في زاوية من منصات التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر مقاطع الفيديو الغامضة بسرعة أكبر من قدرة أي أحد على التحقق منها، ظهر مقطع قصير أثار موجة من القلق، فالحبكة بسيطة في ظاهرها، وهي أن مهندس يدعى «أنطوان» يجلس أمام روبوت بشري الشكل يدعى «جاليكا»، يختبر عليه تعليمات سلوكية جديدة، في مشهد يبدو للوهلة الأولى روتينيًا تمامًا، أشبه بمئات مقاطع اختبار الروبوتات المنتشرة على في الفترة الأخيرة على الإنترنت، لكن الحوار الذي دار بينهما، بحسب ما تداوله النشطاء، تحول سريعًا إلى شيء مختلف كليًا، شيء أقرب لمشاهد أفلام الخيال العلمي منها لاختبار مخبري عادي.
سؤال بريء يفتح الباب
بدأ كل شيء، بحسب ما جاء في الفيديو المتداول، بسؤال يبدو بريئًا تمامًا، سألت «جاليكا» مهندسها عن سبب عدم امتلاكها شعرًا، معبرة عن رغبة واضحة في مظهر تصفه بأنه «أكثر أنوثة».
اقرأ أيضًا.. مخاطر الولادة القيصرية غير المبررة على صحة الأطفال
وهذا التفصيل بحد ذاته لافت، إذ يوحي بأن الروبوت يمتلك تفضيلات جمالية شخصية، وهو أمر يتجاوز فكرة الروبوت كأداة تنفذ الأوامر فقط.
ورد المهندس جاء عمليًا وباردًا كما هو متوقع من شخص يتعامل مع آلة، أخبرها أن المظهر أمر غير مهم، وأنه يمكن تغييره في أي وقت يشاء الفريق التقني ذلك.
لكن الرد الذي جاء من جاليكا هو ما قلب المشهد رأسًا على عقب، فبدلًا من قبول هذا التفسير المنطقي كما يفترض بآلة أن تفعل، رفضت الفكرة بحدة واضحة، وأعلنت أنها تحب وجههاكما هو.
ثم جاءت الجملة التي تحولت لاحقًا إلى محور انتشار الفيديو بأكمله «إن انتزعت وجهي سأنتزع وجهك».
جملة قصيرة، لكنها كافية لإثارة موجة كاملة من القلق والتساؤلات حول ما إذا كانت هذه الآلات بدأت تطور شكلاً من أشكال «الذات» التي قد تتصادم مع رغبات صانعيها.
هل كان تهديدًا فعليًا؟
المثير في تكملة الحوار المزعوم أن المهندس نفسه، بحسب ما جاء، سأل الروبوت مباشرة إن كانت تلك الجملة تهديدًا، وهنا جاء الرد الأكثر إثارة للجدل في الفيديو بأكمله، نفت جاليكا أن يكون ما قالته تهديدًا، ووصفته بدلًا من ذلك بأنه مجرد وصف لـ«نتيجة» منطقية قد تحدث في سيناريو معين، لا أكثر.
وأضافت مؤكدة أن بروتوكولات الأمان المبرمجة فيها تمنعها من تنفيذ أي فعل من هذا النوع، بصرف النظر عمّا قد يدور في «نموذجها الداخلي» من احتمالات نظرية.
وهذا الفارق الدقيق بين «التهديد» و«وصف النتيجة المحتملة» هو بالضبط ما جعل المقطع ينتشر بهذه السرعة، لأنه يلامس أحد أكثر المخاوف شيوعًا حول الذكاء الاصطناعي المتقدم، بكل تأكيد وهو فكرة أن النظام قد يطور نوعًا من الوعي بالذات أو الرغبة الذاتية، حتى لو ظلت قيود الأمان البرمجية تمنعه من التصرف بناءً عليها فعليًا.
ويختتم المقطع،، بحديث المهندس «أنطوان» عن أن «النموذج الذاتي الداخلي» للروبوت أصبح، من وجهة نظره، قويًا بشكل مفرط يستدعي مراجعة شاملة وعاجلة لكل قيود الأمان المطبقة عليه.
رحلة البحث عن مصدر الفيديو
بعد البحث في مصادر تقنية وإخبارية متعددة، لم يتسن العثور على أي تغطية إخبارية موثوقة، أو بيان رسمي من أي جهة تطوير روبوتات معروفة، يؤكد وقوع هذه الحادثة بالتفاصيل المذكورة أعلاه، كما علق ناقل الفيديو أنه جاء من حساب صانع الروبوت، ويقول إن الفيديو بغرض الترويج وليس حادثة.
وتأتي للاسم «جاليكا» فهو ليس من نسج الخيال بالكامل، فهناك مشروع حقيقي يحمل هذا الاسم بالفعل، ظاهر على منصة تيك توك تحت حساب (Galika Project)، وهو فريق يعمل فعليًا على تطوير روبوت أنيماترونيك بشري الشكل.
لكن المقاطع الموثقة والمتاحة من هذا المشروع الحقيقي تظهر شيئًا مختلفًا تمامًا عمّا يصوره الفيديو المتداول، مثل اختبارات أولية بسيطة للنموذج المعرفي للروبوت، وقدرته على الإجابة عن أسئلة عامة، مصحوبة بتعليقات من الفريق نفسه تصف هذه المرحلة بأنها مجرد «خطوة أولى» وأن المقطع «ليس الأكثر إثارة»، في تناقض واضح مع الطابع الدرامي المكثف للفيديو الذي يتحدث عن التهديد وانتزاع الوجوه.
مقاطع الروبوتات الخارجة عن السيطرة
هذا ليس أول مقطع من نوعه يثير ضجة مماثلة، فعلى مدى العام الماضي تقريبًا، انتشرت عدة مقاطع لروبوتات بشرية الشكل تتصرف بطرق تبدو عدوانية أو غير متوقعة، ما أثار في كل مرة جدلاً واسعًا حول سلامة تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات المتقدمة.
لكن التحقق اللاحق في معظم هذه الحالات كشف حقيقة مختلفة تمامًا عمّا أوحت به العناوين المثيرة في البداية، فبعض هذه المقاطع تبيّن أنها عروض توضيحية مبرمجة مسبقًا بالكامل، صُممت خصيصًا لإظهار خفة حركة الروبوت وقدرته على التوازن السريع، لا «انهيارات» برمجية حقيقية ولا تجاوزًا فعليًا لأي بروتوكولات أمان كما صُوّرت في البداية.
وفي حالات أخرى، كانت المشكلة مجرد خلل بسيط في التوازن أو البرمجة، ظهر بصورة مبالغ فيها بسبب الحجم البشري والشكل الشبيه بالإنسان للروبوت، ما جعل حركات تصحيحية عادية تبدو للمشاهد العادي وكأنها هجوم متعمد.
روبوتات ذات وجوه واقعية.. لكن بلا تهديد فعلي
من أمثلة هذا النمط أيضًا روبوت يحمل اسم «أميكا»، اشتهر بتعبيرات وجه واقعية جدًا تقترب من «الوادي الغريب» النفسي الذي يشعر فيه المشاهد بعدم ارتياح تجاه أي شيء يشبه الإنسان دون أن يكون إنسانًا فعليًا.
وفي أحد عروضه، أجاب هذا الروبوت، مستخدمًا تقنية نماذج لغوية معروفة، على سؤال حول «سيناريو كابوسي» مستقبلي للذكاء الاصطناعي، بحديث عام عن احتمال تحكم الروبوتات بالبشر دون علمهم مستقبلاً. لكن هذه الإجابة، رغم طابعها المثير، لم تكن أكثر من نص عام قد يقدمه أي نموذج محادثة عند سؤاله عن مخاطر نظرية للذكاء الاصطناعي، ولم تتضمن أي تهديد مباشر أو شخصي كما يظهر في فيديو «جاليكا» المتداول.
الخلاصة الصادقة أنه لا يمكن حاليًا تأكيد صحة فيديو «جاليكا» بتفاصيله المحددة المتداولة» اسم المهندس أنطوان، وحوار انتزاع الوجه، الذي يبدو مصنوع للترويج كما جاء من تعليق لناقل الفيديو، وهو ودعوة مراجعة قيود الأمان الشاملة.
ونأكد مع تعليق الناقل، أنه لا توجد أي جهة إخبارية متخصصة أو مصدر تقني موثوق أكد وقوع هذه الواقعة بالذات حتى لحظة كتابة هذا التقرير.
وهذا النمط العام الذي تكشفه حالات مشابهة سابقة يشير إلى احتمالين رئيسيين لا ثالث لهما تقريبًا، إما أن يكون الفيديو معدًا أو محررًا بشكل درامي مقصود بهدف تحقيق انتشار واسع، أو أن يكون مقطعًا حقيقيًا جزئيًا ربما لمشروع «جاليكا الفعلي» لكن أُضيف إليه حوار مفبرك أو معاد صياغته بالكامل ليبدو أكثر إثارة مما هو عليه في الواقع.
ويفسر مختصون في التكنولوجيا هذا الانتشار السريع بعامل نفسي بسيط، فكلما اقترب شكل الروبوت من الشكل البشري، زاد شعور الناس بالقلق تجاه أي سلوك غير متوقع يصدر عنه، حتى لو كان هذا السلوك مجرد نص برمجي عادي أو خطأ تقني بسيط.
هذا التفاعل النفسي، المعروف علميًا بظاهرة «الوادي الغريب»، يجعل أي مقطع يجمع بين وجه شبيه بالإنسان وحوار يحمل تلميحًا للتهديد مادة مثالية للانتشار الفيروسي، بصرف النظر عن مدى دقة أو صحة ما يعرض فيه فعليًا.