في زمن باتت فيه أخبار الجشع والطمع تتصدر المشهد، تأبى معادن أولاد الأصول إلا أن تلمع وتثبت للجميع أن الخير في هذه الأمة باقٍ لا ينقرض قصة ملهمة شهدتها شوارع القاهرة، بطلها شاب مصري مخلص، ضرب أروع أمثلة الأمانة والشرف بعدما عثر على ثروة ضخمة كانت ملقاة في الطريق، ليرفض إغراءات المال ويختار ما عند الله، معيداً الأمل في قلوب الكثيرين بأن الأخلاق والضمير الحي لا يزالان بخير.
مصادفة تحت الكوبري واختبار رباني كبير
بدأت القصة بأحداث يومية معتادة، حيث كان الشاب محمد الشافعي، الطالب بكلية الآثار بجامعة القاهرة وأحد أبناء مركز شبين القناطر بمحافظة القليوبية، متوجهاً برفقة صديقه لحضور تدريب عادي في منطقة صلاح سالم.
وأثناء سيرهما تحت أحد الكباري في مكان حيوي تمر منه السيارات سريعاً، قادتهم المصادفة لرؤية حقيبة ملقاة على الأرض بدافع الفضول لمعرفة ما بداخلها، فتح الشابان الحقيبة لتتفجر المفاجأة التي لم تكن لتخطر على بال أحد؛ حيث عثروا على مبلغ مالي ضخم يُقدر بـ 850 ألف جنيه مصري، إلى جانب مجموعة من الأوراق الثبوتية والروشتات الطبية.
أمانة أولاد الأصول.. البحث عن صاحب الحق
في مثل هذه المواقف، قد تضعف النفوس البشرية ويعتبر البعض هذا المال “رزقاً ساقته المقادير”، لكن تربية محمد ونقاء سريرته جعلاه يرى في الحقيبة اختباراً ربانياً شديداً. لم يفكر محمد في نفسه للحظة، بل تفطر قلبه حزناً على صاحب الفلوس الذي يعيش بالتأكيد ليلة قاسية بعد فقدان هذا المبلغ الضخم.
انتظر الشابان في المكان لبعض الوقت على أمل أن يعود صاحب الحقيبة للبحث عنها، ولما لم يظهر أحد، قرر محمد أخذ زمام المبادرة والبحث بنفسه. ومن خلال الفحص الدقيق للبيانات المدونة في الأوراق والروشتات الطبية الموجودة داخل الشنطة، بدأ رحلة تتبع مضنية حتى نجح في الوصول إلى أصحابها الحقيقيين.
إنقاذ حياة ومفاجأة تقشعر لها الأبدان
تواصل محمد مع أصحاب الحقيبة وحدد موعداً لمقابلتهم، وحرصاً منه على وصول الأمانة لمستحقيها، قام بالتأكد أولاً من هويتهم وعلامات الحقيبة بدقة، قبل أن يسلمهم المبلغ كاملاً دون نقصان “ولا مليم”.
هنا تكشفت المفاجأة الأكبر التي جعلت الموقف يقشعر له البدن؛ إذ تبين أن هذا المبلغ الضخم (850 ألف جنيه) لم يكن مجرد فائض مالي، بل كان مخصصاً بالكامل لإجراء عملية جراحية عاجلة ومهمة لإنقاذ حياة أحد أفراد الأسرة، وكان ضياع الحقيبة كفيلاً بقلب حياة هذه الأسرة رأساً على عقب وتحويلها إلى مأساة حقيقية.
رفض المكافأة ودرس قاصٍ في الزهد
من فرط الفرحة والامتنان، حاولت الأسرة مكافأة الشاب محمد الشافعي على أمانته وصنيعه الذي أنقذ حياتهم، وعرضوا عليه مبلغاً مالياً كبيراً قيمته **85 glass (85 ألف جنيه)** كهدية شكر.
لكن الشاب المحترم، وبكل عزة نفس وأنفة أولاد الأصول، رفض استلام أي مقابل مالي، واكتفى برفض المكافأة بكل أدب واحترام، ملقناً الجميع درساً بليغاً في الزهد والأمانة عندما لخص موقفه كله في جملة قرآنية واحدة هزت المشاعر:
“قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ”
تحية إعزاز لنموذج مصري مشرف
إن ما فعله ابن القليوبية وطالب جامعة القاهرة محمد الشافعي، هو بمثابة رسالة طمأنينة للمجتمع بأسره. تحية إعزاز وتقدير لهذا الشاب المحترم وللأهل الذين أحسنوا تربيته، فقد أثبت بموقفه النبيل أن الخوف من الله والضمير اليقظ هما الحصن المتبقي للأخلاق، ليبقى نموذجاً مشرفاً يحتذي به كل شباب جيله.