صدري. لم يكن يتحدث كرجل يبحث عن الحقيقة، بل كقاضٍ أصدر الحكم وانتهى الأمر. حاولت أن أشرح له أن ما يقوله لا يعقل، وأن الطب ليس يقينًا مطلقًا، وأن الحمل أمامه دليل واضح، لكنه لم يكن مستعدًا لسماع أي شيء.

ثم جاءت الكلمة التي لن أنساها ما حييت. وصف طفلي بكلمة قاسية مزقت قلبي قبل أن يرى النور حتى. لم أشعر وقتها بالغضب بقدر ما شعرت بانكسار عميق، لأن الرجل الذي عشت معه سنوات لم يمنحني حتى فرصة الدفاع عن نفسي. اكتشفت في تلك اللحظة أن الثقة التي بنيتها كانت من طرف واحد، وأنه كان مستعدًا لتحطيم سمعتي وكرامتي بمجرد أن تعارضت الحقيقة مع قناعته. ولم يكتف بذلك، بل أخبرني ببرود أنه سينهي كل شيء، وأنه على وشك الزواج بعد أيام، ولا يريد أي مشكلة تعكر حياته الجديدة، ثم طلب مني أن أتخلص من الحمل، وكأنه يتحدث عن شيء يمكن رميه بسهولة، لا عن روح تنمو داخل أمه.

انتهت المكالمة بإغلاق الهاتف في وجهي، لكن الحقيقة أن شيئًا أكبر انكسر داخلي في تلك اللحظة. بقيت واقفة في الممر لا أشعر بمن حولي. كانت الممرضات يسرعن بين الغرف، وأصوات الأطفال تمتزج بإعلانات المستشفى، بينما كنت أشعر أنني وحدي في عالم خالٍ من البشر. فتحت تطبيق المراسلة لأكتب له رسالة أخيرة أطلب فيها فقط أن يراجع نفسه، لكنني فوجئت بأنه حظرني. اختفى كل شيء في لحظة. لم يعد هناك باب يمكن أن أطرقه، ولا كلمة يمكن أن تصل إليه. شعرت وكأنني محيت من حياته بضغطة زر، وكأن السنوات التي عشناها معًا لم تكن سوى صفحة مزقها وألقاها دون أن يلتفت إليها مرة أخرى.

جلست على الأرض بعدما خانتني قدماي. لم أبكِ كما توقعت، بل كنت أرتجف فقط. كان البرد يتسلل إلى عظامي رغم حرارة الصيف. وضعت يدي فوق بطني للمرة الأولى منذ خروجي من الطبيب، وشعرت أن هناك حياة صغيرة لا ذنب لها في كل ما يحدث. عندها فقط اتخذت القرار الذي غيّر حياتي إلى الأبد. قلت لنفسي إن هذا الطفل لم يطلب أن يأتي إلى الدنيا، ولن أجعله يدفع ثمن قسوة غيره. ربما خسرته كزوج، لكنني لن أخسر ابني. سيكون سندي، وسأكون أنا عالمه كله مهما كانت الصعوبات.

بدأت رحلة لم أكن أتخيل قسوتها. كنت أذهب إلى كل زيارة للطبيب وحدي. أجلس في صالة الانتظار فأرى الأزواج يحيطون بزوجاتهم، يحملون عنهن الحقائب، ويسألون الأطباء عن صحة الجنين، بينما كنت أواجه كل ذلك بمفردي. أحيانًا كانت إحدى السيدات تبتسم لي معتقدة أن زوجي تأخر قليلًا، فأرد بابتسامة صامتة حتى لا أضطر إلى شرح حكايتي. لم أرد شفقة أحد، كنت فقط أحاول أن أستمر يومًا بعد يوم.

وعندما جاء يوم الولادة، شعرت أن الله وحده هو الذي يمسك بيدي. طلب الموظف توقيع ولي الأمر، فنظر حوله باحثًا عن رجل يرافقني. ابتسمت ابتسامة صغيرة، أخذت القلم، ووقعت باسمي أنا. لم أسمح للحزن أن يسرق تلك اللحظة. عندما سمعت صرخة طفلي الأولى، شعرت أن الدنيا كلها بدأت من جديد. حملته بين ذراعي، وتأملت ملامحه الصغيرة، وأطلقت عليه اسم يوسف، لأنني كنت أؤمن أن الله يعوض الصابرين في الوقت الذي لا يتوقعونه.

كبر يوسف أمام عيني بسرعة مدهشة. كانت خطواته الأولى عيدًا بالنسبة لي، وكلماته الأولى تمحو من داخلي ألم سنوات كاملة. صحيح أن الطريق لم يكن سهلًا، فقد اضطررت للعمل لساعات طويلة، وتحملت مسؤولية التربية والإنفاق وحدي، لكنني لم أشعر يومًا أنني نادمة على قراري. كان كل تعب يختفي عندما يعود إليّ راكضًا ويحتضنني وهو يناديني بكلمة “ماما”. عندها فقط كنت أدرك أنني ربحت أغلى شيء في حياتي، حتى لو خسرت كل شيء آخر.

مرت ست سنوات كاملة، حتى أصبحت ذكرى عمر مجرد صفحة بعيدة لا أفتحها إلا نادرًا. اعتقدت أن القدر أغلق هذا الباب إلى الأبد، وأنني لن أراه مرة أخرى، لكن الحياة كثيرًا ما تخفي لنا لقاءات لا نتوقعها. وفي صباح أول يوم دراسي ليوسف، كنت أمسك بيده الصغيرة وأوصيه ألا يبتعد عن معلمته وأن يستمع جيدًا، بينما كان يقفز بحماس لا يعرفه إلا الأطفال. دخلنا إلى ساحة المدرسة المزدحمة بالطلاب وأولياء الأمور، وفجأة شعرت أن الزمن عاد إلى الوراء عندما وقعت عيناي على وجه أعرفه جيدًا. كان يقف على بعد أمتار قليلة، يرتدي بدلة أنيقة، ولم يتغير كثيرًا رغم مرور السنوات. أما أنا، فتجمدت في مكاني، وشعرت أن قلبي عاد يدق بالطريقة نفسها التي دق بها يوم تلك المكالمة المشؤومة.

اقترب مني وهو ينظر إليّ بدهشة حقيقية، ثم قال إنه لم يتوقع أن يراني بعد كل هذا الوقت. لم أعرف ماذا أجيب. كل ما كنت أتمناه في تلك اللحظة أن أغادر قبل أن يلتفت إلى يوسف. كنت أخشى الأسئلة، وأخشى أن يعود الماضي بكل آلامه. لكن القدر كان قد كتب مشهدًا مختلفًا تمامًا. ففي اللحظة التي هممت فيها بالابتعاد، ركض يوسف نحوي وهو يبتسم، وأمسك بطرف ملابسي قائلًا ببراءته المعتادة: “ماما… كنت بدور عليكي”.

رفع عمر رأسه تلقائيًا لينظر إلى الطفل… وما إن التقت عيناه بملامح يوسف حتى اختفى اللون من وجهه تمامًا. اتسعت عيناه بصورة لم أرها من قبل، وتجمد في مكانه كأن الزمن توقف. لم يكن الشبه بسيطًا أو قابلًا للتأويل، بل كان صادمًا إلى درجة جعلت كل من ينظر إليهما يستطيع أن يدرك الحقيقة دون أن ينطق أحد بكلمة. كانت نفس العينين، ونفس شكل الوجه، وحتى الطريقة التي يعقد بها حاجبيه عندما يتعجب من شيء. في تلك اللحظة فقط أدرك عمر أن الحقيقة التي هرب منها ستقف أمامه الآن في صورة طفل صغير يحمل حقيبة مدرسية، وأن السنوات الست الماضية لم تستطع أن تخفي ما حاول إنكاره في يوم من الأيام.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان