بريطانيا تعيد رسم خريطة الاستقرار| مسار الجنسية يتضاعف وقد يصل إلى 20 عامًا للاجئين

بريطانيا تعيد رسم خريطة الاستقرار| مسار الجنسية يتضاعف وقد يصل إلى 20 عامًا للاجئين


تستعد الحكومة البريطانية لتطبيق واحدة من أوسع حزم إصلاح قوانين الهجرة والاستقرار الدائم منذ عقود، وذلك بعدما نشرت وزارة الداخلية البريطانية في العشرين من نوفمبر 2025 وثيقة سياسية تفصيلية تحت مسمى «نموذج الاستقرار المكتسب»، تقترح فيها مضاعفة المدة القياسية المطلوبة للحصول على الإقامة الدائمة، المعروفة رسميًا بـ«الإذن غير المحدود بالبقاء»، من خمس سنوات حاليًا إلى عشر سنوات كحد أدنى قياسي لمعظم فئات المهاجرين، مع تطبيق مدد أطول تصل إلى 20 عامًا لبعض الفئات المحددة.

القاعدة الجديدة للمهاجرين

بحسب الوثيقة الرسمية الصادرة عن الحكومة، ستصبح المدة القياسية الأساسية المطلوبة للتأهل للحصول على «الإذن غير المحدود بالبقاء» عشر سنوات إقامة متواصلة بدلًا من خمس سنوات المعمول بها حاليًا، وذلك لمعظم فئات المهاجرين القادمين عبر مسارات العمل والدراسة والأسرة.

اقرأ أيضًا.. فيديو أحمد السعدني الأخير: هل هي مطاردة مرعبة أم أذكى حيلة تسويقية؟ (القصة الكاملة)

غير أن هذه المدة القياسية ليست ثابتة تمامًا لجميع الفئات، إذ ستمتد إلى 15 عامًا بالنسبة لأصحاب تأشيرات العمل في وظائف أقل من المستوى السادس في الإطار المهني البريطاني، أي الوظائف التي لا تتطلب مؤهلات جامعية متقدمة، بينما ترتفع إلى 20 عامًا كاملة بالنسبة للاجئين المتقدمين عبر ما يعرف بـ«مسار الحماية الأساسية»

وهو تحديدًا المسار الذي أشارت إليه بعض التقارير الأخيرة، باستثناء اللاجئين الذين دخلوا المملكة المتحدة عبر برامج إعادة التوطين الرسمية، إذ سيخضعون لمدة أساسية أقصر تبلغ عشر سنوات فقط.

وفي المقابل، أبقت الحكومة على استثناءات لبعض المسارات الأسرع، إذ ستستمر تأشيرات «الموهبة العالمية» و«المؤسس المبتكر» وما يماثلها من مسارات متسارعة في السماح لأصحابها بالتأهل للإقامة الدائمة بعد ثلاث سنوات فقط فقط، دون تغيير يذكر عن الوضع الحالي.

أربع ركائز إلزامية

لا تكتفي الخطة الجديدة بمجرد تمديد المدة الزمنية، بل تدخل نظامًا جديدًا يشترط استيفاء المتقدمين أربع ركائز إلزامية أساسية قبل النظر في طلباتهم، وهي، حسن السيرة والسلوك، والاندماج المجتمعي، والمساهمة الاقتصادية، والإقامة الفعلية داخل البلاد.

وتشمل ركيزة «المساهمة» شرط تحقيق دخل سنوي لا يقل عن 12570 جنيهًا إسترلينيًا لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات على الأقل.

وتتيح الخطة للمتقدمين الذين يستوفون معايير معينة تتعلق بالدخل أو الاندماج المجتمعي إمكانية تقليص مدة الانتظار القياسية، فيما سيواجه من تثبت مخالفتهم للمعايير المطلوبة فترات انتظار أطول، أو رفضًا كاملًا لطلب الاستقرار الدائم.

وتشمل معايير «الاستحقاق» المحتملة وفق تقارير متابعة للملف عناصر مثل مستوى إتقان اللغة الإنجليزية، وعدم اللجوء إلى المساعدات الحكومية، والحفاظ على سجل جنائي نظيف، بل وحتى المشاركة في أعمال تطوعية داخل المجتمع المحلي.

خريف العام

كان من المقرر في البداية أن تدخل هذه التغييرات حيز التنفيذ في أبريل 2026، إلا أن الحاجة إلى مزيد من المراجعة البرلمانية دفعت الحكومة لتأجيل الموعد إلى الخريف.

وتنص الترتيبات الانتقالية المعلنة على أن المتقدمين الذين قدموا طلباتهم قبل الثاني من مارس 2026 سيستمرون في الخضوع للنظام القديم، إذ سيمنحون إذن إقامة لمدة خمس سنوات، ويحق لهم التقدم بطلب الإقامة الدائمة عند انتهاء هذه المدة كما هو معمول به حاليًا.

أما من قدم طلبه اعتبارًا من الثاني من مارس 2026 فصاعدًا، فستطبق عليه المدة الجديدة الممتدة إلى 20 عامًا في حال كان ضمن الفئات المشمولة بهذا السقف الزمني، وفق ما أوضحته شركة «كلايد آند كو».

وسبق أن فتحت الحكومة البريطانية بابًا لاستشارة عامة حول هذه المقترحات، استمرت حتى الساعة 11:59 مساءً من الثاني عشر من فبراير 2026، أتاحت خلالها للمنظمات والأفراد والخبراء القانونيين إبداء ملاحظاتهم على تفاصيل الخطة قبل صياغتها بشكل تشريعي نهائي.

معارضة برلمانية

لم تمر هذه المقترحات دون معارضة، إذ أصدرت لجنة تابعة لمجلس اللوردات البريطاني تقريرًا انتقدت فيه بشدة خطط «الاستقرار المكتسب»، محذرة من أن تمديد فترة التأهل للإقامة الدائمة يهدد بتقويض عملية اندماج المهاجرين في المجتمع البريطاني.

وذلك من خلال الحد من قدرتهم على اتخاذ قرارات طويلة الأمد تتعلق بالعمل والأسرة والسكن، نتيجة الشعور المستمر بعدم استقرار وضعهم القانوني لفترة أطول.

ورفضت اللجنة تحديدًا مقترحات تمديد المدة إلى عشر سنوات كقاعدة عامة، و15 عامًا لأصحاب تأشيرات العمل الأقل مهارة، و20 عامًا للاجئين على مسار الحماية الأساسية، مقترحة بدلًا من ذلك الإبقاء على مدة الخمس سنوات الحالية، مع فصل مسألة الإقامة الدائمة عن حق الوصول إلى الدعم الحكومي بشكل منفصل.

ولفت تقرير صادر عن مكتب اقتصاديات لندن التابع لعمدة العاصمة البريطانية إلى الأهمية الاقتصادية الكبرى لحاملي هذا النوع من الإقامة بالنسبة لاقتصاد لندن، مشيرًا إلى أن غير المواطنين البريطانيين شكلوا نحو 42% من إجمالي الوظائف المسجلة في كشوف المرتبات بالعاصمة بحلول نهاية 2024.

أي ما يعادل 1.98 مليون وظيفة من أصل 4.69 مليون وظيفة إجمالية، بارتفاع ملحوظ عن 1.38 مليون وظيفة فقط قبل عقد من الزمن، ما يعكس حجم التأثير الاقتصادي المحتمل لأي تغيير جوهري في قواعد الاستقرار الدائم.

ولا تقتصر النقاشات الدائرة حول هذا الملف على مقترحات الحكومة الحالية فحسب، إذ طرحت أحزاب المعارضة رؤى بديلة متباينة بشكل كبير.

فبينما اقترح حزب الخضر تقليص جميع مسارات الاستقرار الدائم إلى خمس سنوات موحدة فقط مع التعبير عن تحفظات على فكرة «الاستحقاق» من الأساس، ذهب حزب «الإصلاح» اليميني إلى أبعد من ذلك، معلنًا خططًا لإلغاء نظام «الإذن غير المحدود بالبقاء» بالكامل في حال فوزه بالانتخابات المقبلة.

ومع سحب هذا الوضع من حامليه الحاليين واستبداله بتأشيرة قابلة للتجديد كل خمس سنوات بشروط أكثر صرامة، تشمل حدًا أقصى لا يتجاوز 90 يومًا خارج البلاد سنويًا، واشتراط مستوى لغوي متقدم «سي1»، إلى جانب تمديد فترة التأهل للجنسية نفسها من خمس إلى سبع سنوات وفق هذا التصور، مقارنة بمقترح حزب العمال الحاكم الذي يتحدث عن عشر سنوات.

تراجع في أعداد المستقرين

تظهر بيانات صادرة عن الحكومة البريطانية حول العام المنتهي في ديسمبر 2025 تراجعًا ملحوظًا في أعداد الحاصلين على الاستقرار الدائم مقارنة بالأعوام السابقة، إذ انخفضت منح الاستقرار المرتبطة بالأسرة بنسبة 19% لتصل إلى 37351 حالة فقط، فيما تراجعت منح الاستقرار الممنوحة لحاملي وضع اللجوء أو الحماية بنسبة أكبر بلغت 35%، لتصل إلى 26832 حالة فقط.

وفي المقابل، سجلت منح الاستقرار المرتبطة بالعمل ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 9% لتصل إلى 63309 حالة، ما يعكس تباينًا واضحًا في مسارات الهجرة المختلفة قبيل دخول هذه الإصلاحات الجديدة حيز التنفيذ الفعلي.

المصادر:

www.fragomen.com

www.morganlewis.com

www.ein.org.uk

انضم للمجتمع

محمد الكيلاني
محمد الكيلاني