ربيت بناتي التوأم وحدي بعد أن تخلت عنهما أمهما… وفي عيد الأب اكتشفت السر الذي أخفينه عني طوال 12 عامًا

ربيت بناتي التوأم وحدي بعد أن تخلت عنهما أمهما… وفي عيد الأب اكتشفت السر الذي أخفينه عني طوال 12 عامًا


ربيت بناتي التوأم وحدي بعد أن تخلت عنهما أمهما… وفي عيد الأب اكتشفت السر الذي أخفينه عني طوال 12 عامًا

في بعض الحكايات لا تكون البطولة في إنقاذ شخص من حادث، ولا في امتلاك المال أو النفوذ، وإنما في القدرة على الاستيقاظ كل صباح رغم التعب، ثم مواصلة الطريق من أجل أشخاص آخرين. هناك آباء لا تكتب عنهم الصحف، ولا يتصدرون عناوين الأخبار، لكنهم يصنعون كل يوم معجزات صغيرة داخل بيوتهم، معجزات لا يراها أحد سوى من عاش تفاصيلها. وهذه كانت حكايتي… حكاية بدأت بألم لم أتخيل يومًا أنني سأقدر على احتماله، وانتهت بمفاجأة جعلتني أبكي لأول مرة ليس من القهر، بل من الامتنان.

كان لدي توأم جميلتان؛ هنا ونور. منذ ولادتهما وهما تملآن البيت ضحكًا لا ينتهي. لم يكن بينهما سوى دقائق قليلة، لكنهما كانتا وكأنهما روح واحدة في جسدين. تستيقظ واحدة فتوقظ الأخرى، تضحك واحدة فتشاركها الثانية الضحك، وإذا بكت إحداهما شعرت الأخرى بما يحدث دون أن تنطق بكلمة. كنت أعود من عملي مرهقًا، وما إن أسمع صوتهما حتى يختفي كل التعب، فأجلس معهما في الحديقة الصغيرة أمام المنزل، أراقب سباقهما، وضحكاتهما، وأحلامهما البريئة التي كانت أكبر من الدنيا كلها.

كنت أعتقد أن الحياة قررت أخيرًا أن تمنحني نصيبي من السعادة، وأن السنوات المقبلة ستكون أجمل، لكن الحياة أحيانًا تخبئ لنا اختبارًا لم نستعد له أبدًا. في أحد الأيام، خرجت زوجتي مع البنتين لقضاء بعض الاحتياجات، ولم يكن في بال أحد أن دقائق قليلة ستغير مصير أسرة كاملة. سيارة يقودها شاب متهور تجاوز الإشارة بسرعة جنونية، فاصطدم بسيارتهم بقوة هائلة. عندما وصلني الاتصال، شعرت بأن الدنيا توقفت. لم أعد أتذكر كيف وصلت إلى المستشفى، ولا كم مرة دعوت الله في الطريق، ولا كيف كانت يداي ترتجفان وأنا أركض بين الممرات أبحث عن غرفة الطوارئ.

كانت زوجتي قد خرجت بإصابات بسيطة، مجرد كدمات وبعض الجروح السطحية، أما هنا ونور فكانتا في حالة مختلفة تمامًا. وقف الطبيب أمامي وهو يحاول اختيار كلماته بعناية، ثم أخبرني أن إصابة العمود الفقري كانت شديدة، وأن احتمالات استعادة القدرة على المشي ضعيفة جدًا. لم أسمع بقية الحديث. كنت فقط أنظر إلى صغيرتيّ وهما نائمتان على السرير الأبيض، وأشعر أن شيئًا في داخلي قد انكسر للأبد.

مرت الأيام الأولى داخل المستشفى ثقيلة كأنها سنوات. كنت أقضي الليل بجوارهما، أمسك أيديهما الصغيرتين، وأخبرهما أن كل شيء سيكون بخير، رغم أنني لم أكن أصدق ما أقوله. كنت أردد الوعد نفسه كل ليلة: لن أترككما أبدًا، مهما حدث. كنت أظن أن والدتهما تشعر بالشعور نفسه، وأننا سنواجه هذه المحنة معًا، لكنني اكتشفت أن البشر لا يتحملون الألم بالطريقة ذاتها.

بعد ثلاثة أسابيع فقط من خروجنا من المستشفى، عدت إلى المنزل بعد يوم طويل من إنهاء بعض الإجراءات الطبية. دخلت أبحث عنها، فلم أجدها. ناديت باسمها أكثر من مرة، ولم يجبني أحد. ثم وقعت عيناي على ورقة مثبتة فوق باب الثلاجة. كانت كلمات قليلة، لكنها كانت كفيلة بتحطيم ما تبقى داخلي. كتبت أنها لا تستطيع أن تقضي بقية عمرها وهي تدفع كرسيين متحركين، وأنها لم تكن تريد هذه الحياة، ثم أنهت الرسالة ورحلت دون اعتذار، دون وداع، ودون حتى أن تنظر في عيني ابنتيها مرة أخيرة.

في تلك الليلة بكيت كما لم أبكِ من قبل. ليس بسبب خيانتها لي، بل لأنني كنت أفكر في السؤال الذي سأجيب به ابنتي عندما تكبران وتسألانني: أين أمي؟ كيف سأشرح لطفلتين أن الشخص الذي يفترض أن يكون أكثر الناس حبًا لهما اختار أن يرحل؟ لم أجد إجابة، ولذلك قررت أن أكون أنا الإجابة.

تحولت حياتي بالكامل. أصبحت الأب والأم في الوقت نفسه. كنت أستيقظ قبل الفجر، أجهز الإفطار، أساعدهما في ارتداء الملابس، ثم أوصلهما إلى المدرسة المجهزة لاستقبال الأطفال ذوي الإعاقة، وبعدها أذهب إلى عملي الأول. مع انتهاء الدوام أنتقل إلى العمل الثاني، ثم الثالث أحيانًا، حتى أستطيع توفير تكاليف العلاج الطبيعي والأدوية والأجهزة الطبية. كنت أعود إلى البيت منهكًا، لكنني أخفي إرهاقي بابتسامة، لأنني كنت أعلم أن أي ضعف مني سيجعل الخوف يتسلل إلى قلبيهما.

بعت السيارة أولًا. ثم اضطررت بعد فترة إلى بيع المنزل والانتقال إلى شقة أصغر. وبعدها بعت ساعة والدي التي كنت أعتبرها أغلى ما أملك. كل شيء كان يمكن تعويضه إلا مستقبل ابنتيّ. لم أندم على شيء بعته، لأنني كنت أرى كل جنيه يتحول إلى جلسة علاج، أو جهاز يساعدهما، أو كتاب جديد يفتح أمامهما نافذة أمل.

كانت الليالي هي الأصعب دائمًا. عندما تنامان، أجلس وحدي في الظلام. أراجع الحسابات، وأحسب الديون، وأتساءل إلى متى سأستطيع الاستمرار. أحيانًا كنت أشعر أنني على وشك الانهيار، لكن في الصباح، عندما أراهما تبتسمان لي وكأن شيئًا لم يحدث، كنت أجد طاقة جديدة لا أعرف من أين تأتي. ربما كان الله يضعها في قلبي كل يوم حتى أواصل الطريق.

ورغم كل شيء، لم أسمح لهما أن تشعرا بأنهما أقل من أي طفل آخر. علمتهما الاعتماد على النفس، وشجعتهما على الدراسة، واشتريت لهما حاسوبًا مستعملًا بالتقسيط حتى تتعلما عليه. كنت أظنه مجرد وسيلة للدراسة والترفيه، ولم يخطر ببالي يومًا أنه سيصبح بداية سر كبير سيغير حياتنا جميعًا.

مرت السنوات، وكبرتا أمام عيني. لم تكونا تشكوان كثيرًا، بل على العكس، كانتا دائمًا تحاولان رفع معنوياتي. إذا تأخرت في العودة، أجد الطعام مجهزًا بما استطاعتا إعداده، وإذا عدت متعبًا، تتسابقان لتخبراني عن إنجاز صغير حققتاه في الدراسة حتى تنسياني همومي. كنت أعتقد أنني أنا الذي أحميهما، ولم أدرك أنهما كانتا تحميانني أيضًا من الانكسار.

ثم بدأت المعجزة الطبية التي لم يتوقعها أحد. بعد سنوات طويلة من العلاج الطبيعي المستمر والإصرار الذي لا يعرف المستحيل، استطاعت هنا أن تقف على قدميها للمرة الأولى. أمسكت بالعكاز، ثم خطت خطوة، ثم ثانية، ثم ثالثة. كنت أبكي وأضحك في الوقت نفسه، وكأنني أرى طفلة تتعلم المشي من جديد. وبعد أيام قليلة، فعلت نور الأمر نفسه. يومها شعرت أن الدنيا ردت لي جزءًا من حقي، وقلت لنفسي إن هذا هو أسعد يوم في حياتي.

لكنني كنت مخطئًا، لأن السعادة الحقيقية كانت لا تزال تنتظرني بعد أسابيع قليلة، في صباح عيد الأب.

استيقظت كعادتي مبكرًا، وأعددت الإفطار. جلست هنا ونور أمامي، لكنني شعرت أن هناك شيئًا غير طبيعي. كانتا تتبادلان النظرات في صمت، وتبتسمان ثم تتوقفان فجأة، وكأنهما تخفيان أمرًا ما. حاولت أن أمازحهما، لكن التوتر كان واضحًا على وجهيهما.

بعد دقائق، أمسكت هنا بيدي وقالت بصوت خافت: “يا بابا… أوعى تزعل.” شعرت بأن قلبي انقبض. قبل أن أسألها، أكملت نور وهي تحاول السيطرة على دموعها: “إحنا مخبيين عليك سر من سنين.” في تلك اللحظة، قفز إلى ذهني اسم واحد فقط… والدتهما. ظننت أنها عادت، أو أنها كانت تتابعهما طوال السنوات الماضية دون أن أعلم. عشرات الأسئلة دارت في رأسي في ثوانٍ معدودة، لكن جرس الباب قطع أفكاري.

نظرت إلى البنتين، فوجدتهما تنظران إلى بعضهما وكأنهما كانتا تنتظران تلك اللحظة بالضبط. توجهت نحو الباب بخطوات بطيئة، ويدي ترتجف. كنت مستعدًا لمواجهة الماضي بكل ما فيه من وجع. فتحت الباب، فإذا بشاب بسيط يقف أمامي يحمل صندوق أدوات كبيرًا، ويبتسم في ارتباك وهو يقول: “حضرتك والد البشمهندسة هنا والبشمهندسة نور؟ أنا جاي أركب الموتور الجديد.”

التفت إليهما في دهشة كاملة. لم أفهم كلمة واحدة مما يحدث. سألتهما: “بشمهندسة؟ موتور؟ إيه اللي بيحصل؟”

اقتربت هنا مني وهي تبكي، ثم قالت: “يا بابا… السر عمره ما كان ماما. إحنا قفلنا الصفحة دي من زمان. السر الحقيقي إننا بقالنا تلات سنين بنتعلم جرافيك وبرمجة على اللابتوب اللي كنت فاكر إننا بنلعب عليه.”

أكملت نور الكلام وهي تمسك بيدي: “في الأول كنا بناخد شغل صغير جدًا على الإنترنت. تصميمات بسيطة، وبعدها مواقع، وبعدها مشاريع أكبر. كل فلوس كنا بنكسبها كنا بنحوشها. طنط هدى ساعدتنا نفتح حساب بنكي، وكل مرة كنت ترجع من شغلك تعبان كنا نبص لبعض ونقول لسه بدري… لسه لازم نصبر لحد ما نحقق حلمنا.”

لم أستطع الكلام. كنت أنظر إليهما فقط، وأنا أحاول استيعاب أن البنتين اللتين كرست حياتي كلها من أجلهما كانتا تخططان منذ سنوات لرد جزء صغير مما قدمته لهما.

ثم أخرجت هنا مفتاحًا صغيرًا مربوطًا بشريط أحمر، ووضعته في راحة يدي، وقالت بابتسامة اختلطت بالدموع: “إحنا اشترينا شقة جديدة. شقة مجهزة بالكامل، من غير سلالم، وكل حاجة فيها مناسبة لحركتنا. دفعنا مقدمها من تعبنا. والراجل اللي بره جاي ياخد الكراسي القديمة علشان يجددها ويتبرع بيها لناس محتاجاها. خلاص يا بابا… إحنا واقفين على رجلينا.”

لم أشعر بنفسي إلا وأنا أجلس على أقرب كرسي. أمسكت المفتاح بين أصابعي، وبدأت أتذكر كل ليلة سهرت فيها، وكل جنيه وفرته، وكل مرة أخفيت فيها دموعي حتى لا يروها. فجأة أدركت أن أي تضحية قدمتها لم تذهب هباءً. الحب الحقيقي لا يضيع أبدًا، بل يعود يومًا ما بصورة أجمل مما نتخيل.

رفعت رأسي ونظرت إليهما، فلم أعد أرى الطفلتين اللتين كنت أحملهما بين ذراعي، بل رأيت امرأتين قويتين صنعتا مستقبلهما بجهدهما، ولم تنسيا أبدًا من وقف إلى جوارهما حين تخلى الجميع عنهما. احتضنتهما بقوة، وبكيت كما لم أبكِ منذ سنوات طويلة. كانت دموع راحة، وامتنان، وفخر، وشعور بأن كل لحظة ألم عشتها تحولت في النهاية إلى أجمل مكافأة يمكن أن يحصل عليها أب.

في ذلك اليوم فهمت أن الأبوة ليست مجرد إنفاق أو مسؤولية، بل هي استثمار طويل في القلوب. قد تتعب سنوات، وقد تشعر أحيانًا أن أحدًا لا يرى ما تفعله، لكن الأطفال الذين تربوا على الحب الحقيقي لا ينسون أبدًا. ربما يتأخر رد الجميل، لكنه يأتي في اللحظة التي تكون فيها في أمس الحاجة إلى أن تعرف أن كل ما بذلته كان يستحق.

خرجنا بعد ذلك إلى الشقة الجديدة معًا. كنت أسير بين هنا ونور، وهما تمسكان بذراعي وكأن الأدوار قد تبدلت. طوال الطريق لم أفكر في المرأة التي رحلت، ولا في السنوات التي ضاعت، بل كنت أفكر في نعمة أكبر بكثير… أن الله لم يحرمني من رؤية ثمار الصبر وأنا ما زلت على قيد الحياة.

وفي المساء، جلست في شرفة المنزل الجديد، أنظر إلى المفتاح الذي ما زلت أحتفظ به في جيبي، وأبتسم. أدركت أن أعظم الهدايا ليست الذهب ولا المال ولا البيوت، وإنما أن يرى الإنسان أبناءه وقد أصبحوا أشخاصًا صالحين، يعرفون قيمة التضحية، ويحفظون الجميل، ويعيدون الحب أضعافًا لمن منحهم عمره كله دون انتظار مقابل.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان