الجحود في ثوب التريند .. عندما تنبت الكراهية على عتبات القبور

الجحود في ثوب التريند ..  عندما تنبت الكراهية على عتبات القبور


تشهد منصات التواصل الاجتماعي كل يوم سيلًا لا ينقطع من المقاطع والمحتويات المرئية، بعضها يمر مرور الكرام، وبعضها الآخر يثير ضجة مؤقتة ثم يتلاشى لكن بين الحين والآخر، يطفو على السطح مقطع فيديو يضرب في مقتل أعمق القيم الإنسانية والتربوية التي توافق عليها البشر منذ فجر التاريخ ليس المشهد مجرد محتوى عابر، بل هو  خطر يهدد البناء الأخلاقي للمجتمع ككل. إن رؤية أمّ تقف مع طفليها – بنت وولد صغر  في عمر الزهور – أمام قبر، لا لتبكي أو لترسخ في نفوسهما قيم الوفاء والدعاء بالرحمة كما علمنا ديننا الحنيف، بل لتلقنهما ببرود  واستهزاء شديدان عبارات اللعن والدعاء بالجحيم ، هو تجسيد حي لظاهرة الجحود الإنساني في أبشع صوره.

سواء كان هذا المشهد حقيقيًا والأب قد فارق الحياة بالفعل، أو كان مجرد تمثيلية هزلية مشحونة بالغل والانفصال الأسري لبث سموم الخلافات تحت غطاء الموت، فإن النتيجة واحدة: نحن أمام سلوك غير سوي، ينسف الفطرة السليمة، ويدمر نفسية الأطفال، وينتهك حرمة الموتى، وكل ذلك من أجل لفت الانتباه وحصد المشاهدات في عالم افتراضي لا يرحم.

تشويه الفطرة: الطفولة كصفحة بيضاء تُدنس بالأحقاد

الطفولة في أصلها النقي هي مرحلة المحاكاة والامتصاص؛ فالطفل لا يولد حاقدًا ولا يحمل في قلبه غلًا تجاه أحد، بل هو صفحة بيضاء يخط فيها الآباء والأمهات السطور الأولى لقصة حياته ونظرته للعالم. الأم، تاريخيًا وفطريًا، هي نبع الرحمة، والصدر الحنون الذي يلجأ إليه الصغير ليشعر بالأمان والسكينة. عندما تتحول هذه الأم إلى معول هدم، وتستغل سلطتها العاطفية والتربوية لتشحن قلوب أطفالها بالسواد تجاه والدهم، فإنها ترتكب جناية حقيقية بحق براءتهم.

إن إقحام الأطفال في صراعات الكبار وتصفية الحسابات الشخصية من خلالهم هو نوع من العقوق العكسي. الأطفال لا ذنب لهم في فشل العلاقة الزوجية، ولا ينبغي أن يكونوا وقودًا لمعارك الانتقام. عندما يسمع الطفل أمه تقول باستهزاء: “نقيتلك مكان جميل كله ورد”، ثم تطلب منه أن يدعو على أبيه بـ “الله يجحمك” بدلًا من “الله يرحمك”، يحدث لديه شرخ نفسي عميق وتناقض صارخ بين ما يفترض أن يشعر به من افتقاد لأبيه، وبين القسوة الممنهجة التي تجبره أمه على ممارستها.

وهنا علق أحد المتابعين محذرًا هذه الأم من عواقب غرس هذه القسوة

  “بكره ولادك ينقلبو عليكى لانك زرعتي في قلوبهم القسوه وانتزعتي الرحمه منهم”

من أقدس المبادئ التي التقت عليها الأديان السماوية والشرائع الوضعية والأعراف الأخلاقية هي حرمة الموت. للموت جلال وهيبة تفرض على الأحياء الصمت وإرجاع المظالم إلى قاضي القضاة، فالشخص الذي غادر دنيانا قد أفضى إلى ما قدم، وانقطعت حبال تواصله الأرضي، وأصبح حسابه عند خالقه.
تحويل المقابر إلى مسرح لتصوير مقاطع الفيديو، والاستهزاء بالمثوى الأخير للإنسان، والشماتة في مصيره بعد الموت، هو مؤشر خطير على قسوة القلوب وموت الضمائر. حتى وإن كان الأب في هذه القصة قد قصر في واجباته، أو تخلى عن مسؤولياته أثناء حياته، فإن القبر ليس المكان المناسب لإعلان النصر عليه أو لتصفية الحسابات المؤجلة. إن الشماتة بالموت لا تنال من الميت شيئًا، لكنها تعري السواد القابع في نفس الشامت، وتظهر للمجتمع مدى الانحدار القيمي الذي يمكن أن يصل إليه الشخص عندما يتملك منه الحقد والغضب.

وقد عبّر الجمهور عن صدمته وعدم استيعابه لوجود مثل هذه القسوة في قلب أم تجاه أطفالها:

  “مش مقتنعه انه حقيقي اكيد تمثيل مافيش واحدة توصل للدرجة دي من قساوة القلب علي عيالها وتعمل فيهم كده””

بينما استنكر تعليق آخر الجرأة على نشر هذا الأسلوب علنًا:

  “دا اللى يتقال عنه حقارة وبرخصه.. بتصور الكلام ده وتنشره على الناس عادى.. ازاى دى تبقى مسئوله عن تربيه اطفال

جيل مشوه نفسيًّا: من يزرع الشوك لا يجني الورود

إن الآثار المترتبة على هذا الأسلوب التربوي العقيم لا تتوقف عند حدود تلك اللحظات التي التقت عليها عدسة الكاميرا، بل تمتد لتصنع مستقبلًا مظلمًا لهؤلاء الأطفال. التربية بالقسوة وبتلقين الغل تنتج شخصيات غير متزنة، وتزرع في وعي الصغار أن العلاقات الإنسانية مبنية على الغدر، والانتقام، والتشفي.

فقدان البوصلة الأخلاقية: عندما يتعلم الطفل أن العقوق والسب والدعاء بالسوء على الوالد هو أمر طبيعي ومباح، بل ومطلوب من قِبل الأم، فإنه يفقد القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين البر والجور.

انتقال العدوى السلوكية: هؤلاء الأطفال الذين يتم شحنهم اليوم بالبُغض والكراهية، لن يكونوا غدًا أفرادًا أسوياء في المجتمع. فالشخص الذي لم يتعلم الرحمة في بيته ومع أقرب الناس إليه، كيف سيقدمها للآخرين؟ إننا بذلك نساهم في إخراج جيل ناقم، حاقد، يرى في العنف اللفظي والمعنوي وسيلة مشروعة للتعبير عن النفس.
وفي تحليل دقيق لطبيعة المقطع وما وراء العبارات المستخدمة، أشار المتابعون إلى أن الأب قد لا يكون متوفى أساسًا، بل هو خلاف عائلي حاد:

“ابوهم مش متوفى هم منفصلين.. لاحظ كلامها وهى بتقول اخترت لك قبر كله ورد.. دى إنسانة غير سوية ومريضة نفسياً انها تعرض ولادها للموقف ده”

وأضاف آخر مؤكدًا ذات الرؤية التحليلية:

“من خلال التحليل للفيديو القبر ليس قبر زوجها. من خلال حديثها يتضح ان زوجها غير متوفي كذلك القبر عليه من الزهور يدل ان اهل الميت يقومو بالاعتناء بالقبر.. النقطه الاخيره، المفروض هذه الام تعاقب مثل هذا النوع من الأمهات تخرج جيل مريض نفسي جيل حقود يكره من حوله”

المسؤولية القانونية والمجتمعية: كفى عبثًا بالقيم

أمام هذا المشهد والعديد من المشاهد المشابهة التي تتكرر بأشكال مختلفة، لا يمكن للمجتمع أن يقف موقف المتفرج؛ فالحرية الشخصية تنتهي عندما تبدأ في تدمير عقول الأطفال وهدم القيم العامة. إن الحاجة باتت ملحة لتفعيل القوانين الرادعة التي تحمي الطفولة من الاستغلال الرقمي ومن الإساءة النفسية الممنهجة.

  • المحاسبة القانونية الصارمة: يجب أن تخضع مثل هذه التصرفات لمساءلة قانونية حاسمة تحت بند “إساءة معاملة الأطفال” واستغلالهم تجاريًا وإعلاميًا وبث الكراهية والشماتة.

  • التوعية التربوية: على المؤسسات المجتمعية والإعلامية أن تكثف من جهودها لإعادة بريق القيم الأسرية الأصيلة، والتأكيد على أن الخلافات الزوجية يجب أن تُحل في إطار من السريّة والاحترام، بعيدًا عن عيون الأطفال وعن شاشات الهواتف.

وقد لخص أحد المتابعين الأبعاد القانونية والدينية والدينوية التي انتهكها هذا الفيديو بشكل دقيق قائلاً:

“يجب ان تحاسب قانونا:

استغلت اطفال من اجل النشر والشهره وهم دون السن القانوني.

ثانيًا- اثارت البغضاء في نفوس اطفال.

3- انتهكت حرمة المتوفي بتصوير قبره ونشره ومس مشاعر اهله.

4- خالفت تعاليم الاديان السماويه ايا كانت بعدم جواز الشماته بالميت ولعنه.

5- اثارت اشمئزاز الجمهور”

إن الحياة الأسرية قد تمر بعواصف شديدة، والانفصال أو الطلاق قد يكون في بعض الأحيان حلًا لا مفر منه، والموت حق على الجميع. لكن، مهما بلغت الخصومة ومهما عظمت الجراح، يجب أن تظل هناك خطوط حمراء لا يُسمح بتجاوزها أبدًا، وعلى رأسها براءة الأطفال وحرمة الموتى. إن إقحام الصغار في معارك الكبار وتلقينهم الكراهية والجحود هو جريمة نكراء في حق الإنسانية.

إن بناء مجتمع سوي ومعافى يبدأ من البيوت، ومن الكلمة الطيبة والرحمة التي يزرعها الآباء والأمهات في نفوس أبنائهم. فلنحافظ على براءة أطفالنا، ولنجعل من بيوتنا وقبورنا ومجتمعاتنا مساحات للاتعاظ، والرحمة، والتسامح، بدلاً من أن نتركها لتتحول إلى ساحات لتصفية الحسابات تحت بريق “التريندات” الزائفة التي تذهب جفاءً، بينما يبقى أثرها السيئ محفورًا في نفوس الصغار إلى الأبد.


▶︎
مشاهدة الفيديو

سيتم تحويلك تلقائيًا بعد العدّاد

انضم للمجتمع

admin
admin