فخ “عزومة” السلفة.. الحكاية الكاملة لانكسار اتحول لكرامة
كانت سمية دايمًا بتحاول تمشي الدنيا بالراحة… من النوع اللي بيعدّي كتير، ويعدّي أكتر من اللازم كمان. مش لأنها ضعيفة، لكن لأنها كانت فاكرة إن البيوت بتتبني بالصبر، وإن أي حاجة ممكن تتصلّح مع الوقت. بس اليوم ده… كان مختلف. اليوم ده كان اليوم اللي كل حاجة فيه اتكسرت مرة واحدة.
من بدري الصبح، وهي سامعة إن سلفتها “هدى” عاملة عزومة كبيرة. والغريب إن العزومة دي في نفس بيت العيلة، يعني لا في مناسبة واضحة ولا سبب قوي، بس هدى قررت “تلم العيلة” وتعمل غدا. سمية حاولت تقنع نفسها إن الموضوع عادي، وإن يمكن هدى بتحاول تقرب منها بعد فترة الجفاء اللي بينهم، خصوصًا إنها أرملة وكل الناس بتتعاطف معاها.
بس جواها… كان في إحساس غريب. إحساس مش مريح، كأن في حاجة مستخبية ورا العزومة دي. خصوصًا بعد ما لاحظت إن جوزها “يامن” كان مهتم بالموضوع زيادة عن اللزوم، وبيتكلم عن أكل هدى وكأنه بيحكي عن حاجة استثنائية، رغم إنها عمرها ما شافت منها حاجة مميزة في المطبخ.
وقت الغدا، السفرة كانت مليانة بشكل مبالغ فيه… بط، محشي، ممبار، حلويات، وكل حاجة شكلها “مغري” بطريقة تخلي أي حد يصدق إن الست اللي طبخت ده عندها خبرة سنين. الكل كان بياكل ويشكر، بس الصوت الأعلى كان صوت يامن، وهو بيبالغ في المدح بطريقة ملفتة.
سمية كانت ساكتة… بتاكل لقيمات صغيرة، وعينيها بتلف حوالين الناس. كانت حاسة إن في حاجة مش مظبوطة، بس مش قادرة تمسك طرف الخيط. لحد ما خلصوا الأكل، وبدأ الصمت اللي بييجي دايمًا قبل أي حاجة كبيرة تحصل.
يامن اتسند بضهره، وبص لها بنظرة خلت قلبها يقبض، وقال قدام الكل:
— “يا سمية قومي بقى شطبي المطبخ لسلفك… الست تعبت وكفت ووفت.”
الكلمة نزلت عليها زي الطوبة. مش بس طلب… ده أمر. وقدام الكل. حاولت ترد بهدوء، تحافظ على شكلها، لكن هو قطع كلامها بعصبية، وكمل مدح في هدى بطريقة فيها تقليل منها بشكل واضح، لدرجة إنه وصل إنه يمسك إيد سلفته ويبوسها قدامها.
في اللحظة دي… حاجة جوه سمية اتكسرت. مش بس كرامتها، لكن صورتها لنفسها. الإحساس اللي كان بيخليها تستحمل وتعدّي… اختفى.
دخلت المطبخ وهي بتجر رجليها، مش عارفة تبكي ولا تصرخ. صوت ضحكهم برا كان بيوجعها أكتر من أي كلمة. كل طبق كانت تمسكه، كانت بتحس إنه تقيل… مش بسبب وزنه، لكن بسبب الإهانة اللي اتحطت فوقه.
وقتها بس… لمحت حاجة غريبة.
شنط بلاستيك متكومة ورا باب المطبخ. شكلها مش شبه أكياس البيت. قربت منها، وسحبت واحدة… قلبها بدأ يدق بسرعة. اسم مطعم مشهور مطبوع عليها.
وقتها… الدنيا بدأت تتكشف.
فتحت الشنط واحدة واحدة، ولقِت علب فاضية، فيها بقايا نفس الأكل اللي كانوا لسه بيشكروا فيه. المحشي… البط… كل حاجة.
إيديها كانت بتترعش وهي بتدور، لحد ما لقت الفاتورة.
وقرأت.
كل سطر فيها كان زي صفعة. مش بس الأكل جاهز… لا، ده يامن هو اللي دافع تمنه. باسمه. من جيبه. وواقف برا يمثل دور الزوج اللي بيشجع سلفته، وبيكسر مراته.
وقتها… الحزن اتحول لغضب.
بصت حواليها… المطبخ بايظ، متوسخ، واضح إنه مهمل بقاله فترة طويلة. كل حاجة فيه كانت بتأكد إن هدى ماطبختش حاجة. وإن اللعبة كانت متخطط لها.
سمية مسحت دموعها، وحطت الفاتورة في جيبها.
وخرجت.
مش بنفس الطريقة اللي دخلت بيها… خرجت واحدة تانية. واحدة قررت إنها مش هتسكت تاني.
وقفت في نص الصالة، والكل بص لها. يامن ابتسم وهو فاكر إنها خلصت، لكن ابتسامته اختفت لما شاف نظرتها.
بدأت تتكلم… بهدوء في الأول، لكن كل كلمة كانت تقيلة.
كشفت كل حاجة. الشنط. الأكل. الفاتورة. الكذبة.
الصمت اللي حصل بعدها… كان أقوى من أي صوت.
الكل بص ليامن… مستني رد. لكنه ماكانش عنده رد. حاول ينكر، حاول يبرر، لكن كل حاجة كانت واضحة.
هدى كانت قاعدة، مش قادرة ترفع عينيها. واللي كان باين عليها قبل كده كأنه ثقة… اتحول لإحراج.
سمية ما صرختش. ما شتمتش. بس قالت كلمتين كانوا كفاية:
“اللي يبيع كرامة مراته… يستاهل يعيش لوحده.”
وخدت بعضِها… ومشيت.
اللحظة دي ما كانتش نهاية… كانت بداية.
في الطريق لبيت أبوها، كانت دموعها بتنزل، بس مش نفس دموع المطبخ. دي كانت دموع خفيفة… كأنها بتغسل حاجة تقيلة كانت جواها.
افتكرت كل موقف عدّى وسكتت عليه… كل مرة اتقللت فيها من غير ما ترد… كل مرة قالت “معلش”.
واكتشفت إن “معلش” أحيانًا… بتكلف كتير.
وصلت البيت، وأول ما شافتها أمها، فهمت من غير ما تسأل. حضنتها، وسمية سابت نفسها لأول مرة من سنين.
الأيام اللي بعد كده ما كانتش سهلة… كلام، ضغط، محاولات صلح، تبريرات… لكن سمية كانت اتغيرت.
بقت شايفة الأمور بشكل أوضح. مش كل حاجة تتعدّي. ومش كل حد يستاهل فرصة تانية.
يامن حاول يرجّعها… مرة بالهدوء، ومرة بالضغط، ومرة بأهله. لكنه ماكانش فاهم إن المشكلة مش في الموقف… المشكلة في اللي قبله بسنين.
سمية ما ردتش بسرعة. كانت بتفكر… بس لأول مرة، كانت بتفكر في نفسها.
وفي النهاية… قررت إنها تبدأ من جديد.
مش لأنها قوية فجأة… لكن لأنها تعبت.
تعبت من إنها تكون دايمًا الطرف اللي بيستحمل.
والحكاية اللي بدأت بعزومة… انتهت بقرار.
قرار إن الكرامة… مش حاجة تتفاوض عليها.
نامت وهي مرهقة، لكن النوم ماكنش راحة. كل شوية تصحى على نفس المشهد… يامن وهو بيبوس إيد هدى، ضحكة هدى، نظرات الشماتة، صوت الصحون في المطبخ، الفاتورة… كل حاجة كانت بترجع كأنها شريط بيعيد نفسه. كانت بتفتح عينيها في الضلمة وتبص للسقف، وتسأل نفسها سؤال واحد: “أنا كنت عايشة إزاي كل ده ومكنتش شايفة؟”
الصبح جه تقيل. صوت أمها وهي بتحضر الفطار كان هادي، متعمد ما يزعجهاش. أبوها خرج للشغل من غير ما يسأل كتير، بس قبل ما يمشي حط إيده على راسها وقال بهدوء: “اللي يوجعك… متسكتيش عليه تاني.” الجملة كانت بسيطة، لكنها دخلت جواها زي نور صغير في مكان مظلم.
عدّى يوم، واتنين، وتلاتة… والهدوء كان غريب. مفيش صراخ، مفيش تقليل، مفيش مقارنة بينها وبين حد. لأول مرة من سنين، كانت بتسمع صوتها هي. لكن الهدوء ده ما كانش معناه راحة كاملة… كان فيه حاجة ناقصة، حاجة لسه مش مفهومة.
وفي رابع يوم… الموبايل رن.
رقم غريب.
ترددت لحظة، لكن ردت.
— “ألو… سمية؟”
الصوت كان نسائي… هادي، لكن فيه توتر.
— “أيوة… مين؟”
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
— “أنا هدى.”
قلب سمية دق بسرعة… مش خوف، لكن فضول. كانت متوقعة إن يامن هو اللي يكلمها، مش هدى.
— “خير؟”
هدى اتنهدت بصوت واضح، وقالت:
— “أنا عارفة إنك مش طايقاني… وعندك حق. بس أنا لازم أقولك حاجة… يمكن تغير فهمك للي حصل.”
سمية سكتت… مش عايزة تديها فرصة، لكن في نفس الوقت… عايزة تفهم.
— “قولي.”
هدى كملت، بصوت مكسور شوية:
— “الأكل… أنا ما طبختوش. ده حقيقي. بس مش أنا اللي طلبته.”
سمية ضحكت ضحكة خفيفة… بس كانت مليانة مرارة:
— “ما أنا عارفة… الفاتورة كانت باسم جوزي.”
— “أيوة… بس هو اللي أصر على كده. أنا أصلاً ماكنتش عايزة أعمل عزومة.”
الكلام وقف سمية لحظة.
— “يعني إيه؟”
هدى بدأت تحكي… ببطء، كأنها بتطلع حاجة تقيلة من جواها:
— “يامن بقاله فترة بييجي عندي كتير… بحجة إنه بيشوفني ويطمن عليا. الأول كنت شايفة الموضوع عادي، ده أخو جوزي الله يرحمه… لكن بعد كده، بدأ يتكلم بطريقة غريبة… يقارن بيني وبينك، يقول إنك مهملة، وإنك مش مهتمة بيه… وإن أنا مختلفة.”
سمية حسّت إن الأرض بتتهز تحتها.
— “كملي.”
— “يوم العزومة… هو اللي جاب الأكل، وهو اللي قاللي أقول إنه من إيدي. وأنا… أنا سكت. يمكن لأني كنت محتاجة حد يقف جنبي، يمكن لأني كنت ضعيفة… بس أنا ماكنتش متخيلة إنه هيعمل كده قدامك بالشكل ده.”
الصمت طال بينهم.
كل كلمة كانت بتكشف طبقة جديدة من الحقيقة… الحقيقة اللي كانت أعمق من مجرد “موقف”.
— “والمطبخ؟” سألت سمية بهدوء.
هدى ردت بسرعة:
— “أنا فعلاً مهملة… من بعد وفاة جوزي، كل حاجة بقت تقيلة عليا. بس هو قاللي: سيبيه زي ما هو… وهي هتدخل تنظفه.”
الجملة دي كانت كفاية.
مش بس خطة… دي كانت نية إذلال.
سمية قفلت المكالمة من غير ما تقول حاجة.
قعدت مكانها، الموبايل في إيدها، وعينيها في الفراغ.
كل حاجة بقت واضحة.
يامن ماكانش بيكسرها عشان يرفع حد تاني… هو كان بيكسرها لأنه شايفها أقل. شايف إن ده حقه.
والأصعب… إنه كان بيحاول يخلق مقارنة… يخليها تحس إنها ناقصة.
لكن الحقيقة… كانت غير كده.
هي ماكنتش ناقصة… هي كانت ساكتة بس.
وقتها… سمية قامت.
مش بعصبية، ولا باندفاع… لكن بهدوء غريب.
دخلت أوضتها، وطلعت الفاتورة من شنطتها.
بصت لها تاني… بس المرة دي، مش كدليل على إهانة.
لكن كدليل على الحقيقة.
وابتسمت ابتسامة خفيفة… أول ابتسامة بجد من ساعة ما مشيت.
لأنها فهمت أخيرًا…
إن اللي حصل… ماكانش نهاية.
كان كشف.
كشف لشخص… ولحياة… كانت محتاجة تنتهي من زمان.