وأنا بغسل الميّت، عمري ما كنت بتعامل مع الجسد على إنه مجرد جسد. كنت دايمًا شايفه رسالة صامتة، حاجة ربنا سايبها لنا علشان نفتكر، مش علشان نخاف. الغُسل في حد ذاته مش طقس مخيف، هو أقرب لحظة صدق بين الإنسان والحقيقة اللي كلنا بنهرب منها طول عمرنا.
بس في اليوم ده، في اللحظة دي تحديدًا، حصل شيء ما قدرتش أعدّيه كده.
لفت نظري رقبته.
مش من أول لمسة، ولا من أول نظرة. الموضوع ما كانش فجائي. كان إحساس بيكبر واحدة واحدة. وأنا شغال، وعيني بتمشي على الجسد بحذر واحترام، حسّيت إن في حاجة مش راكبة، حاجة خارجة عن الطبيعي، من غير ما تكون صادمة.
رقبته كانت أطول من الطبيعي.
مش طول يخوّف، ولا طول يخليك تصرخ أو تبعد. طول غريب، ساكت، يلفت النظر من غير ما يطلب اهتمام. وقفت ثانية، حسّيت بقشعريرة خفيفة في ضهري. مش خوف، قد ما هو إحساس إن في سر مستخبي ورا الشكل ده.
سكت.
الغُسل عبادة. مش وقت استغراب ولا كلام. الإنسان وهو بيغسل ميت لازم يسكت، لازم يشيل عقله شوية، ويسيب قلبه يؤدي الأمانة. أنا كنت فاهم ده كويس.
كملت.
لكن عيني، من غير ما أخد بالي، كانت بترجع لنفس المكان. وكل مرة أحرّك جسده علشان أكمل الغُسل، كنت أحس إن رقبته بتطول أكتر. مش فجأة، لا. تمدد بطيء، زي حاجة بتتحرك مع الزمن، مش مع إيدي.
حاولت أفسر اللي بشوفه تفسير منطقي. قلت يمكن زاوية نظر، يمكن شدّ في العضلات بعد الوفاة، يمكن وهم ناتج عن الإضاءة. أي تفسير يخليني أكمل من غير ما قلبي يتقل.
بس الإحساس ما كانش بيروح.
أنا ما كنتش أعرف عن الراجل ده أي حاجة. لا اسمه، ولا شغله، ولا قصته، ولا حتى شكله وهو عايش. كل اللي كنت أعرفه إنه والد إمام مسجد. وده في حد ذاته خلاني أتعامل معاه بمهابة أكتر، مش أقل.
القصة، في الحقيقة، ما بدأتش عند الغُسل.
بدأت قبلها بساعات.
اتصال جالي في وقت متأخر من الليل. رقم غريب. الصوت اللي كلمني كان مكسور، متعب، كأنه شايل حمل أكبر من سنه. قال لي بهدوء موجوع إن والده انتقل إلى رحمة الله، وإنه محتاجني أجي أغسله.
سألته تلقائي: إزاي؟ إنت إمام مسجد، ليه ما تغسلوش إنت؟
سكت.
السكتة كانت قصيرة، بس تقيلة. وبعدها قال برجاء واضح، من غير لف ولا تبرير: أرجوك يا شيخ، تعالى.
وافقت من غير تفكير. الغُسل مش خدمة، ده واجب.
طلعت من البيت وأنا فاكر إن اللي رايح له مجرد مهمة عادية، زي عشرات المرات اللي قبلها. ما كانش في أي إحساس إن اللي جاي مختلف.
وصلنا لمنطقة ضيقة. شوارع قديمة، بيوت لازقة في بعضها، طرق ما تعرفش الشمس بتدخلها إمتى. وقفنا العربية وكملنا مشي. وكل خطوة كنت أحس إن المكان له ثقل. مش رعب، ولا خوف، بس إحساس إن الجدران دي شايفة أكتر ما بتتكلم.
وصلنا بيت بسيط. باب خشب قديم، ومقبض متآكل من كتر الاستخدام. دخلنا. سألت الابن: والدك فين؟ في البيت ولا المستشفى؟
قال: فوق يا شيخ، في ملحق الدور التاني.
طلعنا سُلّم، وبعده سُلّم تاني، لحد ما وصلنا. المكان كان ضيق، بس نضيف. فيه نور كفاية، وتكييف شغال. حسّيت كأن ربنا مهيّئ المكان بنفسه.
بدأنا الغُسل. سترنا الجسد. نوينا. وكل شيء كان طبيعي… لحد ما ظهرت الرقبة.
وقفت لحظة. مش خوف. استغراب صافي. رقبته أطول من الطبيعي. ومع كل حركة، تطول أكتر.
كملت الغُسل وأنا ساكت. ما نطقتش. بس السؤال جوايا كان بيكبر.
بعد ما خلصنا وكفّناه، سمعت الابن بيكلم إخواته. كان بيقول لهم يلفوا على أكتر من مسجد، ويبلغوا إن الصلاة هتكون في المسجد الكبير اللي على الشارع العام.
استغربت وسألته ليه ما تصلوش عليه في أي مسجد قريب.
تنهد. بص في الأرض. وقال بصوت واطي: حضرتك ما تعرفش يا شيخ… أبويا كان مؤذن زمان.
قلت له: طيب، ده شيء يشرفه.
هز راسه بحزن وقال: كان مؤذن… بس مش لله.
وحكى.
قال إن أبوه كان صوته جميل، والناس كانت بتيجي تسمع الأذان مخصوص. ومع الوقت، بدأ يستمتع بصوته أكتر ما يستحضر معنى النداء. كان يمد الأذان، يغيّر المقامات، يطوّل علشان الناس تقول الله.
وكل ما ينصحوه، يقول: أنا برفع صوتي لربنا، مش ليكم.
بس الحقيقة، زي ما قال ابنه، إنه كان بيرفع رقبته قبل صوته.
في آخر سنينه اتشال من الأذان. الشيخ قال له الأذان عبادة مش استعراض. زعل، وقاطع المسجد، ومات وهو زعلان.
قال في الآخر جملة فضلت ترن في وداني: يمكن ربنا أراد يعلمنا إن اللي يرفع نفسه فوق مقام العبادة، ربنا يسيبه مفضوح حتى بعد موته.
ساعتها فهمت.
الرقبة اللي شفتها ما كانتش رعب. كانت درس. رسالة صامتة. إن التكبر في العبادة أخطر من الذنب. وإن اللي يدخل العبادة بنفسه، بيطلع منها فاضي.
نزلنا الجنازة. اتصلوا عليه في مسجد كبير. بس المرة دي ما كانش في صوت، ولا مقام، ولا إعجاب. كان في صمت وصلاة.
ومن يومها، وأنا بغسل أي ميت، أفتكر إن أقرب طريق للقبول هو التواضع. وإن العبادة اللي يدخلها الأنا، بتخرج منها الرحمة.