أمي ظلت تطبخ لرجل مشرد خلف بيتنا عشرين عامًا.. وبعد جنازتها بيوم واحد اكتشفت السر الذي أخفته عني طوال حياتها

أمي ظلت تطبخ لرجل مشرد خلف بيتنا عشرين عامًا.. وبعد جنازتها بيوم واحد اكتشفت السر الذي أخفته عني طوال حياتها


أمي ظلت تطبخ لرجل مشرد خلف بيتنا عشرين عامًا.. وبعد جنازتها بيوم واحد اكتشفت السر الذي أخفته عني طوال حياتها

هناك أشياء نظل مقتنعين بها سنوات طويلة، ثم تأتي لحظة واحدة فقط تقلب كل ما عرفناه رأسًا على عقب. لحظة واحدة تجعلنا نعيد النظر في ذكريات الطفولة، وفي الكلمات التي سمعناها مئات المرات، وفي الأشخاص الذين اعتقدنا أننا فهمناهم جيدًا. بالنسبة لي، كانت تلك اللحظة في صباح بارد، بعد يوم واحد فقط من دفن أمي. كنت أظن أن أصعب ما سأمر به هو فقدانها، لكنني لم أكن أعرف أن رحيلها لم يكن نهاية الحكاية، بل كان بداية سر ظل مدفونًا أكثر من عشرين سنة، سر جعلني أكتشف أن المرأة التي ربتني وعاشت عمرها كله في صمت كانت تحمل فوق كتفيها قصة أكبر بكثير مما تخيلت يومًا.

اسمي سامح، وعمري الآن أربعة وثلاثون عامًا. عندما أنظر إلى طفولتي لا أتذكر الألعاب ولا الرحلات ولا المناسبات السعيدة مثل أغلب الناس، بل أتذكر الفقر. أتذكر الشتاءات الطويلة التي كنا نجلس فيها ملتفين حول بطانية واحدة لأن الكهرباء كانت تنقطع أحيانًا ولا نملك ثمن إصلاح بعض الأشياء المعطلة في البيت. أتذكر الحذاء الذي ظللت أرتديه ثلاث سنوات متتالية، وكانت أمي تضع عليه قطعًا من اللاصق كلما انفتح من جانب جديد. أتذكر الثلاجة التي كانت تظل شبه فارغة معظم الوقت، والديون الصغيرة التي كانت أمي تحاول إخفاءها عني وكأنها تخجل منها. لكن وسط كل هذه الذكريات، هناك صورة أخرى لا تغيب أبدًا: صورة رجل مشرد يعيش خلف بيتنا في عشة خشبية صغيرة، وأمي تصر على إطعامه كل يوم مهما كانت ظروفنا.

كان اسمه فيكتور. على الأقل هذا ما كانت أمي تناديه به. لم أكن أعرف من أين جاء، ولا لماذا اختار أن يعيش في تلك العشة المتهالكة خلف المنزل. كل ما أعرفه أن وجوده كان يثير غضبي منذ طفولتي. كل يوم تقريبًا، كانت أمي تعد ثلاث وجبات. وجبتها ووجبتي ووجبة أخرى منفصلة تضعها في علبة طعام قديمة وتحملها بنفسها إلى فيكتور. لم يكن الأمر يحدث أحيانًا أو في المناسبات فقط، بل كان يحدث يوميًا، كأنه قانون مقدس لا يمكن كسره.

كنت أراقبها وهي تضع له الطعام بينما أحاول أن أخفي جوعي أحيانًا. كنت أرى آخر قطعة لحم في البيت تذهب إلى تلك العلبة المعدنية، بينما تكتفي هي بطبق من العدس أو الخبز الجاف. ومع مرور السنوات بدأ داخلي شعور بالمرارة. لم أكن أكره فيكتور لأنه فقير أو لأنه بلا مأوى، فنحن أنفسنا لم نكن بعيدين عن ذلك كثيرًا. كنت أكرهه لأنني كنت أشعر أن أمي تفضله علينا. كنت طفلًا، ولم أفهم وقتها معنى الرحمة ولا معنى الوفاء، كل ما كنت أفهمه أنني أريد أمي لنفسي، وأريد أن أراها تهتم بي كما تهتم به.

وفي أحد الأيام، عندما كنت في السادسة عشرة تقريبًا، انفجرت أخيرًا. كنا نجلس على المائدة المتواضعة، وكانت أمي تجهز علبة الطعام المعتادة. لم أتمالك نفسي وقلت بعصبية: “يمكن لو بطلتي تأكلي الغربا كل يوم، مكانش حالنا هيبقى بالشكل ده.” لم أكن أتوقع رد فعلها. لأول مرة رأيتها تغضب بتلك الطريقة. وقفت فجأة، وارتفع صوتها حتى شعرت أن الجدران نفسها ارتجفت. أشارت بإصبعها نحوي وقالت: “إياك… إياك تقول الكلمة دي تاني طول ما أنا عايشة. الراجل ده ليه عندنا حق، ومش هسمح لحد يتكلم عنه بالشكل ده.” وقتها صمت، لكن الغضب لم يختفِ من داخلي. بل على العكس، ازداد لأنني لم أفهم ماذا تقصد بقولها إن له حقًا عندنا.

مرت السنوات بعدها. كبرت أنا، وخرجت للعمل، ثم انتقلت إلى مدينة أخرى. أصبحت أزور أمي كل فترة، وكانت علاقتنا أفضل مما كانت عليه في فترة المراهقة. ربما لأنني تعلمت ألا أسأل كثيرًا. كنت أرى فيكتور من حين لآخر، بنفس ملابسه القديمة تقريبًا، ونفس العشة الخشبية خلف البيت. الزمن كان يترك أثره على الجميع. شعر أمي أصبح أكثر بياضًا، وظهري أنا أصبح أكثر انحناء من كثرة العمل، وحتى فيكتور بدا كأنه يذوب ببطء مع مرور الأيام. لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: وجبة الغداء اليومية التي كانت أمي تحملها إليه بنفسها.

ثم جاء المرض. جاء فجأة كضيف ثقيل قرر ألا يغادر. في البداية كان مجرد إرهاق مستمر، ثم فحوصات، ثم كلمات طبية معقدة، ثم ذلك الاسم الذي يخشاه الجميع. السرطان. لم أنسَ وجه الطبيب وهو يخبرنا بالتشخيص، ولم أنسَ نظرة أمي الهادئة على نحو غريب. كأنها كانت تعرف منذ البداية أن المعركة صعبة. خلال الشهور التالية بدأت تضعف تدريجيًا. المرأة التي كانت تتحرك طوال اليوم أصبحت بالكاد تستطيع الوقوف. وجهها صار أكثر نحولًا، وصوتها صار أخف من السابق، لكن حتى في تلك الأيام الصعبة كانت تصر على إعداد وجبة فيكتور.

كنت أقول لها: “سيبيني أعملها أنا.” فتبتسم وتقول: “لا… دي مسؤوليتي.” لم أفهم لماذا كانت تعتبر الأمر بهذه الأهمية. كنت أظن أنه مجرد تعاطف زائد أو عادة قديمة اعتادت عليها. لم يخطر ببالي أبدًا أن وراء الأمر سرًا أكبر بكثير من كل توقعاتي.

قبل وفاتها بأسبوعين تقريبًا، كنت أجلس بجوار سريرها في المستشفى. كانت أضعف مما رأيتها في حياتي كلها. يدها أصبحت خفيفة جدًا حين أمسكت يدي. نظرت إليّ طويلًا ثم قالت بصوت بالكاد يُسمع: “عاوزة منك وعد.” قلت فورًا: “أي حاجة يا أمي.” ضغطت على أصابعي وقالت: “بعد ما أمشي… متنساش فيكتور. أوعدني إنك تفضل تأكله.” شعرت بغصة في حلقي. كان داخلي جزء يريد أن يرفض. جزء يريد أن يصرخ ويسألها لماذا ما زالت تفكر فيه حتى الآن. لكنني نظرت إلى عينيها ورأيت فيهما رجاءً لم أستطع مقاومته. فهززت رأسي وقلت: “أوعدك.”

بعد أسبوعين رحلت أمي. ورحل معها آخر شخص كان يجعل البيت بيتًا حقيقيًا. يوم الجنازة مر كأنه حلم ثقيل. الناس جاءت وعزّت وانصرفت. الأصوات هدأت. وبقيت أنا وحدي في المنزل الذي صار فجأة فارغًا بشكل مخيف. في تلك الليلة لم أنم. كنت أمشي بين الغرف وألمس الأشياء التي كانت تخصها، وكأنني أحاول إقناع نفسي أنها ما زالت موجودة.

وفي صباح اليوم التالي تذكرت وعدي. دخلت المطبخ، وحاولت أن أعد أفضل وجبة أستطيع إعدادها. لم أكن طباخًا ماهرًا مثلها، لكنني بذلت جهدي. وضعت الطعام في علبة نظيفة، ثم قادتني قدماي تلقائيًا إلى العشة خلف البيت. كنت أظن أنني سأجد فيكتور جالسًا في مكانه المعتاد. لكن عندما وصلت، توقفت في مكاني تمامًا.

العشة كانت فارغة.

ولم تكن تلك هي المفاجأة الوحيدة. بجوار المكان كانت تقف سيارة سوداء فاخرة لم أرَ مثلها في حياتي إلا في الإعلانات أو أمام الفنادق الكبرى. سيارة رباعية الدفع، تلمع تحت ضوء الصباح وكأنها خرجت للتو من المعرض. بجانبها وقف رجل أنيق يرتدي معطفًا باهظ الثمن. شعره مرتب بعناية، وذقنه محلوقة بالكامل، وحذاؤه يلمع بطريقة جعلتني أشك للحظة أنني أخطأت المكان.

لكن الشيء الذي جعل الدم يتجمد في عروقي لم يكن السيارة ولا الملابس.

كان الشيء الذي يحمله في يده.

كانت دلاية أمي الفضية القديمة.

الدلاية نفسها التي ظلت تقول لي سنوات إنها فقدتها عندما كنت طفلًا. الدلاية التي بحثت عنها في كل مكان ولم نعثر عليها أبدًا.

الرجل رفع عينيه نحوي. كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.

وقال بصوت مبحوح:

“كنت فاكر إنك مش هتيجي.”

شعرت أن الأرض تهتز تحت قدمي.

حدقت فيه طويلًا ثم خرج الاسم من فمي بصعوبة:

“فيكتور؟”

ابتسم ابتسامة متعبة.

وقال بهدوء:

“أيوه يا سامح… أنا فيكتور.”

لم أستطع استيعاب ما أراه. الرجل الذي عشته عمري كله أظنه مشردًا يقف الآن أمامي كأنه رجل أعمال كبير. السيارة خلفه، والملابس الفاخرة عليه، والدلاية القديمة في يده.

رفعت علبة الطعام بين يدي وقلت بصوت مرتجف:

“أنا جبتلك الغدا… بس فهمني… إيه اللي بيحصل؟”

نظر إليّ نظرة طويلة.

ثم قال الجملة التي غيّرت حياتي كلها:

“أمك خبت عنك حاجة طول السنين دي… وقبل ما تموت ترجتني إني أسكت.”

في تلك اللحظة شعرت أن قلبي

فيكتور أخد نفسًا طويلًا جدًا، كأن الجملة اللي هيقولها كانت محبوسة جواه عشرين سنة كاملة ومستنية اللحظة دي علشان تخرج. بص للدلاية اللي في إيده، ومرر صوابعه عليها بحنان غريب، وبعدها رفع عينه ناحيتي وقال: “أبوك مات بسببي.” الكلمة نزلت عليّ زي صاعقة. حسيت إن الدنيا كلها سكتت للحظة. حتى صوت العربيات البعيد اختفى. فضلت واقف أبص له وأنا مستني يقول إنه بيهزر أو إنه أخطأ في الكلام، لكنه مكملش غير بعد ثواني طويلة. قال بصوت مكسور: “وأمك شالت الحمل كله لوحدها عشان تحميك من الحقيقة دي.”

رجليا بقت تقيلة. قعدت على أول كرسي خشب قدامي وأنا حاسس إن الهوا نفسه بقى صعب يدخل صدري. طول عمري كنت فاكر إن أبويا مات في حادث شغل عادي زي ما أمي كانت بتحكي. كنت فاكر إن القدر خطفه وخلاص. لكن فجأة الراجل اللي كنت بكرهه سنين بيقول إنه السبب الحقيقي في موته. قلت وأنا بالكاد قادر أتكلم: “إنت بتقول إيه؟” فيكتور غمض عينه لحظة وبعدين قال: “تعالى نقعد. الحكاية أطول من عشرين سنة، ولازم تسمعها كلها.”

ركبنا العربية السودا، وكانت أول مرة أقعد في عربية بالشكل ده. المفروض كنت أستغرب أو أسأل عن الفلوس أو عن حياته الحقيقية، لكن عقلي كان مشغول بحاجة واحدة بس. وصلنا لمطعم هادي على أطراف المدينة. مكان راقي جدًا، من النوع اللي عمري ما دخلته قبل كده. قعدنا في ركن بعيد، ولأول مرة شفت فيكتور من غير هدومه القديمة ولا شعره المبعثر. كان واضح إنه راجل مهم فعلًا، لكن التعب اللي في عينيه كان أقدم من أي ثروة.

قال وهو بيبص من الشباك: “من خمسة وعشرين سنة كنت صاحب شركة كبيرة. كنت صغير ومتهور، وداخل في شراكات غلط مع ناس أخطر مما كنت متخيل. الفلوس كانت بتكبر بسرعة، وأنا كنت فاكر نفسي أذكى من الدنيا كلها. أبوك كان صاحبي. مش مجرد صديق، كان أخويا. الراجل الوحيد اللي كان بيحاول يرجعني للطريق الصح. كان دايمًا يقولي إن النهاية مش هتبقى كويسة لو فضلت ماشي بالشكل ده.” سكت لحظة، وبعدين ابتسم ابتسامة حزينة وقال: “وطلع عنده حق.”

بدأ يحكي عن الليلة اللي مات فيها أبويا. كانت صفقة كبيرة اتقلبت لمشكلة ضخمة. ناس خطر قرروا يخلصوا من فيكتور. أبويا عرف بالمشكلة قبلها بساعات، وراح يقابله علشان يحذره. لكن الأمور خرجت عن السيطرة. حصل إطلاق نار. وفي اللحظة اللي كانت الرصاصة متجهة فيها ناحية فيكتور، أبويا اندفع قدامه بشكل غريزي. الرصاصة أصابته هو. وقع بين إيدين صاحبه، والدم بينزف منه بسرعة. قال فيكتور وصوته بيتهز: “آخر حاجة قالها لي كانت اهتم بمراتي وابني.”

وقتها مقدرتش أتكلم. حسيت إن صور أبويا اللي كنت محتفظ بيها في خيالي بدأت تتغير. لأول مرة تخيلته بوضوح. راجل شجاع، ضحى بنفسه علشان ينقذ حد تاني. وفي نفس الوقت، لأول مرة شفت فيكتور بشكل مختلف. مش مجرد مشرد أو راجل غامض، لكن إنسان عايش تحت جبل من الذنب.

قال وهو ماسك كوب المية بإيده المرتعشة: “بعد الجنازة عرضت على أمك تاخد كل حاجة. فلوس، بيت، شركة، أي حاجة. لكنها رفضت. كانت موجوعة جدًا. كانت شايفة إن مفيش فلوس في الدنيا ممكن ترجع جوزها. لكنها في نفس الوقت كانت عارفة إني ندمان بصدق. وبعد شهور طويلة من الكلام والدموع، اتفقنا على حاجة غريبة. كتبت البيت باسمها بالكامل. وبعت أغلب ممتلكاتي. وسيبت كل حياتي القديمة.”

بصيت له بعدم فهم وقلت: “بس ليه كنت عايش في عشة؟” ابتسم وقال: “عقاب. يمكن الناس متصدقش، لكن فيه ذنوب الإنسان بيحكم على نفسه فيها قبل أي حد. كنت كل يوم أصحى وأفتكر صاحبي وهو بيموت قدامي. كل يوم. عشرين سنة كاملة. مقدرتش أعيش حياة طبيعية بعدها. فضلت قريب منكم عشان أوفي بوعدي لأبوك، وفي نفس الوقت أعاقب نفسي.”

هنا افتكرت كل مرة كنت أشوفه فيها قاعد لوحده في البرد. كل مرة كنت أعدي من جنبه وأتجاهله أو أبصله باحتقار. افتكرت كلامي الجارح عنه وأنا صغير. افتكرت غضبي لما أمي كانت تبعت له الأكل. حسيت بخجل رهيب. كأن كل الذكريات رجعت تضربني واحدة واحدة.

فيكتور فتح محفظته وأخرج صورة قديمة. كانت صورة لأبويا وهو واقف جنبه وبيضحك. أول مرة أشوف الصورة دي. أول مرة أشوف أبويا شاب بالشكل ده. مسكت الصورة بإيدي، وفجأة حسيت إني طفل صغير تاني. طفل مشتاق يعرف أي حاجة عن أبوه. قعدت أبص للصورة لدرجة إن دموعي نزلت من غير ما أحس.

قال فيكتور بهدوء: “أمك كانت عظيمة يا سامح. أكتر مما تتخيل. كانت تقدر تكرهني طول عمرها. وكان من حقها. لكنها اختارت طريق أصعب. اختارت التسامح.” بعدها مد إيده بالدلاية الفضية وحطها قدامي. “عارف الدلاية دي؟” هززت راسي. قال: “دي كانت هدية من أبوك لأمك يوم جوازهم. بعد ما مات، فضلت محتفظة بيها سنين. وقبل وفاتها بأسبوع سلمتهالي وقالت لي لما ييجي الوقت المناسب اديهاله.”

فتحت الدلاية بإيدي المرتجفة. ولقيت جواها صورة صغيرة جدًا. صورة لأبويا وأمي. وخلف الصورة ورقة مطوية بعناية. طلعتها ببطء. كانت رسالة مكتوبة بخط أمي. الرسالة كانت قصيرة، لكنها غيرت كل حاجة جوايا. كتبت فيها: “لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا مشيت. عاوزاك تعرف إني عمري ما ندمت على أي يوم عشته. وعاوزاك تعرف إن فيكتور دفع تمن غلطته أكتر من أي إنسان ممكن يدفعه. لو كنت بتحبني فعلًا، سامحه. زي ما أنا سامحته.”

قعدت أبكي وقتها بشكل ما حصلش من يوم وفاة أمي. مش بس عليها، لكن على كل السنين اللي ضاعت وأنا شايل كراهية لشخص ما كنتش فاهم قصته. وعلى كل مرة ظلمته فيها في عقلي قبل ما أعرف الحقيقة. فيكتور سابني أبكي من غير ما يقاطعني. كان واضح إنه هو كمان مستني اللحظة دي من سنين طويلة.

بعد شوية قال: “لسه فيه حاجة تانية.” فتح ملف كبير كان معاه في العربية، وحطه قدامي. لقيت أوراق عقارات، وحسابات بنكية، ومستندات شركات. قلت باستغراب: “إيه ده؟” قال: “دي أملاك أبوك.” ضحكت بمرارة وقلت: “أبويا كان موظف بسيط.” هز راسه وقال: “كان. لكن بعد موته أنا حولت جزء كبير من ثروتي باسمه وباسم أمك. كنت مستني اليوم اللي أقدر أسلمك فيه كل حاجة.”

رفضت في البداية. حسيت إن الموضوع أكبر مني. لكن فيكتور قال: “دي مش صدقة. ولا تعويض. دي أمانة. أمانة كنت محافظ عليها لحد ما تكبر وتعرف الحقيقة.” وبعد ساعات طويلة من الكلام، بدأت أفهم إن الراجل ده فعلًا قضى عمره كله مستني اللحظة دي. مستني يفي بوعد قطعه لصاحبه الميت.

وأنا راجع البيت في آخر اليوم، وقفت قدام قبر أمي. لأول مرة حسيت إني فاهم جزءًا من قلبها كان مستحيل أفهمه وأنا صغير. فهمت ليه كانت تغضب لما أتكلم عن فيكتور بسوء. فهمت ليه كانت تبعت له الأكل كل يوم مهما كانت محتاجة. فهمت ليه كانت تصر إنه “له حق عندنا”. لأنها كانت شايفة إن الإنسان مش بيتقاس بأخطائه فقط، لكن كمان بقدرته على الندم والتكفير عنها.

من يومها، حياتي اتغيرت. مش بسبب الفلوس ولا الأملاك. لكن بسبب الحقيقة. الحقيقة اللي خلتني أبص للدنيا بشكل مختلف. بقيت أفكر قبل ما أحكم على أي حد. بقيت أسأل نفسي كل مرة أشوف شخصًا غريبًا أو فقيرًا أو منعزلًا: يا ترى إيه الحكاية اللي وراه؟ يا ترى إيه الوجع اللي محدش يعرفه؟

أما فيكتور، فمبقاش الراجل المشرد اللي عايش ورا البيت. لكنه برضه مابقاش مجرد رجل أعمال غني. بالنسبة لي بقى آخر خيط بيربطني بأبويا. بقينا نقعد ساعات نحكي. يحكيلي عن أبويا وهو شاب، وعن مغامراتهم وضحكهم وخلافاتهم. وكل مرة كنت أسمع حكاية جديدة، كنت أحس إني بسترجع جزءًا ضاع من عمري.

وفي يوم، بعد شهور من وفاة أمي، قعدنا إحنا الاتنين قدام البيت وقت الغروب. المكان نفسه اللي كنت أشوفه فيه زمان ماسك علبة الأكل. بصلي وقال: “أمك كانت أعظم إنسانة عرفتها.” ابتسمت وقلت: “أنا عرفت ده متأخر.” ضحك وقال: “وأنا كمان.”

بصيت للسماء وقتها، وحسيت لأول مرة من يوم جنازتها إن قلبي أخف. يمكن الحزن عمره ما بيروح بالكامل، لكن الحقيقة بتساعدنا نفهمه. وأمي، حتى بعد ما رحلت، قدرت تعلمني آخر درس في حياتها. إن الرحمة أحيانًا بتكون أقوى من الغضب. وإن التسامح محتاج شجاعة أكبر بكتير من الانتقام. وإن الإنسان ممكن يعيش عمره كله شايل سرًا مؤلمًا، مش لأنه ضعيف، لكن لأنه بيحاول يحمي اللي بيحبهم.

وفي كل مرة أفتكر علبة الأكل اللي كنت مستكثرها على فيكتور، أحس بغصة في صدري. وأفتكر صوت أمي وهي بتقول: “إياك تتجرأ وتقول كده تاني.” وأفهم أخيرًا إنها ما كانتش بتدافع عن مشرد غريب. كانت بتحافظ على وعد قديم، وعلى رجل كرس عمره كله عشان يكفر عن لحظة واحدة غيرت م

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان