حماتي حلقتلي شعري وأنا نايمة عشان تجبرني أسيب شغلي… لكنها ما كانتش تعرف إنها كده صحّت جوايا انتقام عمرهم ما هينسوه
“وقالت لو عايزة تفضلي قاعدة في الشقة دي، بكرة الصبح تكتبي استقالتك وتتعلمي إزاي تهتمي بجوزك.” كانت دي أول جملة سمعتها وأنا بفوق من النوم على إحساس حارق في فروة راسي، إحساس عمره ما كان مجرد وجع جسماني، لكنه كان وجع إهانة وانكسار وخيانة جاية من ناس كنت فاكرة إنهم أقرب الناس ليا. فتحت عيني بصعوبة وأنا حاسة إن في حاجة غلط، حاجة مش طبيعية، ومديت إيدي ناحية شعري بشكل تلقائي زي ما كنت بعمل كل يوم، لكن أول ما لمست راسي حسيت إن قلبي وقع. إيدي لمست جلد فروة الرأس مباشرة. قومت مفزوعة، وبصيت حواليّا، ولقيت خصلات شعري الأسود الطويل مرمية فوق الملاية وحوالي السرير. الشعر اللي كنت بعتني بيه من سنين، الشعر اللي كنت بقف قدام المراية أضفره كل جمعة قبل ما أنزل شغلي، الشعر اللي كان جزء من شخصيتي وثقتي بنفسي، كان مرمي على الأرض كأنه قمامة. صرخت بأعلى صوت عندي، صرخة خرجت من قلبي قبل ما تخرج من بقي، وفي نفس اللحظة اتفتح النور فجأة.
وقفت مذهولة وأنا شايفة حماتي واقفة قدامي بكل هدوء، لابسة روبها القديم وماسكة ماكينة الحلاقة في إيديها، وعلى السجادة كومة كبيرة من الشعر. شعري أنا. بصيت لها بعدم تصديق وصرخت: “إنتِ عملتي إيه؟!” لكن ملامحها ما اهتزتش ولا للحظة، بالعكس، بصتلي ببرود غريب وقالت: “وطي صوتك يا بنتي. الست المحترمة ما تسيبش بيتها وتفضل رايحة جاية في الشغل والسهرات.” كانت بتتكلم وكأنها عملت حاجة عادية جدًا. وكأنها ما اعتدتش على جسدي وأنا نايمة. وكأنها ما انتهكتش أبسط حقوقي. الليلة اللي قبلها كنت راجعة من احتفال بسيط في الشركة بعد ما أخدت الترقية اللي استنيتها سبع سنين كاملة. سبع سنين من التعب والاجتهاد والضغط والمنافسة لحد ما بقيت مديرة قسم المبيعات. كل زمايلي كانوا فخورين بيا، ومديري بنفسه قال إن الترقية مستحقة. لكن بالنسبة لحماتي، النجاح كان جريمة. وبالنسبة لجوزي فوزي، كان تهديد لرجولته الهشة.
الغريب إن البيت كله كان عايش من فلوسي تقريبًا. مرتبي هو اللي كان بيسدد القسط الشهري للشقة. مرتبي هو اللي بيجيب الأكل ويدفع فواتير الكهرباء والمياه والإنترنت. أنا اللي وقفت جنب فوزي لما خسر فلوسه كلها في مشروع فاشل وأغرق نفسه في الديون. أنا اللي سددت الديون دي من غير ما أعايره يوم. أنا اللي كنت بدفع تمن علاج أمه شهريًا. ومع ذلك، كانوا بيتعاملوا معايا كأني مجرد خدامة مطلوبة منها تشتغل وتصرف وتسكت. بعد دقائق دخل فوزي على صوت الخناقة. كان لسه صاحي من النوم، وشعره منكوش وعيونه نصف مقفولة. بصلي، وبص لأمه، وبص للشعر المرمى على الأرض. في اللحظة دي كنت مستنية منه كلمة واحدة بس. أي كلمة تدل إنه إنسان طبيعي. كنت مستنية يقول لأمه إنها غلطت. أو يقول إن دي مراته وإن اللي حصل جريمة. أو حتى يظهر أي غضب. لكنه اكتفى بزفرة طويلة وقال: “بصراحة يا سارة… أمي غلطت شوية.” شوية؟! كنت حاسة إن الدنيا بتلف بيا. أمك حلقتلي شعري وأنا نايمة وتقول غلطت شوية؟
وقتها بصيت لفوزي وكأني بشوفه لأول مرة. الراجل اللي اتجوزته من سنين، واللي كنت فاكرة إنه شريك حياتي، كان واقف يدافع عن اللي أهانتني بدل ما يدافع عني. لما قلتله إن اللي حصل جريمة، هز كتفه وقال بمنتهى البساطة: “الشعر بيطول تاني.” ساعتها فهمت إن المشكلة الحقيقية مش في حماتي. المشكلة كانت في الراجل اللي سمح باللي حصل. الراجل اللي عاش سنين من فلوسي وعرقي، وفي أول اختبار حقيقي اختار يقف ضدي. ابتسمت حماتي ابتسامة انتصار وقالت: “بكرة تكتبي الاستقالة وتقعدي في البيت. الست مكانها وسط جوزها مش وسط الرجالة في الشغل.” وقتها حصل شيء غريب. فجأة بطلت أعيط. الدموع نشفت. والغضب اتحول لهدوء مخيف. قمت من مكاني بهدوء، أخدت ماكينة الحلاقة من فوق الكومودينو، ومشيت ناحية الحمام من غير ما أقول كلمة واحدة.
وقفت قدام المراية وبصيت لنفسي. الجزء المحلوق من شعري كان ظاهر بشكل مؤلم. كان ممكن أحاول أغطيه أو أصلحه أو أروح كوافير الصبح. لكن وأنا ببص لانعكاسي حسيت إن في حاجة جوه قلبي بتتغير. شغلت الماكينة بإيدي وكملت باقي شعري بنفسي. خصلة ورا خصلة. لحد ما اختفى الشعر كله. كنت بشوف كل خصلة تقع وكأنها بتشيل معاها جزء من ضعفي القديم. ولما خرجت من الحمام، فوزي كان فاتح بقه من الصدمة. أما حماتي فكانت أول مرة أشوف الابتسامة تختفي من وشها. سألني فوزي: “إنتِ بتعملي إيه؟!” ابتسمت وقلت: “عندك حق. هسيب الشغل.” وقتها فرحت حماتي بشكل هستيري تقريبًا وقالت: “أهو كده. أخيرًا عرفتي مقامك.” هزيت راسي بالموافقة وسكت. لكن الحقيقة إنهم ما كانوش فاهمين أي حاجة.
كانت الساعة وقتها 2:17 بعد منتصف الليل. دخلت أوضة النوم وقفلت الباب. فتحت تطبيق البنك على موبايلي. وبهدوء شديد بدأت أنفذ أول خطوة في الخطة اللي اتكونت جوه دماغي خلال دقائق. حولت كل مدخراتي الشخصية لحساب والدتي. بعدها مباشرة ألغيت كل البطاقات الإضافية اللي كان فوزي وأمه بيستخدموها. وقفت كل المدفوعات الشهرية التلقائية. الإنترنت. اشتراك العربية. أقساط الخدمات. كل شيء. كنت بعمل ده وأنا هادية بشكل مرعب. وبعدها حملت نسخ إلكترونية من كل التحويلات والإيصالات والعمليات البنكية وخزنتها في أكتر من مكان. ثم بعت رسالة لمساعدتي في الشركة: “هشتغل من البيت بكرة. أجلي أي مقابلات لحد ما أكلمك.” سألتني فورًا إذا كان فيه مشكلة. بصيت لانعكاسي في شاشة الموبايل. وشفت ست مختلفة تمامًا عن اللي نامت قبل ساعات. وكتبت لها: “كل حاجة هتبقى خير.”
قفلت الموبايل ونمت جنب فوزي اللي كان مقتنع إنه انتصر. مقتنع إنه أخيرًا قدر يخليني أسيب الشغل وأرجع للدور اللي هو وأمه رسموه ليا. لكنه ما كانش يعرف إن الحرب الحقيقية لسه ما بدأتش. وفي الساعة السادسة واثناشر دقيقة صباحًا، بدأ كل شيء ينهار فوق دماغهم. أول إشعار وصل لموبايل فوزي خلا وشه يصفر. كان إشعار من البنك بيبلغه إنه تم إلغاء البطاقة الائتمانية الإضافية. بعدها بثواني وصلت رسالة تانية بتفيد بفشل سداد قسط السيارة. وبعدها رسالة من شركة الكهرباء. وبعدها من شركة الإنترنت. قعد على السرير مرتبك ومرعوب وهو بيقلب في الموبايل. التفت ناحيتي وقال: “سارة… في حاجة غلط. الحسابات واقفة كلها.” بصيت له بهدوء شديد وقلت: “مفيش حاجة غلط يا فوزي. مش أنا هقعد في البيت؟ خلاص. الست مكانها البيت. يبقى مصاريف البيت عليك.”
<
قمت من مكاني وفتحت الدولاب. بدأت ألم هدومي بهدوء وأنا حاسة إن كل قطعة بحطها في الشنطة بتفصلني أكتر عن حياة كاملة كانت مبنية على الوهم. فوزي فضل واقف يبصلي ومش مستوعب إن الموضوع وصل للدرجة دي. كان متخيل إني هزعل كام يوم وبعدها أرجع لطبيعتي. ما كانش فاهم إن فيه حاجات لما تنكسر ما بترجعش زي الأول. وأنا بلم هدومي افتكرت أول سنة جواز، لما كنت بشتغل ساعات إضافية عشان نقدر ندفع مقدم الشقة. افتكرت الليالي اللي كنت برجع فيها منهكة وألاقيه قاعد قدام التلفزيون مستني الأكل. افتكرت المرات اللي بعت فيها دهبي عشان أغطي خسائره. افتكرت كل مرة سكت فيها على إهانة عشان البيت يفضل واقف. فجأة اكتشفت إن البيت اللي كنت بخاف عليه أكتر من نفسي، عمره ما كان بيتي أصلًا.
لما وصلت للباب بالشنط، وقفت حماتي في طريقي وقالت بغل واضح: “لو خرجتي من الباب ده، ما ترجعيش تاني. وفوزي هيطلقك.” كان واضح إنها لسه متخيلة إنها صاحبة السلطة. بصيت لها بابتسامة هادية وقلت: “ده يبقى كرم كبير من ربنا. وبالمناسبة، القسط باسمّي، وإيصالات السداد كلها معايا، ولو دخلنا محاكم هتبقي المفاجآت أكتر مما تتخيلي.” لأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيها. لأنها فجأة افتكرت إن الست اللي كانت بتصرف على البيت مش مجرد زوجة، لكنها كمان صاحبة حقوق ومستندات وأوراق قانونية. أما فوزي فكان واقف ساكت، لأن الحقيقة اللي حاول يهرب منها سنين كانت واقفة قدامه دلوقتي.
خرجت من الشقة من غير ما أبص ورايا. ركبت تاكسي وروحت عند أمي. طول الطريق كنت ساكتة. مش عشان حزينة، لكن عشان عقلي كان بيستوعب حجم اللي حصل. لما فتحت أمي الباب وشافتني برأسي الحليق، شهقت من الصدمة. حضنتني من غير ما تسأل، وده كان أكتر شيء كنت محتاجاه وقتها. قعدت عندها أيام أحاول أرتب أفكاري وأفهم الخطوة الجاية. كنت بصحى الصبح أبص للمراية وأشوف شكلي الجديد. في البداية كان غريب، لكن مع الوقت بدأت أشوفه بشكل مختلف. ما بقيتش شايفة الإهانة. بقيت شايفة النجاة.
بعد أيام رجعت الشغل. كانت أول مرة أدخل الشركة بالشكل الجديد. بعض الزملاء اتصدموا في البداية، وبعضهم ما عرفنيش من أول نظرة. لكن المفاجأة الحقيقية كانت كمية الدعم اللي لقيتها. لما حكيت للإدارة وبعض المقربين مني اللي حصل، محدش ضحك ولا استغرب، بالعكس. الكل وقف جنبي. المدير التنفيذي بنفسه قال إن اللي تعرضت له اعتداء صريح، وإن الشركة كلها هتدعمني لو احتجت أي مساعدة قانونية. وقتها حسيت إن العالم مش كله شبه فوزي وأمه. فيه ناس بتحترم الإنسان وبتشوف قيمته الحقيقية.
بدأت أركز في شغلي أكتر من أي وقت فات. المنصب الجديد كان محتاج مجهود كبير، لكني كنت داخلة عليه بطاقة مختلفة. كل صفقة كنت بنجح فيها كانت بتديني ثقة أكتر. كل اجتماع كنت بدخله كان بيأكدلي إني في مكاني الصحيح. الغريب إن الشكل الجديد لرأسي الحليق بقى مصدر قوة مش ضعف. ناس كتير سألتني عنه، وبعض السيدات قالوا إنهم شافوا فيه شجاعة مش إهانة. وبدأت أنا كمان أشوفه بنفس الطريقة. حماتي كانت عايزة تستخدم شعري عشان تكسرني، لكنها من غير ما تقصد قطعت آخر خيط كان رابطني بخوفي القديم.
في الناحية التانية، بدأت حياة فوزي وأمه تنهار بسرعة. أسبوع واحد بس كان كافي إنه يكتشف حجم الكارثة. الفواتير تراكمت. الأقساط اتأخرت. البنك بدأ يبعت تنبيهات. العربية بقت مهددة بالسحب. والصيدلية رفضت تدي حماته العلاج بالدين زي ما كانت متعودة. لأول مرة اضطر يواجه مسؤولياته بنفسه. بدأ يتصل بيا عشرات المرات في اليوم. مرة يترجاني. مرة يعتذر. مرة يغضب. ومرة يبعت ناس من العيلة عشان يقنعوني أرجع. لكن القرار كان اتاخد.
حتى حماتي اللي كانت بتتكلم بمنتهى الثقة، بدأت تبعت رسائل طويلة مليانة اعتذارات وتبريرات. مرة تقول إنها كانت خايفة على البيت. ومرة تقول إنها تصرفت بعصبية. ومرة تقول إنها كانت بتعتبرني بنتها. كنت أقرأ الرسائل وأقفلها من غير رد. لأن الإنسان ممكن يسامح على الغلط، لكن مش على الإهانة المتعمدة. اللي عملته ما كانش لحظة غضب. كان قرار محسوب وهي مقتنعة إنها تملك الحق فيه. ودي حاجة صعب جدًا تتصلح بكلمتين اعتذار.
بعد أسابيع بدأت إجراءات الطلاق رسميًا. المحامي أكد إن موقفي القانوني قوي جدًا، خصوصًا مع المستندات والإثباتات اللي كنت محتفظة بيها. وأثناء الجلسات كنت بشوف فوزي شخص مختلف عن اللي عرفته. شخص مرتبك وخايف ومش قادر يستوعب إن حياته اتغيرت. أحيانًا كنت أحس نحوه بالشفقة، لكن الشفقة عمرها ما كانت سبب كافي إني أرجع لحياة كسرتني. كنت فاهمة أخيرًا إن الحب الحقيقي ما ينفعش يعيش من غير احترام، وإن أي علاقة تسمح بالإهانة مرة هتسمح بيها ألف مرة بعد كده.
مرت الشهور، وبدأ شعري يطول تدريجيًا. كل مرة أبص للمراية وألاقي خصل جديدة بتظهر كنت أحس إن جزء من روحي بيتعافى. الموضوع ما كانش متعلق بالشعر نفسه، لكنه كان رمز لرحلة كاملة خرجت منها أقوى. بقيت أصحى الصبح وأنا مرتاحة. أروح شغلي وأنا فخورة بنفسي. أرجع البيت من غير خوف من كلمة جارحة أو نظرة احتقار. لأول مرة من سنين حسيت إن حياتي ملكي أنا.
وفي يوم كنت واقفة قدام المراية بسرح الخصل القصيرة اللي بدأت تغطي رأسي من جديد، افتكرت الليلة اللي صحيت فيها على الإهانة. افتكرت الوجع والصدمة والدموع. لكن بدل ما أحس بالحزن، ابتسمت. لأن الليلة دي رغم قسوتها كانت بداية النهاية لحياة ما كانتش تستحق إني أضيع عمري فيها. فهمت وقتها إن قوة الست مش في طول شعرها، ولا في صبرها على الظلم، ولا في قدرتها على تحمل الإهانة. قوتها الحقيقية في اللحظة اللي تقرر فيها إنها تحترم نفسها مهما كان الثمن.
أما فوزي وأمه فبقوا مجرد فصل انتهى من حياتي. فصل علمني درسًا مهمًا جدًا: إن الكرامة لما تضيع، مفيش بيت يستاهل التضحية بيها. وإن الإنسان اللي يسمح لحد يهينك مرة، هيكررها ألف مرة لو فضلتي ساكتة. عشان كده ما ندمتش على خروجي من الباب يومها. بالعكس، كل يوم بيعدي كنت بتأكد إني أخدت القرار الصح. القرار اللي رجع لي نفسي، ورجع لي احترامي، وخلاني أعرف إن البداية الجديدة أحيانًا بتكون مخيفة، لكنها أفضل ألف مرة من البقاء في مكان بيكسر روحك كل يوم.