دفنا أمي بفلوس الجيران.. وبعد موتها بثلاثة أيام اكتشفت السر الذي أخفته عمرها كله

دفنا أمي بفلوس الجيران.. وبعد موتها بثلاثة أيام اكتشفت السر الذي أخفته عمرها كله


دفنا أمي بفلوس الجيران.. وبعد موتها بثلاثة أيام اكتشفت السر الذي أخفته عمرها كله

دفنا أمي بفلوس الجيران، نعم بهذه القسوة وهذه المرارة التي لا تزال عالقة في حلقي كلما تذكرت ذلك اليوم. ماتت أمي بعدما عاشت عمرها كله تقول إنها لا تجد ثمن دواء الضغط، ولا تملك إلا قوت يومها، ولا تستطيع شراء شيء لنفسها لأنها تفضل أن أأكل أنا أولًا وأرتاح أنا أولًا. كانت تقولها بابتسامة هادئة، كأنها تحاول أن تجعل الفقر يبدو خفيفًا، وكأنها تعتذر للحياة بدلًا من أن تعاتبها. لم أكن أعرف أن خلف تلك الابتسامة سرًا كبيرًا، سرًا ظل مدفونًا فوق رؤوسنا سنوات طويلة، حتى جاء المطر بعد موتها بثلاثة أيام وكشف ما لم أكن أتخيل أن أراه في بيتنا القديم.

اسمي هناء، وكنت أظن أنني أعرف أمي أكثر من أي شخص في الدنيا. كنت أعرف ملامح تعبها، صوت سعالها في آخر الليل، طريقة سيرها عندما تتورم قدماها، وحتى صمتها عندما تكون موجوعة ولا تريد أن تشكو. أمي كانت تبيع الفطير والعيش في السوق يومين في الأسبوع، وفي باقي الأيام تذهب لمساعدة بعض السيدات في تنظيف البيوت. كانت تعود آخر النهار وظهرها منحني، ويديها متشققتين من الماء والصابون، لكنها بمجرد أن تراني تبتسم وتقول: “الحمد لله يا بنتي، ربنا ساترها”. كنت أطلب منها أن تستريح، أن تشتري لنفسها عباءة جديدة، أن تأكل قطعة لحم بدلًا من أن تتركها لي، لكنها كانت ترد دائمًا بنفس الجملة: “أنا كويسة يا هناء، المهم أنتِ تبقي بخير”.

كنت أصدقها، لأنني لم أكن أملك سببًا يجعلني أشك. بيتنا كان قديمًا، سقفه يتسرب منه الماء في الشتاء، وحوائطه متشققة، وأثاثه متواضع إلى حد الوجع. كانت أمي تخبئ الجنيهات القليلة في علبة شاي قديمة، وكلما احتاجت دواءً فتحتها وعدت النقود ببطء، ثم تعيد بعضها وتقول إن الدواء يمكن أن ينتظر. كنت أغضب منها وأتشاجر معها، لكنها كانت تربت على يدي وتقول إن ربنا لن يضيعها. لم أكن أعرف أنها كانت تخفي شيئًا أكبر من كل غضبي، وأثقل من كل دموعي.

في آخر شهور مرضها، كنت وحدي تقريبًا. أخي سامح كان يظهر قليلًا ويختفي كثيرًا، وكلما اتصلت به وقلت له إن أمي تحتاج كشفًا أو دواءً أو تحاليل، كان يرد ببرود: “مش معايا يا هناء، اتصرفي أنتِ”. كنت أتألم من كلامه، لكنني كنت أبتلع وجعي وأكمل. كنت أذهب بها للمستشفى، أجلس بجانبها بالساعات، أشتري الدواء بالدين، وأعود بها إلى البيت كأنني أحمل الدنيا كلها على كتفي. أما هو فكان لا يسأل إلا عن البيت، وعن الأوراق، وعن “إحنا هنستفيد إيه بعد كده؟”.

ماتت أمي على سرير المستشفى، وكان آخر شيء شعرت به هو برودة يدها في يدي. ظللت أناديها كطفلة ضائعة، أقول لها ألا تتركني، لكنها كانت قد رحلت بهدوء، كأنها تعبت من الدفاع عن أسرارها ومن جرّ العمر وحدها. يوم الجنازة لم يكن معي ما يكفي لتكاليف الدفن والعزاء. الجيران هم الذين وقفوا بجانبي، واحدة أحضرت الطعام، وآخر دفع جزءًا من ثمن الكفن، وثالث ساعد في مصاريف المقابر. كنت أشعر بالخجل والامتنان في نفس الوقت، وأتساءل كيف عاشت أمي بهذا الفقر كله ثم رحلت أيضًا محتاجة لستر الناس.

بعد الدفن بيومين، جاء سامح ومعه زوجته نهلة. لم يدخل البيت حزينًا، ولم ينظر إلى صورة أمي المعلقة على الحائط، ولم يقرأ لها الفاتحة حتى. دخل وهو ينظر حوله، كأنه يقيّم جدران البيت وثمنها في السوق. قال لي: “بصي يا هناء، البيت ده قديم وخربان، نبيعه ونقسم تمنه وخلاص”. نظرت إليه بصدمة وقلت: “إحنا لسه راجعين من المقابر يا سامح”. تدخلت نهلة بابتسامة باردة وقالت: “هو يعني الست الله يرحمها كانت سايبة إيه؟ البيت واقع، والبيع أحسن”. شعرت وقتها أن قلبي ينقسم نصفين، نصف حزين على أمي، ونصف مصدوم من قسوة أخي.

لم أرد كثيرًا. كنت متعبة، مكسورة، وفارغة من الداخل. بعد العزاء، جلست وحدي في البيت. كان الصمت يملأ المكان بطريقة موجعة. طرحة أمي ما زالت معلقة خلف الباب، وكوبها القديم بجانب الموقد، ورائحة القهوة البائتة في الصالة كأن العزاء لم ينتهِ بعد. كنت أنظر إلى كل شيء وأشعر أن البيت صار غريبًا رغم أنه نفس البيت الذي عشت فيه عمري كله. وفجأة، وأنا أرتب بعض أغراضها، وقع نظري على مفتاح صغير مربوط بشريط أحمر باهت.

توقفت أمامه طويلًا. هذا المفتاح كنت أراه مع أمي منذ طفولتي. كنت أسألها كثيرًا: “بيفتح إيه يا أمي؟” فكانت تضحك وتقول: “حاجات أحسن تفضل مقفولة”. وقتها كنت أظن أنها تمزح، أو أنه مفتاح قديم لا قيمة له. لكن في تلك الليلة، شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. أخذت المفتاح ووضعته في جيبي، وكأنني أحمل شيئًا من روح أمي، أو ربما بداية طريق لم أكن أعرف إلى أين سيأخذني.

في اليوم التالي، نزل المطر بغزارة، وبدأ سقف البيت القديم يتسرب كعادته. نهضت لأضع جردلًا تحت نقطة الماء، وبينما كنت أنظر إلى السقف، لاحظت قطعة صاج صغيرة لونها مختلف عن باقي المكان. كانت مثبتة بطريقة غريبة، وكأن أحدًا وضعها ليخفي شيئًا لا ليصلح السقف. أحضرت كرسيًا، ثم وضعت فوقه ترابيزة صغيرة، وصعدت بحذر. مددت يدي خلف الصاج، ولمست شيئًا ملفوفًا في قماش قديم. سحبته ببطء، وإذا بها علبة صاج صدئة، صغيرة وثقيلة، عليها قفل دقيق.

نزلت من فوق الترابيزة وأنا أكاد لا أشعر بقدمي. أخرجت المفتاح الأحمر من جيبي، وضعته في القفل، فانفتح من أول محاولة. في تلك اللحظة شعرت أن البيت كله يحبس أنفاسه معي. فتحت العلبة، فوجدت داخلها دفتر بنك، وظرفًا أصفر، وصورة قديمة. أمسكت الصورة أولًا، وكانت يدي ترتعش. رأيت أمي، لكنها لم تكن أمي التي أعرفها. كانت شابة أنيقة، ترتدي فستانًا أبيض، تقف في مكان فخم، حولها أشخاص تبدو عليهم الرفاهية. كانت جميلة بطريقة مختلفة، قوية، واثقة، كأنها تنتمي إلى عالم آخر تمامًا.

قلبت الصورة فوجدت اسمًا مكتوبًا خلفها، اسمًا لم أسمعه من قبل، ولم يكن اسم أمي الذي عرفناه. ازدادت دقات قلبي، ففتحت دفتر البنك بسرعة. وعندما رأيت الرقم المكتوب داخله، شعرت أن الهواء اختفى من الغرفة. كان الرقم بالملايين. ملايين باسم أمي. أمي التي كانت تعد الجنيهات قبل شراء الدواء. أمي التي ماتت ونحن لا نملك تكاليف دفنها كاملة. أمي التي كانت ترتدي نفس العباءة سنوات حتى تمزقت أطرافها. لم أستطع الوقوف، جلست على الأرض والدفتر في يدي، وأنا أردد: “ليه يا أمي؟ ليه؟”.

قبل أن أستوعب الصدمة، رن هاتفي. كان سامح. لم أرد. بعد ثوانٍ أرسل رسالة صوتية، ففتحتها وأنا لا أعرف لماذا. جاء صوته منخفضًا، لكنه لم يكن وحده. سمعت نهلة من الخلف تقول: “هو لقى الصندوق ولا لسه؟” ثم سمعت سامح يهمس بعصبية: “اسكتي خالص، هناء شكلها لسه ما وصلتش لحاجة. لو عرفت بموضوع الدفتر والصندوق هتمسك في الورث والبيت مش هينوبنا منه حاجة. أنا هروح لها بكرة وأمضيها على بيع نصيبها قبل ما تفهم”.

وقتها وقع الهاتف من يدي. لم تكن الصدمة في المال فقط، ولا في سر أمي فقط، بل في أن أخي كان يعرف شيئًا. كان يعرف بوجود صندوق، وربما كان يبحث عنه منذ زمن. جلست على الأرض أبكي بلا صوت. شعرت أنني كنت أعيش داخل حكاية لا أعرف منها إلا نصفها، وأن كل شيء حولي كان مرتبًا بطريقة لم أفهمها. مددت يدي إلى الظرف الأصفر، فتحته، فوجدت داخله ورقة مطوية بخط أمي. عرفت خطها فورًا، نفس الحروف المرتعشة التي كانت تكتب بها قائمة الدواء ومواعيد التحاليل.

بدأت أقرأ، وكانت كل جملة كأنها تفتح بابًا مغلقًا في روحي. كتبت أمي: “بنتي هناء، لو وصل الجواب ده لإيدك، يبقى أنا مشيت وسيبتلك الحقيقة اللي خفت أقولها وأنا عايشة. أنا عارفة إنك تعبتي معايا، وعارفة إنك شلتي فوق طاقتك، ويمكن تزعلي مني لما تعرفي إن كان عندي فلوس وأنا عايشة معاكم كأني فقيرة. بس صدقيني يا بنتي، الفلوس دي ما كانتش نعمة، دي كانت لعنة دخلت بيتي زمان وكسرت قلبي”.

أكملت القراءة والدموع تغطي عيني. قالت أمي إنها قبل زواجها من أبي كانت متزوجة من رجل ثري جدًا، وأنها ورثت عنه أموالًا كثيرة بعد وفاته. كان هذا الرجل والد سامح الحقيقي، أما أنا فكنت ابنة أبي الذي عرفت حنانه وطيبة قلبه. أخفت أمي هذه الحقيقة لأنها أرادت أن تبدأ حياة جديدة بعيدًا عن صراعات المال والطمع. لكنها اكتشفت مبكرًا أن سامح متعلق بالمال بطريقة مخيفة، وأنه في مراهقته سرق جزءًا من أموالها وتصرف فيها، ثم بدأ يطاردها بالأسئلة عن الحسابات والأملاك.

كتبت أمي أنها خافت علينا جميعًا، خافت على سامح من جشعه، وخافت عليّ من أن أكون ضحية لهذا الجشع. لذلك أغلقت الحسابات، ونقلت جزءًا كبيرًا من المال باسمي في إجراءات رسمية قديمة، حتى لا يستطيع أحد أن ينازعني فيه بعد موتها. كتبت أيضًا أنها تركت لسامح ما يخصه من تركة والده، لكنه باع وضيع وأنفق ثم عاد يطمع فيما ليس له. أما أنا، فكتبت أنني لم أكن ابنة بارة فقط، بل كنت سندها الوحيد، وأن المال لم يكن مكافأة بقدر ما كان حماية لي من الزمن ومن قسوة الناس.

قرأت الجواب أكثر من مرة. كنت غاضبة، نعم. كنت أتمنى لو أنها أخبرتني، لو أنها لم تجعلني أراها محتاجة وهي تملك كل هذا. لكن شيئًا داخلي بدأ يفهم. أمي لم تكن بخيلة، ولم تكن قاسية، ولم تكن تحب أن تراني أتعب. كانت خائفة. خافت من مال رأته يحول القلوب إلى حجارة، ويجعل الابن يطارد أمه بدلًا من أن يحميها. خافت أن يظهر الطمع في حياتي مبكرًا فيسرق مني راحتي كما سرق منها عمرها.

في الصباح، طرق سامح الباب بقوة. فتحت فوجدته مع نهلة ومحامٍ يحمل ملفًا في يده. دخل سامح بابتسامة مصطنعة وقال: “ها يا هناء، فكرتي في موضوع البيت؟ خلينا نخلص بدل البهدلة”. لم أرد. جلست بهدوء، ثم أخرجت دفتر البنك والجواب والصورة، ووضعتها أمامه على التربيزة. في لحظة واحدة تغير وجهه. اختفت ابتسامته، وارتبكت عيناه، ثم مد يده بسرعة كأنه يريد خطف الدفتر. سحبت يدي وقلت له: “اقعد مكانك”.

نظر المحامي إلى الأوراق، ثم قرأ الاسم والإجراءات، وبعد دقائق من الصمت قال لسامح بوضوح: “الحسابات دي باسم هناء، وفي تنازلات رسمية قديمة، ومفيش فيها أي حق لحضرتك”. انفجر سامح في الصراخ، وقال إن أمي كانت مريضة، وإنه سيطعن في كل شيء، وإنني استغللتها. أما نهلة فبدأت تتحدث عن القضايا والحجر والفضائح. لكن المحامي، الذي جاء معهم ليضغط عليّ، وجد نفسه يقول الحقيقة: “الكلام ده قديم وموثق، والست الله يرحمها رتبت كل حاجة وهي بكامل أهليتها. قانونيًا، الموضوع محسوم”.

وقفت أمام سامح لأول مرة بلا خوف. قلت له إن أمي لم تظلمه، وإنه هو من ظلمها حين تركها في مرضها، وحين فكر في بيع البيت قبل أن يجف تراب قبرها، وحين حاول أن يجعلني أوقع على حقي وأنا لا أعرف شيئًا. قلت له إنني لن أقطع صلة الدم، لكنني لن أسمح له أن يلتهم حياتي كما التهم عمر أمي. طلبت منه أن يخرج، فصرخ وهدد، لكنني لم أتراجع. أغلقت الباب خلفه، ولأول مرة منذ سنوات شعرت أن البيت القديم صار ملكي حقًا، لا بجدرانه، بل بالحقيقة التي ظهرت فيه.

بعد أسابيع، أنهيت كل الإجراءات القانونية. لم أفرح بالمال كما يتخيل الناس. كنت أشعر أن كل جنيه فيه دمعة من دموع أمي، وكل رقم في الدفتر يخفي ليلة خوف عاشتها وحدها. أول شيء فعلته أنني سددت كل الديون الصغيرة التي تركها علاجها وعزاؤها، ثم ذهبت إلى الجيران الذين وقفوا بجانبي ورددت لهم ما دفعوه، ليس لأنهم طلبوا، بل لأن كرامة أمي كانت تستحق. بعضهم رفض، وبعضهم بكى، وكلهم قالوا إن أمي كانت ستفرح لو رأتني واقفة على قدمي.

اشتريت شقة صغيرة مريحة، ليست فخمة ولا مبالغًا فيها، لكنها نظيفة وآمنة، لا يتسرب فيها المطر من السقف، ولا أستيقظ فيها كل ليلة على خوف. وأقمت صدقة جارية باسم أمي في المستشفى الذي قضت فيه أيامها الأخيرة، حتى يصل خيرها إلى مرضى يشبهونها، وإلى أمهات يخفين وجعهن خلف ابتسامة. احتفظت بطرحتها، وبالمفتاح الأحمر، وبالصورة القديمة، لا لأتذكر المال، بل لأتذكر أن الإنسان قد يخفي داخله حكاية لا يعرفها أقرب الناس إليه.

أما سامح، فقد ابتعد فترة طويلة. سمعت أنه حاول أن يرفع قضية ثم تراجع بعدما أخبره أكثر من محامٍ أن موقفه ضعيف. لم أشمت فيه، لكنني لم أعد أبرر له قسوته. تعلمت أن القرابة لا تعني الأمان دائمًا، وأن الأخ قد يكون غريبًا إذا سمح للطمع أن يسكن قلبه. وتعلمت أيضًا أن الأم قد تخطئ وهي تحاول الحماية، لكنها تظل ترى ما لا نراه، وتخاف علينا حتى من الحقائق التي قد تكسرنا.

اليوم، كلما مررت أمام بيتنا القديم، أتذكر أمي وهي تجلس أمام الباب تعد الفطير، وتضحك للزبائن، وتخفي خلف عينيها سرًا بحجم عمر كامل. لا أعرف إن كنت سامحتها تمامًا أم لا، لكنني أعرف أنني فهمتها. فهمت أن المال ليس دائمًا نعمة، وأن بعض الأبواب المغلقة لا تُفتح إلا عندما نصبح قادرين على تحمل ما خلفها. والأهم أنني فهمت أن الفقر الصادق، رغم قسوته، أرحم كثيرًا من غنى يوقظ الوحوش داخل القلوب.

رحلت أمي وهي تظن أنها تركت لي مالًا يحميني، لكنها في الحقيقة تركت لي درسًا لا يقدر بثمن: لا تحكمي على حياة أحد من شكل بيته، ولا على قلب أحد من صمته، ولا على أم من أسرارها. فقد تكون الأم التي تبدو ضعيفة وفقيرة هي أكثر شخص حارب في الخفاء، ودفع من عمره وراحته وكرامته حتى يحمي أبناءه من لعنة لا يراها أحد.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان