حكاية شيرين والظل الذي لم يرحل

حكاية شيرين والظل الذي لم يرحل


حكاية شيرين والظل الذي لم يرحل

استيقظتُ تلك الليلة فزعة بطريقة لم أعهدها من قبل، كأن شيئًا انتزعني من النوم انتزاعًا دون رحمة. لم يكن كابوسًا عابرًا يمكن نسيانه بعد دقائق، بل إحساس ثقيل استقر فوق صدري وجعل الهواء نفسه يبدو صعب المرور إلى رئتي. فتحت عيني ببطء، والغرفة غارقة في ظلام هادئ، لكن قلبي كان يدق بعنف كأن خطرًا حقيقيًا يقف قريبًا مني. رفعت رأسي نحو باب الغرفة، وهناك رأيته… شخص واقف تمامًا عند المدخل، ثابت بلا حركة، لا أستطيع تمييز ملامحه، فقط ظل إنسان يراقبني في صمت مرعب.

تجمد صوتي في البداية، ثم خرج السؤال من فمي مرتجفًا: من أنت؟ ولماذا تقف هكذا؟ لم يرد، بل تحرك ببطء وأغلق باب الغرفة من الداخل. في تلك اللحظة انفجرت صرختي دون وعي، صرخة خرجت من أعماقي وكأنها استغاثة أخيرة. خلال ثوانٍ امتلأ البيت بالحركة، أمي اندفعت إلى الداخل وأضاءت النور، ولم يكن هناك أحد غيري جالسة فوق السرير أرتجف وأضم جسدي بذراعي كطفلة ضائعة. ارتميت في حضنها أبكي بحرقة، بينما وقف أبي مذهولًا يحاول فهم ما حدث، لكن حين أخبرتهما بما رأيت، تبادلا نظرة صامتة تحمل الشك أكثر مما تحمل الخوف.

مرت الدقائق، هدأ البيت، وعاد الجميع إلى غرفهم، لكن النوم لم يعد إليّ أبدًا. بقيت مستيقظة أراقب كل زاوية حولي، والأغرب أنني كنت أسمع صوت أنفاس قريبة جدًا، كأن أحدهم يجلس بجانبي رغم أن عيني لا ترى شيئًا. منذ تلك الليلة شعرت أن الأمر لم يكن وهمًا عابرًا، بل بداية شيء أكبر لا أفهمه. وفي الصباح، حين خرج أبي إلى عمله، قررت أخيرًا أن أفتح قلبي لأمي وأحكي لها كل ما أخفيته طوال الأسابيع الماضية.

وقفت في المطبخ مترددة، أفرك يدي بتوتر، بينما كانت أمي تعد الطعام كعادتها. التفتت إليّ وقالت مازحة إنني بالتأكيد ارتكبت مصيبة، لكنني كنت أبعد ما أكون عن المزاح. أخبرتها أن الأمور الغريبة بدأت قبل أسبوعين، منذ ليلة حلمت فيها بحادث سقوط، واستيقظت لأتعرض فعلًا للسقوط من السلم في نفس اليوم. ظننتها مصادفة، حتى بدأت الهمسات الليلية… صوت خافت بجانب سريري يطمئن عليّ باسمي، ولم يكن في الغرفة أحد.

تحدثتُ وأنا أستعيد الرعب الذي عشته؛ كيف تركت غرفتي ونمت في الصالة، وكيف استيقظت على إحساس بيد تربت فوق شعري برفق غريب، لا يؤذي لكنه يرعب. كنت أسمع أصوات حركة داخل غرفتي بينما أجلس عاجزة عن الاقتراب. حاولت إقناع نفسي بأنها أصوات حشرات أو هواء، لكن الشعور بالمراقبة لم يفارقني حتى خارج البيت. أثناء طريقي إلى المدرسة كنت ألتفت كثيرًا لأن إحساسًا قويًا يخبرني أن أحدهم يسير خلفي، ومع ذلك لم أرَ إنسانًا واحدًا.

الأيام التالية أصبحت أثقل. الظلال تتحرك دون أصحاب، نافذة تُفتح وحدها، رائحة عطر مألوفة تظهر فجأة، وهمسات باسمي قرب أذني تجعل جسدي يقشعر. لجأت للصلاة والقرآن محاولة الاحتماء بالإيمان، وكان ذلك يمنحني هدوءًا مؤقتًا فقط. أمي بدأت تشعر بالخوف الحقيقي حين رأت اضطرابي، وأخبرت أبي الذي قرر اصطحابي إلى صديق له معروف بالرقية الشرعية.

كان الرجل بسيط المظهر، هادئ النظرات، استمع لكل كلمة دون مقاطعة. سألني عن صلاتي وأذكاري، ثم قرأ القرآن ووضع يده فوق رأسي. لم يحدث شيء خارق كما توقعت، فقط شعرت براحة خفيفة كأن عبئًا انزاح قليلًا. أخبر أبي أن ما أعانيه قد يكون تأثيرًا روحيًا عابرًا يحتاج للالتزام بالذكر والهدوء، فعاد بنا إلى المنزل مطمئنًا نسبيًا، وبدأت أمي تشغل القرآن باستمرار في البيت.

مرت أربعة أشهر هادئة نسبيًا، ظننت خلالها أن كل شيء انتهى. عدت لمذاكرتي وحياتي الطبيعية، حتى تقدم أحد الجيران لخطبتي. جلست معه في وجود العائلة، وكان شابًا محترمًا، لكن فجأة سمعت الهمس ذاته قرب أذني: لن تكوني لأحد غيري. شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبي، وقفت مذعورة دون فهم، واندفعت إلى غرفتي أرتجف. هناك، وسط بكائي، أحسست بيد تربت على ظهري وصوت حزين يواسيني، كأنه يتألم لرؤيتي أبكي.

منذ تلك اللحظة عاد كل شيء أقوى مما كان. أصبحت أراه أحيانًا جالسًا في زاوية الغرفة، يدير ظهره ويبكي بصمت. فقدت شهيتي، وانهارت حالتي النفسية، حتى اضطر أبي لاستدعاء الشيخ إلى المنزل مرة أخرى. استمع هذه المرة بتركيز أكبر، ثم طلب مني أداء أذكار خاصة يوم الجمعة بنية صادقة للراحة والطمأنينة.

بعد تنفيذ ما قاله، غلبني النوم ورأيت حلمًا واضحًا بشكل غير معتاد. كنت أسير في مكان أخضر واسع، ورجل يرتدي بدلة بيضاء يقف أمامي. اقتربت منه ببطء حتى وضعت يدي فوق كتفه، لكنه قبل أن يستدير اختفى المشهد فجأة، واستيقظت على فوضى في البيت وصراخ أمي. اكتشف أبي محاولة إحدى القريبات الاستعانة بامرأة تدّعي العلاج بطرق خاطئة، فتدخل في اللحظة المناسبة وأنهى الأمر قبل أن يتفاقم.

أصبت بعدها بحمى شديدة وأيام من الإرهاق والهلوسة، وخلالها بدأت ذكريات قديمة تعود إلى ذهني؛ شاب كان يسير خلفي دائمًا بدراجته دون أن يؤذيني أو يتحدث معي. كان يكتفي بمرافقتي صامتًا حتى أصل إلى دروسي ثم يختفي. آخر مرة رأيته أشار إلى إصبعه حيث توضع خاتم الخطبة، وكأنه يريد قول شيء لم يكتمل أبدًا.

حين أخبرت أبي بذلك، بحث عنه حتى اكتشف الحقيقة الصادمة: الشاب توفي قبل شهور في حادث عمل، وكان ينوي التقدم لخطبتي بالفعل. جاءت والدته لزيارتنا، وأكدت أنه كان يتحدث عني كثيرًا ويحلم بالارتباط بي. كلماتها تركت أثرًا عميقًا في قلبي، وكأن قطع الأحجية بدأت تتجمع أخيرًا.

في تلك الليلة رأيته بوضوح لأول مرة، جالسًا أمامي بعينين مليئتين بالحزن، يهمس بأنه لم يقصد إيذائي أبدًا، وأن كل ما أراده هو الاطمئنان عليّ. اختفى مع دخول أبي الغرفة، وبعدها شرح الشيخ أن ما حدث ليس مسًا ولا سحرًا، بل تعلق روحي نادر ناتج عن مشاعر قوية لم تكتمل في الحياة.

قام بتحصين البيت وقرأ القرآن، ومع مرور الوقت اختفت الأصوات والظلال تدريجيًا. عاد السلام إلى حياتي، وإن بقي داخلي أثر التجربة لا يزول بسهولة. لاحقًا سافرت مع أبي لأداء العمرة، وهناك شعرت براحة لم أعرفها منذ سنوات، كأن صفحة كاملة من حياتي أُغلقت أخيرًا.

بعد عودتنا بأسابيع تقدم شاب آخر، وهذه المرة مرت الأمور بهدوء غير معتاد، وتمت خطبتي وسط فرحة العائلة. واليوم، وأنا أعد الأيام المتبقية لزفافي، أتذكر كل ما مررت به فأدرك أن بعض الأحداث مهما بدت غامضة تحمل في نهايتها رحمة خفية لا نراها إلا بعد أن تهدأ العاصفة.

تعلمت أن الخوف أحيانًا ليس عدوًا، بل رسالة تدفعنا للبحث عن الطمأنينة، وأن الإيمان والصبر قادران على إعادة الإنسان إلى توازنه مهما اشتدت الظلال حوله. وربما كانت تلك التجربة بكل ألمها مجرد طريق قادني لأفهم نفسي أكثر، وأدرك أن الحياة تمضي دائمًا نحو النور مهما طال الليل.

مرت الأيام التالية بهدوء لم أعتده، هدوء غريب جعلني في البداية غير قادرة على تصديقه. كنت أستيقظ أحيانًا في منتصف الليل فقط لأتأكد أن الغرفة خالية فعلًا، وأن الصمت المحيط بي حقيقي هذه المرة وليس مجرد استراحة مؤقتة قبل عودة الخوف. لم أعد أسمع الهمسات، ولم تتحرك الستائر وحدها، حتى تلك الرائحة التي كانت تظهر فجأة اختفت تمامًا، وكأن شيئًا كان يعيش معي ثم قرر الرحيل دون ضجيج. ومع ذلك، ظل داخلي شعور ناقص، إحساس بأن هناك كلمة أخيرة لم تُقل بعد.

بدأت أستعيد حياتي تدريجيًا، أخرج مع أمي، أزور قريباتي، وأتحدث مع خطيبي الذي كان يحاول دائمًا طمأنتي دون أن يسأل كثيرًا عن الماضي. كان يشعر أنني مررت بشيء صعب، لكنه احترم صمتي. في إحدى الليالي، وبينما كنت أرتب أغراضي القديمة استعدادًا للزواج، فتحت درج المكتب الذي لم ألمسه منذ شهور، فوجدت دفتري المدرسي القديم. سقطت منه ورقة مطوية لم أتذكر متى وضعتها هناك.

فتحتها بفضول، وكانت مجرد صفحة بيضاء تقريبًا، إلا من كلمات قليلة مكتوبة بخط غير واضح: “خلي بالك من نفسك دايمًا”. توقفت أنفاسي لحظة، لأنني لم أكتب تلك الجملة من قبل، ولم أسمح لأحد بلمس أشيائي الخاصة. ظللت أحدق فيها طويلًا، وشعرت بنفس الإحساس القديم يعود، لكن هذه المرة لم يكن خوفًا… بل حزن هادئ يشبه الوداع.

في تلك الليلة تحديدًا، حلمت به مرة أخرى، لكن الحلم كان مختلفًا. لم يكن المكان مظلمًا ولا غامضًا كما في السابق، بل طريق واسع مضاء بضوء دافئ يشبه شمس الغروب. كان يقف بعيدًا، يبتسم لأول مرة دون ألم، وعندما اقتربت لم أشعر بالخوف أو التوتر، فقط سلام عميق. لم يتحدث، لكنه رفع يده بإشارة وداع بسيطة، ثم استدار ومشى مبتعدًا حتى اختفى تدريجيًا وسط الضوء.

استيقظت وأنا أبكي، لكن دموعي لم تكن مرعبة كما اعتدت، بل خفيفة كأنها تخرج ما تبقى من ثقل داخلي. أدركت وقتها أن بعض الأرواح لا تأتي لتؤذينا، بل لتكمل شعورًا ناقصًا، ثم ترحل عندما تطمئن أن الطريق أصبح آمنًا. لأول مرة منذ شهور، دخلت غرفتي ليلًا وأطفأت النور دون أن أنظر خلفي.

اقترب موعد زفافي سريعًا، وامتلأ البيت بالحركة والتجهيزات والضحكات. أمي كانت تراقبني أحيانًا وكأنها تتأكد أنني عدت فعلًا كما كنت، بينما أبي أصبح أكثر هدوءًا بعدما رأى الابتسامة تستقر على وجهي من جديد. وفي ليلة الحنة، جلست وحدي دقائق أتنفس بعيدًا عن الزحام، وفجأة مر بخاطري صوت الدراجة القديمة التي كنت أسمعها في الشارع كل صباح.

ابتسمت دون سبب واضح، ورفعت رأسي نحو النافذة. لم يكن هناك أحد، فقط شارع هادئ وأنوار خافتة، لكنني شعرت بطمأنينة عميقة، كأن دعاءً صامتًا يحيطني. همست دون وعي: “شكرًا… اطمن، أنا بقيت بخير.” ولم يحدث شيء بعدها، لا صوت ولا ظل، فقط سكون مريح يشبه نهاية قصة طويلة.

في يوم الزفاف، وبينما كنت أستعد للخروج، وقفت لحظة أمام المرآة أتأمل نفسي. لم أرَ تلك الفتاة الخائفة التي كانت ترتجف من الظلام، بل إنسانة مرت بتجربة قاسية وخرجت منها أقوى. فهمت أخيرًا أن ما حدث لم يكن لعنة، بل رحلة جعلتني أقدّر الأمان الذي نعيشه دون أن نشعر به.

خرجت من الغرفة متجهة نحو بداية جديدة، تاركة خلفي كل الأسئلة التي لم تجد إجابة واضحة. وربما لن أعرف أبدًا الحقيقة الكاملة لما عشته، لكنني متأكدة من شيء واحد فقط… أن الرحمة قد تأتي أحيانًا في صورة غامضة، وأن بعض الوداع يحدث بصمت، دون كلمات، لكنه يترك القلب أخف مما كان.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان