يشهد العالم في الوقت الراهن ثورة علمية غير مسبوقة في مجال الهندسة الوراثية حيث تسعى الفرق البحثية في مختلف الجامعات العالمية الى ايجاد حلول جذرية للامراض التي كان يعتقد سابقا انها غير قابلة للعلاج ومن ابرز هذه التطورات ما حققه باحثون من جامعة مي اليابانية في دراسة علمية حديثة نشرت نتائجها في كبرى المجلات المرموقة وتدور هذه الدراسة حول استخدام تقنية التعديل الجيني المعروفة باسم تقنية كريسبار لاستهداف السبب الجذري لمتلازمة داون.
الية عمل تقنية كريسبار في استهداف الكروموسومات
تعتمد تقنية كريسبار في جوهرها على مقصات جينية دقيقة للغاية يمكن توجيهها لاستهداف تسلسلات محددة من الحمض النووي وقد قام الفريق الياباني بتطوير استراتيجية فريدة تهدف الى التعرف على الكروموسوم الزائد والعمل على ازالته من الخلية دون المساس بالنسخ الاصلية والسليمة.
وهذا التحدي كان يعتبر في السابق امرا شبه مستحيل نظرا لصعوبة التمييز بين الكروموسومات المتشابهة داخل الخلية الواحدة ولكن بفضل التقدم في هندسة البروتينات والادلة الجينية تمكن العلماء من احراز تقدم ملحوظ في هذا المسار التجريبي الذي تم تنفيذه داخل مختبرات متخصصة.
وباستخدام خلايا بشرية تم انماؤها وتجهيزها خصيصا لهذه المهمة العلمية الدقيقة حيث يعمل النظام الجيني على تحديد موقع الخلل ثم البدء في عملية التحييد او الحذف دون احداث اضرار جانبية في المادة الوراثية المحيطة بالهدف المرصود.
نتائج مذهلة في الخلايا البشرية المختبرية
اظهرت النتائج المعلنة من قبل جامعة مي ان الفريق البحثي نجح في ازالة الكروموسوم الزائد في نسبة تصل الى ثلاثين بالمئة من الخلايا التي خضعت للمعالجة الكيميائية والجينية.
وهذه النسبة تعتبر مرتفعة جدا بالنظر الى تعقيد العملية وحداثة التجربة كما اكد الباحثون ان النسختين السليمتين من الكروموسوم واحد وعشرين ظلتا تعملان بشكل طبيعي ودون اي تعديلات غير مرغوب فيها وهو ما يعزز الامال في امكانية تطوير هذه التقنية لتصبح اكثر دقة وفاعلية في المستقبل القريب.
حيث ان الهدف النهائي هو الوصول الى كفاءة اعلى تضمن التخلص من الخلل الوراثي بشكل كامل في كافة الخلايا المستهدفة مع تقليل المخاطر المرتبطة بالتحوير الجيني العشوائي الذي قد يحدث نتيجة الخطا في تحديد المواقع الجينية وهو ما يسمى في العرف العلمي بالاهداف الخارجة عن النطاق.
حدود التجربة العلمية والواقع السريري الحالي
رغم هذا النجاح المختبري الباهر فانه من الضروري توضيح ان هذه التجارب لم تخرج بعد من اطار البحث العلمي ولم يتم تطبيقها على اطفال او اجنة او مرضى يعانون من متلازمة داون في الواقع الحالي.
حيث ان الانتقال من بيئة المختبر الى التطبيق السريري يتطلب سنوات طويلة من الدراسة والتمحيص للتاكد من سلامة التقنية وعدم وجود اثار جانبية قد تؤدي الى مشاكل صحية اخرى ويشدد المجتمع العلمي على ضرورة الالتزام بالمعايير الاخلاقية الصارمة عند التعامل مع الجينوم البشري خاصة في المراحل المبكرة من الحياة.
ولذلك لا يوجد حتى الان علاج متاح في المستشفيات يعتمد على هذه النتائج وانما هي مجرد نافذة امل جديدة فتحها العلم امام الاجيال القادمة لدراسة مدى امكانية تحويل هذه النجاحات المختبرية الى واقع طبي ملموس يسهم في تقليل الاثار الصحية المرتبطة بزيادة عدد الكروموسومات.
مستقبل علاج الامراض الوراثية وتعديل الجينات
تثير تقنيات تعديل الكروموسومات نقاشات واسعة حول مستقبل الطب الوراثي ففي حال نجاح هذه الابحاث وتجاوزها للعقبات التقنية والامنية فانها قد تغير تماما مفهوم العلاج الطبي حيث لن يقتصر الامر على ادارة الاعراض او تقديم الدعم والتاهيل بل سيمتد الى تصحيح الاخطاء الجينية من جذورها.
وهذا التوجه قد يفتح الباب لعلاج امراض وراثية اخرى ناتجة عن خلل في عدد الكروموسومات او تركيبها مما يقلل من معاناة الاسر ويحسن جودة حياة الافراد المصابين بشكل كبير ولكن يبقى السؤال المطروح حول مدى استعداد المجتمعات والمنظمات الصحية لاعتماد مثل هذه الحلول الثورية.
وما هي الحدود الفاصلة بين العلاج الطبي والتحسين الجيني الذي يثير مخاوف انسانية وفلسفية عميقة حول جوهر الطبيعة البشرية والعدالة في الحصول على مثل هذه التقنيات المكلفة والمعقدة.
التحديات التقنية والاخلاقية امام العلماء
يواجه العلماء تحديات كبيرة تتعلق بكيفية ايصال ادوات التعديل الجيني الى كافة خلايا الجسم البشري بشكل امن وفعال حيث ان التجارب الحالية تجرى في بيئة محكومة تماما داخل المختبر.
بينما يختلف الامر كليا داخل جسم الكائن الحي الذي يحتوي على تريليونات الخلايا المتنوعة كما ان هناك مخاوف من حدوث طفرات غير مقصودة قد تؤدي الى الاصابة بامراض سرطانية او تشوهات جينية جديدة ولذلك فان الابحاث مستمرة لدراسة الدقة والسلامة قبل الانتقال الى اي مراحل متقدمة تشمل الكائنات الحية الاكبر.
او التجارب البشرية المباشرة ان التفوق الياباني في هذا المجال يعكس الرغبة العالمية في ترويض الشفرة الوراثية لخدمة البشرية ولكن بحذر شديد يضمن عدم المساس بالتوازن الطبيعي للجينات البشرية التي تطورت عبر ملايين السنين.
الامل في عصر الطب الجزيئي الجديد
في الختام يبقى ما حققه الباحثون في جامعة مي اليابانية انجازا علميا يسجل في تاريخ الطب الحديث كونه يثبت امكانية التعامل مع النسخة الكروموسومية الزائدة التي كانت تعد قدرا لا يمكن تغييره وستستمر المختبرات حول العالم في مراقبة هذه النتائج وتطويرها للوصول الى اعلى درجات الدقة والامان مع مراعاة كافة الجوانب الانسانية والطبية المرتبطة بهذا النوع من التدخلات الحساسة.
ان الطريق لا يزال طويلا امام تحويل هذه الابحاث الى واقع ملموس ولكن الخطوة الاولى قد بدات بالفعل وهي تبشر بعصر جديد قد تختفي فيه الكثير من المعضلات الوراثية بفضل تكنولوجيا كريسبار وتطور العقل البشري في فك شفرات الحياة المعقدة والوصول الى حلول لم تكن تخطر على بال العلماء في السابق.
لمشاهدة الفيديو كاملا”اضغط هنا“