تعيش الأمة الإسلامية ومحبو التلاوات القرآنية الخاشعة حالة من البهجة الكبيرة والدهشة بعد الإعلان المفاجئ عن خروج كنز قرآني ثمين إلى النور بعد عقود طويلة من الغياب والاختفاء حيث أتيحت الفرصة أخيرا للجماهير للاستماع إلى تسجيلات نادرة ولأول مرة للشيخ الجليل محمد صديق المنشاوي رحمه الله الذي يعد أحد أبرز قراء القرآن الكريم في التاريخ الحديث وتأتي هذه الخطوة لتعيد إلى الأذهان العصر الذهبي للقراءة المصرية وتكشف عن تفاصيل مذهلة حول حرص الشيخ الراحل على تقديم كتاب الله بأبهى وأجمل صورة ممكنة تفوق الوصف وتلمس القلوب.
قصة التسجيل الأول وملاحظات الشيخ المنشاوي
تعود تفاصيل القصة المثيرة إلى عام ألف وتسعمائة وخمسة وستين عندما قام الشيخ محمد صديق المنشاوي بتسجيل المصحف المرتل كاملا في اثنين وثمانين شريطا وقد حاز هذا العمل على إعجاب وإجازة لجنة الاستماع التي أبهرها أداء الشيخ الفريد كالعادة ورغم هذا النجاح الباهر والإشادة الكبيرة إلا أن الشيخ المنشاوي كان له رأي مختلف تماما ينبع من شدة ورعه وإخلاصه حيث شعر بعد الاستماع إلى التسجيلات أن هناك بعض المواضع القرآنية التي تحتاج إلى إعادة تسجيل بشكل أفضل وأكثر دقة وتجويدا ليليق بجلال الكلمات الإلهية.
إعادة التسجيل على النفقة الخاصة
انطلاقا من حرصه الشديد ورغبته الصادقة في أن تخرج التلاوة القرآنية بأفضل صورة ممكنة على الإطلاق قرر الشيخ محمد صديق المنشاوي إعادة تسجيل المصحف المرتل مرة ثانية بالكامل ولم يطلب الشيخ أي تمويل بل تحمل كافة التكاليف المالية على نفقته الخاصة حيث تم اختصار وضغط التسجيلات الجديدة لتقع في اثنين وثلاثين شريطا تميزت بأعلى درجات الإتقان والخشوع وفي عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين عرضت هذه النسخة الجديدة على لجنة الاستماع التي أجازتها للمرة الثانية مشيدة بهذا الإنجاز القرآني العظيم.
النسخة المحفوظة لسنوات طويلة في طي الكتمان
رغم الإجازة الرسمية للنسخة الثانية المحدثة إلا أن هذه التسجيلات النادرة بقيت محفوظة في الأدراج لسنوات طويلة ولم تذع على الإطلاق عبر وسائل الإعلام أو الإذاعات وظلت حبيسة الخزائن لما يقارب ستين عاما دون أن يتمكن الجمهور أو حتى عشاق الشيخ من الاستماع إليها أو معرفة تفاصيلها لتتحول مع مرور الوقت إلى كنز مفقود ينتظر اللحظة المناسبة ليخرج إلى العلن ويشنف آذان الملايين من المسلمين في شتى بقاع الأرض.
نبذة عن الشيخ محمد المنشاوي
الشيخ محمد صديق المنشاوي هو أحد أعلام قراء القرآن الكريم في العالم الإسلامي، ويعد من أبرز رواد المدرسة المصرية في التلاوة. ولد عام 1920 في قرية المنشأة التابعة لمحافظة سوهاج بمصر، ونشأ في عائلة قرآنية عريقة؛ فوالده هو الشيخ صديق المنشاوي وشقيقه هو الشيخ محمود صديق المنشاوي.
تميز الشيخ المنشاوي بنبرة صوت حزينة وشجية يملؤها الخشوع، مما جعل الجماهير تلقبه بـ “الصوت الباكي”. أتم حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، والتحق بإذاعة القرآن الكريم المصرية عام 1953 ليصبح سريعاً من أشهر قرائها. ترك خلفه ثروة صوتية هائلة من تسجيلات المصاحف المرتلة والمجودة التي لا تزال تُبث وتلقى قبولاً واسعاً في جميع أنحاء العالم حتى يومنا هذا، وتوفي رحمه الله في عام 1969.
القرآن الكريم كامل بصوت المنشاوي
علمًا أنه في الوقت الراهن من السهل الاستمتاع إلى تلاوة المنشاوي كاملاً للقرآن الكريم من خلال النقر هنا
أثر اكتشاف المصحف المفقود على خريطة التلاوة المصرية
يمثل خروج هذه التسجيلات النادرة لجمهور المستمعين إعادة صياغة لخريطة التلاوة القرآنية الكلاسيكية حيث يتربع القراء المصريون القدامى على عرشها بلا منازع وسوف تساهم هذه النسخة المحدثة بصوت الشيخ المنشاوي في إثراء المكتبة الإذاعية وإتاحة مدرسة فريدة وجديدة في الأداء المرتل تجمع بين قمة الخشوع وبلاغة التعبير الديني مما يفتح آفاقا واسعة أمام الباحثين في علوم المقامات والتجويد لدراسة التطور الأدائي عند الشيخ الراحل ومقارنة هذه النسخة بنسخته الأولى الشهيرة لاستنباط الفروق الفنية الدقيقة التي جعلته يعيد التسجيل بالكامل
كيف استقبل رواد التواصل الاجتماعي الحدث التاريخي
بمجرد انتشار الخبر شهدت منصات التواصل الاجتماعي المختلفة موجة عارمة من الفرحة والترحيب الممزوج بالدهشة حيث تداول آلاف المغردين والمتابعين مقاطع قصيرة من التلاوة المذاعة معبرين عن تأثرهم الشديد بنبرات الصوت الشجية التي غابت عنهم طويلا وعكست التعليقات مدى الحب والتقدير اللذين يتمتع بهما الشيخ المنشاوي في قلوب الأجيال الناشئة التي لم تعاصره ولكنها تربت على صوته كما طالب الكثير من المهتمين بضرورة البحث المستمر في الأرشيفات القديمة لاستخراج كافة الكنوز الصوتية المنسية لكبار القراء الأوائل
إعلان إذاعة القران الكريم وبث التسجيلات النادرة
شهدت الأيام القليلة الماضية حدثا تاريخيا واستثنائيا بكل المقيمين حيث أعلنت شبكة إذاعة القران الكريم المصرية عن مفاجأة كبرى تمثلت في البدء ببث هذه التسجيلات النادرة التي تعرض لأول مرة في التاريخ بصوت الشيخ محمد صديق المنشاوي ليعيش المستمعون في الوقت الحالي لحظات إيمانية فريدة لم تتكرر وهم يستمعون إلى آيات الذكر الحكيم بنبرة الشيخ الراحل التي مر عليها نحو ستة عقود كاملة دون أن يسمعها أحد من الجمهور سابقا مما أثار موجة واسعة من الدعوات بالرحمة والمغفرة للشيخ الجليل الذي ترك إرثا خالدا يتجدد عبر الأزمان.
سر الاستمرارية والقبول لآيات الذكر الحكيم بصوت المنشاوي
يتساءل الكثير من المتخصصين والمستمعين عن السر وراء بقاء صوت الشيخ المنشاوي حيا ونابضا ومؤثرا في النفوس رغم مرور عقود طويلة على وفاته ويكمن السر الحقيقي في الإخلاص الشديد والورع التام اللذين كان يتمتع بهما الشيخ وهو ما تجلى بوضوح في موقفه بإعادة تسجيل المصحف كاملا على نفقته الخاصة لمجرد شعوره بوجود مواضع يمكن تحسينها فهذا التجرد التام لله تعالى والابتعاد عن طلب الشهرة أو المكاسب المادية جعل لقرائته قبولا ربانيا فريدا يتخطى حدود الزمان والمكان ليبقى صوته ملاذا لكل باحث عن الخشوع والسكينة في رحاب القرآن الكريم .