قصة مريم.. اكتشفت بالصدفة أنها متوفاة رسميًا منذ 19 عامًا والسبب صادم

قصة مريم.. اكتشفت بالصدفة أنها متوفاة رسميًا منذ 19 عامًا والسبب صادم


الكلمة خرجت من بُقي بالعافية، كأنها كانت محبوسة جوايا من سنين وقررت تطلع في اللحظة دي بالذات. ما كنتش فاهمة اللي بيحصل حواليا، ولا ليه مدير البنك بَصّ ناحية فرد الأمن الواقف عند الباب بالطريقة دي، لكني شفته بيقوم من مكانه ويطلب مني أدخل معاه مكتب داخلي بعيد عن صالة العملاء. كان مكتب هادي محاط بزجاج معتم، من النوع اللي يخليك شايف ضباب الناس برا من غير ما تقدر تميز ملامحهم.

دخلت وقعدت قدامه وأنا لسه ماسكة دفتر التوفير بإيديا الاتنين، كأني خايفة حد ينتزعه مني. الدفتر كان قديم، وصفحاته مصفرة من الزمن. أطرافه كانت متسخة بطبقة خفيفة من الطين اللي جف بعد ساعات طويلة، لكن رغم كده فضلت ريحة التراب المبلول طالعة منه. نفس الريحة اللي كانت مالية المقبرة الصبح. نفس الريحة اللي علقت في هدومي وإيدي بعد ما وقفت قدام قبر جدتي أمينة.

لثواني نسيت إني في بنك أصلًا. كل اللي كنت شايفاه قدامي هو وش جدتي وهي قاعدة تحت شباك البيت وقت العصر، والشال البني القديم ملفوف حوالين كتفيها، وإيديها الخشنة من السنين وهي بتقلب صواني الحلوى قبل ما تنزل السوق.

قطع المدير شرودي وهو بيقول بهدوء:

– يا آنسة مريم… الحساب ده متجمد من تسعتاشر سنة.

رفعت عيني ناحيته.

– متجمد ليه؟

ما ردش فورًا. لف شاشة الكمبيوتر شوية ناحيتي، وبدأ يفتح ملف إلكتروني واضح إنه قديم جدًا. ظهرت بيانات شخصية كتير قدامي. اسمي بالكامل. تاريخ ميلادي. عنوان قديم ما افتكرتوش إلا بعد ثواني. وبعدها وقعت عيني على خانة صغيرة في منتصف الصفحة.

في البداية ما استوعبتش المكتوب.

بعدين قريته مرة تانية.

ومرة تالتة.

وبعدها حسيت إن كل الأصوات حواليا بعدت فجأة.

حالة المستفيدة: متوفاة.

فضلت أبص للكلمة كأنها تخص شخص تاني. كأن في غلط في الملف أو تشابه أسماء. حطيت إيدي على المكتب واتكلمت بصوت مبحوح:

– متوفاة إزاي؟

بعدين ضحكت ضحكة قصيرة مرتبكة من كتر التوتر.

– أنا قاعدة قدامك أهو.

المدير ما ضحكش.

ولا حتى حاول يهديني بالكلام المعتاد اللي الناس بتقوله في المواقف الصعبة.

اكتفى إنه يشبك صوابعه فوق المكتب ويقول:

– عارف. وعشان كده تحديدًا تم استدعاء الجهات المختصة.

حسيت ببرودة غريبة في أطراف صوابعي.

– جهات مختصة ليه؟

– لأن في شهادة وفاة اتسجلت باسمك وإنتِ عندك تمان سنين.

المرة دي ما جاوبتش.

مش لأن الكلام مش مفهوم.

لكن لأن رقم السن ده لمس حاجة قديمة جدًا جوايا.

تمان سنين.

في السن ده بالذات بدأت حاجات كتير تتغير حواليا من غير تفسير. خرجت من المدرسة فجأة. الزيارات اللي كنت بروحها للدكتور اختفت. وأبويا بقى يرجع البيت متعصب طول الوقت، وكل ما أسأل عن حاجة يرد بكلمة أو كلمتين ويقفل الكلام.

وفي نفس الفترة تقريبًا، جدتي أمينة بدأت تروح معايا في أي مكان. كانت توصلني وترجع تستناني. ولو اتأخرت خمس دقايق كانت تطلع تدور عليّ بنفسها. وقتها كنت فاكرة إنها زيادة خوف من الكبار على الأطفال. دلوقتي بس بدأت أفهم إن خوفها كان ليه سبب.

بلعت ريقي وسألت:

– مين اللي قدم الشهادة دي؟

رغم إن جزءًا مني كان عارف الإجابة قبل ما يسمعها.

المدير تنهد تنهيدة طويلة، ومد إيده ناحية الملف.

– سعد محمود.

أبويا.

الاسم وقع عليّ بشكل مختلف المرة دي.

مش كاسم شخص أعرفه طول عمري.

لكن كاسم مكتوب في ملف تحقيق.

خارج المكتب كانت الحياة ماشية بشكل عادي جدًا. كنت شايفة من خلال الزجاج ناس داخلة وناس خارجة. موظفة بتضحك مع عميل. واحد بيتكلم في التليفون. طفل صغير ماسك إيد أمه.

كل حاجة طبيعية.

إلا أنا.

إلا الذكريات اللي بدأت تتحرك جوا دماغي بسرعة مرعبة.

افتكرت جدتي وهي بتسكت أول ما أبويا يدخل الأوضة. افتكرت نظراتها القلقة كل ما حد يجيب سيرة الأوراق أو الفلوس. افتكرت إنها كانت بتحتفظ بدفتر التوفير ده في مكان محدش يعرفه، وكأنها بتحرس كنز.

يمكن لأنه فعلًا كان كنز.

أو يمكن لأنه كان الدليل الوحيد على الحقيقة كلها.

رجع المدير يتكلم:

– جدتك كانت بتيجي هنا من سنين طويلة. يمكن أكتر شخص تابع الملف ده بعد الموظفين نفسهم.

سكت لحظة وكأنه بيتذكرها.

– كانت ست قوية.

نزلت عيني ناحية الدفتر.

وأنا لأول مرة أحس إني فعلًا ما كنتش أعرف عنها كل حاجة.

كمل:

– قبل وفاتها تركت تعليمات رسمية. لو حضرتِ يوم وأثبتِّ هويتك لازم يتم إبلاغ السلطات فورًا.

رفعت رأسي ببطء.

– والفلوس؟

بص للشاشة ثانية طويلة.

– الموضوع مش مجرد فلوس يا مريم.

وفي اللحظة اللي قال فيها الجملة دي، الباب اتفتح بهدوء.

استدرت ناحية الداخلين.

رجلان من الشرطة.

ومعهم سيدة في الأربعينات تقريبًا، ملامحها هادئة لكن نظرتها حادة وواضحة. ما كانتش من النوع اللي يرفع صوته عشان يفرض حضوره. بالعكس، كانت من النوع اللي يخليك تنتبه له أول ما يدخل المكان.

اقتربت مني ومدت إيدها.

– المحققة ليلى.

صافحتها بشكل آلي.

ما كنتش قادرة أفكر في أي حاجة غير سؤال واحد.

إذا كان أبويا فعل ده فعلًا…

يبقى أنا كنت عايشة وسط إيه طول السنين دي كلها؟

قعدت المحققة ليلى على الكرسي المقابل ليا، وحطت ملف سميك فوق المكتب. كان واضح من حجم الأوراق اللي جواه إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد حساب بنكي متجمد. حاولت أركز في وشها، لكن عيني كانت كل شوية تروح ناحية الملف، كأن الإجابات كلها مستخبية بين الصفحات دي.

قالت بهدوء:

– قبل ما نبدأ، محتاجة أطمنك إنك هنا مش متهمة في أي حاجة.

هزيت راسي من غير كلام.

الحقيقة إني كنت محتاجة حد يطمني فعلًا، لكن الكلمات ما كانتش قادرة توصل لقلبي وقتها. كان في إحساس غريب جوايا، خليط من الخوف والارتباك والغضب. غضب قديم بدأ يطلع للسطح بعد سنين طويلة من الصمت.

طلبت مني أراجع بياناتي الشخصية وأوقع على إفادة أولية. وأنا بكتب اسمي بإيدي، لاحظت إن صوابعي بترتعش. آخر مرة حسيت بالرعشة دي كانت يوم وفاة جدتي.

يومها كنت واقفة قدام المستشفى، مستنية الدكتور يخرج ويقول أي حاجة تطمني. أي حاجة حتى لو بسيطة. لكن بدل الطمأنينة، خرج بخبر أنهى فصل كامل من حياتي.

جدتي أمينة كانت آخر شخص حقيقي حسيت معاه بالأمان.

بعدها الدنيا كلها بقت أوسع من اللازم.

وأبرد من اللازم.

فتحت المحققة الملف وأخرجت مجموعة من النسخ المصورة.

– إحنا محتاجين نوضحلك الصورة كاملة.

مدت أول ورقة ناحيتي.

أول ما وقعت عيني عليها، عرفت إنها شهادة وفاة.

لكن الاسم المكتوب فيها خلاني أحس بضيق في صدري.

اسمي أنا.

مريم.

كان التاريخ قديم جدًا. يرجع للوقت اللي كنت فيه طفلة صغيرة.

بصيت للورقة لثواني طويلة.

حاولت أستوعب فكرة غريبة جدًا.

في يوم من الأيام، وعلى الورق الرسمي للدولة، كنت شخصًا غير موجود.

شخصًا انتهت حياته قبل ما تبدأ أصلًا.

سألت بصوت خافت:

– إزاي ده عدى؟

أجابت المحققة:

– اللي حصل كان محاولة منظمة للاستيلاء على أموال ومستحقات قانونية تخصك.

مدت ورقة تانية.

ثم تالتة.

كل ورقة كانت بتجاوب على سؤال وتفتح عشرة غيره.

بدأت الحكاية تتجمع قدامي قطعة قطعة.

أمي، إلهام، ما سابتنيش زي ما كنت مصدقة طول عمري.

ما هربتش.

وما اختارتش تعيش بعيد عن بنتها.

الحقيقة إنها توفت في حادث وهي لسه شابة جدًا.

وقتها كنت أنا طفلة عندها سنتين تقريبًا.

ما عنديش أي ذكرى حقيقية عنها.

ولا حتى صورة واضحة في ذاكرتي.

كل اللي أعرفه عنها جاي من حكايات قليلة كانت جدتي تلمح لها أحيانًا.

كانت تقول إنها كانت تضحك كثير.

وإنها كانت تحب الخياطة.

وإنها كانت دايمًا تخاف عليّ زيادة عن اللزوم.

بس عمرها ما دخلت في التفاصيل.

يمكن لأنها كانت شايلة أسرار أكتر مما أتصور.

قالت المحققة:

– والدتك كان ليها تأمين ومستحقات قانونية تم تحويلها باسمك.

بصيت لها.

– باسمي أنا؟

– أيوة.

رجعت بظهري للكرسي.

فجأة بدأت أفهم حاجات كتير كانت مبهمة طول عمري.

فهمت ليه جدتي كانت ترفض أي نقاش يخص أوراق معينة.

وفهمت ليه كانت تخبي بعض المستندات في أماكن محدش يعرفها.

وفهمت ليه كانت تتوتر كل ما أبويا يسأل عن أي ورقة رسمية تخصني.

ما كانش خوف عادي.

كان خوف حد شايف الخطر بعينيه ومش قادر يشرحه لطفلة صغيرة.

فتحت المحققة ملفًا آخر وقالت:

– المحكمة وقتها عينت جدتك وصية قانونية عليكِ.

الاسم رجع يتردد قدامي من جديد.

أمينة.

كل ما أعرف حاجة جديدة عنها، أحس إني ما كنتش أعرفها أصلًا.

افتكرت إيديها وهي بتعجن العجين الفجر.

وافتكرت صوتها وهي تصحيني للمدرسة.

وافتكرت إنها رغم تعبها كانت دايمًا تسبقني للباب وتفتحلي قبل ما أوصل.

كانت شايلة مسؤوليات أكبر بكتير من اللي كنت متخيلة.

قالت المحققة وهي تشير إلى إحدى الصفحات:

– هنا بدأت المشكلة.

نظرت للورقة.

كانت عبارة عن طلبات وإجراءات وتحويلات مالية غير مكتملة.

وفي أكثر من مكان ظهر اسم سعد محمود.

أبويا.

في اللحظة دي حسيت بحاجة انكسرت جوايا.

مش لأن الحقيقة ظهرت.

لكن لأن جزءًا مني كان لسه متعلقًا بالأمل.

الأمل إن يكون في تفسير مختلف.

أي تفسير.

لكن الورق كان واضح.

والتواريخ واضحة.

والأسماء أوضح من أي شيء.

قالت المحققة بصوت هادئ:

– جدتك اكتشفت التزوير بسرعة.

غمضت عيني للحظة.

طبعًا اكتشفته.

أمينة كانت تعرف كل ورقة تخصني.

كانت تحفظ الأرقام والتواريخ بطريقة مدهشة.

حتى فواتير الكهرباء القديمة كانت تعرف مكانها.

مستحيل حاجة بالحجم ده تعدي عليها.

كملت المحققة:

– ومن يومها وهي بتحاول توقف كل الإجراءات.

تخيلتها وهي رايحة جاية بين المكاتب.

واقفة في الطوابير.

شايلة الملف تحت دراعها.

ومتمسكة بحق حفيدتها رغم سنها وتعبها.

وفجأة حسيت بوخزة حادة من الندم.

كم مرة رجعت من الشغل متضايقة ومشغولة بنفسي، وما سألتهاش كانت راجعة منين؟

كم مرة اشتكت من تعب رجليها وأنا افتكرت إن السبب مجرد السن؟

وكم مرة كانت بتخبّي قلقها ووجعها علشان ما تحملنيش فوق طاقتي؟

الحقيقة كانت موجودة طول الوقت.

بس أنا ما كنتش شايفاها.

سكتت المحققة لحظة، ثم فتحت ظرفًا قديمًا أصفر اللون.

واضح عليه أثر الزمن.

وقالت:

– في حاجة لازم تشوفيها.

مدت الظرف ناحيتي.

وأول ما شفت الخط المكتوب على الورقة اللي جواه، عرفت صاحبه فورًا.

كان خط جدتي.

نفس الخط اللي كانت تكتب بيه قائمة المشتريات.

ونفس الخط اللي كانت تكتب بيه الوصفات القديمة في دفترها الصغير.

فجأة حسيت إن المسافة بيني وبينها اختفت للحظة.

كأنها لسه موجودة.

وكأن صوتها هيناديني من آخر الممر في أي ثانية.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي