الوحش اللي طلع مش زي ما كانت فاكرة
كانت ندى واقفة في جنينة الفيلا الكبيرة وهي ماسكة سندوتش حواوشي في إيدها، تاكل منه براحتها وكأنها قاعدة في رحلة مع أصحابها مش في مكان غريب عنها. الجو كان هادي بشكل غريب، والهوا بيتحرك بين الشجر الطويل اللي مزروع حوالين الفيلا، والشمس كانت بدأت تميل ناحية الغروب وتدي للمكان لون برتقاني جميل يخلي أي حد يشوف المنظر يفتكر إنه في لوحة مرسومة مش في الحقيقة.
ندى بطبيعتها كانت بنت مختلفة شوية عن أغلب الناس. مهما يحصل حواليها كانت بتحاول تلاقي حاجة تضحكها أو تخليها تتعامل مع الموقف بخفة دم. يمكن عشان كده الخوف عمره ما كان بيكسب معاها بسهولة، أو يمكن لأنها كانت مقتنعة إن القلق مش هيحل أي مشكلة. المهم إنها كانت واقفة وسط الحرس وكأنها واحدة منهم، تتكلم وتضحك وتسأل، والحرس نفسهم بقوا مستغربين من البنت دي اللي المفروض تكون متوترة لكنها متصرفة بمنتهى الراحة.
بصت للحارس اللي واقف جنبها وقالت وهي بتمضغ آخر لقمة:
= بقولك إيه يا كابتن… هو الراجل الغامض بتاعكم ده مش موجود النهارده ولا إيه؟ أصل المكان هادي زيادة عن اللزوم.
الحارس حاول يكتم ضحكته وقال:
= لا… خرج شوية وهييجي.
ندى رفعت حاجبها وقالت:
= سبحان الله… أول ما يمشي الدنيا تبقى لطيفة كده؟
الحرس بصوا لبعض وابتسموا.
واحد منهم قال:
= إنتِ لو شفتيه وهو متضايق هتعرفي إحنا ليه بنحسب لكل كلمة حساب.
ندى هزت كتفها وقالت:
= يا عم أنا شوفت ناس كتير في حياتي، محدش بيخوف للدرجة دي.
حارس تاني ضحك وقال:
= واضح إنك الوحيدة اللي مش عاملاله حساب.
= وأنا أعمل حساب ليه؟ هو تنين مجنح؟
الضحك زاد أكتر، وبدأت ندى تحكي بطريقتها المعتادة عن نظرات زين الصامتة وكلامه المختصر، وتقلده بشكل كوميدي خلا الحرس يضحكوا من قلبهم لأول مرة من فترة طويلة.
لكن فجأة حصل شيء غريب.
الضحك وقف.
الابتسامات اختفت.
وكل واحد فيهم وقف مستقيم كأنه اتفاجئ بحاجة كبيرة.
ندى استغربت جدًا.
بصتلهم وقالت:
= إيه يا جماعة؟ حد ضغط زرار الإيقاف ولا إيه؟
وفي اللحظة دي سمعت صوت هادي جاي من وراها:
= كملي… أنا كنت مستمتع.
قلبها نط مكانه.
لفت ببطء شديد.
ولقت زين واقف.
بنفس هيبته المعتادة.
ونفس النظرة اللي عمرها ما كانت تعرف تفسرها.
لكن الغريب إنه كان مبتسم ابتسامة خفيفة.
ابتسامة خلتها مش عارفة إذا كانت تطمن ولا تقلق.
الحرس انسحبوا بهدوء، وسابوا المكان كله ليهم.
وقفت ندى قدامه وحاولت تحافظ على شجاعتها المعتادة.
قالها:
= كنتِ بتقولي إيه عني؟
ردت بسرعة:
= كلام حلو جدًا.
= واضح.
= والله.
= وأنا أصدق؟
= جرب.
لأول مرة من يوم ما شافته، حسّت إن زين بيقاوم الضحك.
لكن قبل ما الحوار يكمل، دخل أحد العاملين بسرعة ناحية الجنينة وهو شايل جهاز إلكتروني صغير.
كان شكله متوتر جدًا.
وقف قدام زين وقال:
= الجهاز وصل يا باشا.
في اللحظة دي اتغيرت ملامح زين بالكامل.
أخد الجهاز بسرعة وبص للشاشة.
ندى لاحظت إن الموضوع مهم جدًا.
ولأول مرة شافت القلق واضح على وشه.
الجهاز كان محتاج رمز معين عشان يفتح ملف مهم.
ملف زين كان بيدور عليه من فترة طويلة.
لكن المشكلة إن الرمز اختفى من كل السجلات.
ندى وقفت تتفرج.
في البداية كانت فاكرة إن الموضوع مش يخصها.
لكن وهي بتبص على الشاشة افتكرت حاجة.
طريقة ترتيب الأرقام كانت شبه طريقة قديمة كانت شافتها قبل كده عند أخوها ممدوح.
قالت فجأة:
= استنى… الشكل ده أنا شوفته قبل كده.
زين رفع عينه ليها.
= فين؟
= عند ممدوح.
سكت المكان كله.
ندى بدأت تشرح اللي فاكراه.
وحكت عن عادة غريبة كان أخوها بيعملها لما يحب يخبي معلومة مهمة.
كل الموجودين بدأوا يدوروا في المكان حسب كلامها.
وبعد دقائق طويلة من البحث…
لقوا فعلًا ورقة صغيرة مخفية في مكان غير متوقع.
عليها أرقام معينة.
تم إدخالها في الجهاز.
والملف اتفتح.
ندى أخدت نفس طويل وقالت:
= الحمد لله… خلصنا.
لكنها اكتشفت إن الحكاية لسه ما بدأتش أصلًا.
لأن الشاشة اتحولت فجأة.
واختفت البيانات اللي كانوا مستنين يشوفوها.
وظهرت رسالة جديدة.
رسالة قصيرة.
لكنها كانت كفاية تقلب الدنيا كلها.
الرسالة كانت معناها إن حد لعب لعبة كبيرة جدًا.
وإن زين اتعرض لخدعة محكمة.
والأصعب من كده إن ندى نفسها كانت جزء من الخدعة دي من غير ما تعرف.
سكت زين للحظات طويلة.
وبص للشاشة.
وبعدين بص لندى.
كانت أول مرة تشوفه محتار بالشكل ده.
قال بهدوء:
= واضح إن في حد كان بيرتب لكل حاجة من زمان.
ندى بلعت ريقها.
وقالت:
= يعني إيه؟
قال:
= يعني إحنا الاتنين اتضحك علينا.
ومن اللحظة دي بدأت الصورة تتكشف تدريجيًا.
معلومات كتير كانت ناقصة.
أسماء كتير ظهرت.
وأحداث قديمة بدأت ترجع تاني.
وزين اكتشف إن في ناس كانت بتستغل الخلافات القديمة عشان تحقق مصالحها.
أما ندى فبدأت تحس إن أخوها ممدوح مخبي عنها أسرار أكتر بكتير مما كانت تتخيل.
مرت الساعات وهم بيجمعوا الخيوط واحدة واحدة.
كل معلومة كانت تفتح باب جديد.
وكل باب كان وراه أسئلة أكتر.
وفي وسط كل ده بدأت العلاقة بين ندى وزين تتغير بالتدريج.
في الأول كانت شايفاه شخص صعب ومستفز.
وهو كان شايفها مصدر للمشاكل.
لكن مع الوقت اكتشف كل واحد فيهم إن الصورة اللي رسمها عن التاني مكانتش كاملة.
ندى اكتشفت إن زين رغم صرامته الشديدة شخص بيعتمد على نفسه من سنين طويلة.
وشال مسؤوليات كبيرة جدًا بدري.
وعشان كده بقى قليل الكلام وكثير الحذر.
أما زين فاكتشف إن ندى رغم خفة دمها وتصرفاتها العفوية، عندها ذكاء وسرعة بديهة مش طبيعيين.
وكانت قادرة تربط تفاصيل محدش بياخد باله منها.
الأيام بدأت تعدي.
وكل يوم كان بيكشف جزء جديد من اللغز.
وفي كل مرة كانوا يقربوا من الحقيقة، كانوا يكتشفوا إن الحقيقة أكبر مما تخيلوا.
ندى بقت جزء من الرحلة.
مش لأنها اختارت ده في البداية.
لكن لأن الظروف حطتها في قلب الأحداث.
وبعد ما كانت كل أمنيتها ترجع لحياتها القديمة، بدأت تحس إن حياتها القديمة نفسها اتغيرت.
وإن البنت اللي دخلت الفيلا أول مرة مش هي نفس البنت اللي بقت موجودة دلوقتي.
بقت أقوى.
وأهدى.
وأكتر فهمًا للناس.
وفي ليلة طويلة كانوا قاعدين فيها في شرفة الفيلا بعد يوم مليان مفاجآت، بصت ندى للسماء وقالت:
= تعرف؟ أنا عمري ما تخيلت إن كل ده يحصل.
زين ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
= وأنا عمري ما تخيلت إني أسمح لحد يقلدني قدام الحرس ويكمل عادي.
ندى ضحكت من قلبها.
ولأول مرة ضحك هو كمان.
ضحكة صغيرة.
لكنها كانت كافية تقول إن حاجات كتير اتغيرت.
بصت للطريق البعيد الممتد قدام الفيلا.
وحست إن المستقبل لسه مخبي مفاجآت كتير.
وإن الرحلة الحقيقية يمكن تكون لسه ما بدأتش أصلًا.
أما زين فكان واقف جنبها بهدوء.
والغموض اللي كان حواليه في أول يوم بدأت ندى تفهم جزء منه.
يمكن مش كله.
لكن جزء كفاية يخليها تعرف إن بعض الناس شكلهم من بره بيكون مختلف تمامًا عن حقيقتهم من جوه.
وفي اللحظة دي تحديدًا أدركت إن حياتها القديمة بقت وراها.
وإن صفحة جديدة اتفتحت.
صفحة مليانة ألغاز وتحديات ومواقف غريبة.
لكن كمان مليانة فرص إنها تعرف نفسها أكتر.
ومع آخر خيوط الشمس وهي بتختفي من الأفق، كانت ندى عارفة إن الطريق اللي قدامها مش سهل.
بس لأول مرة من فترة طويلة…
ماكنتش خايفة تمشي فيه.