ليلة قلبت الموازين

ليلة قلبت الموازين


ليلة قلبت الموازين

الليلة دي بدأت هادية بشكل يخوف… الهدوء اللي بيبقى سابق العواصف الكبيرة، اللي بعده الحياة مبتبقاش هي الحياة. كان باقي يوم واحد بس على فرح ابني طارق، والبيت كله ريحته تجهيزات وفرحة مكبوتة وخوف أم طبيعي بيستخبى تحت أي ابتسامة. كنت واقفة في المطبخ، لابسة روب البيت، وحاطة مج القهوة في الحوض بغسله وأنا ببص كل شوية على الموبايل مستنية مندوب التوصيل. كنت طالبة شوية حاجات للفرح أونلاين، والأبليكيشن باعت إشعار إن الطلب هيوصل قبل الساعة سبعة بالظبط.

الساعة كانت ستة تلاتة وخمسين دقيقة لما الباب خبط. خبطتين هاديين، بس فيهم ثقل غريب. النوع اللي يخلي قلبك ينقبض من غير سبب مفهوم. نشفت إيدي في الفوطة بسرعة، وعدلت طرحة خفيفة كنت رميّاها على كتفي، ومشيت ناحية الباب وأنا متوقعة ألاقي شاب صغير شايل كرتونة ومستني الباسورد.

لكن أول ما فتحت الباب… اتجمدت ثانية كاملة.

قدامي كانت واقفة نيرمين… خطيبة ابني. ووراها أمها مدام جيهان.

كانوا متأنقين زيادة عن اللزوم. لبس سهرة شيك بطريقة محسوبة، مكياج متقن، ريحة برفان تقيلة، وكعب عالي بيخبط في أرضية العمارة كأنه بيعلن عن دخوله قبل صاحبه. مش شكل ناس معدية تسلم، ولا حتى ناس جاية تطمن على ترتيبات الفرح. لأ… كان شكل ناس جاية تعمل حاجة كبيرة ومحضراها من بدري.

أنا ساكنة في مصر الجديدة من أكتر من حداشر سنة. المنطقة هادية جداً، لدرجة إنك تحفظ صوت كل باب بيتقفل، وكل عربية بتركن، وكل جار بيرجع إمتى. ومع الوقت، بتتعلمي تفرقي بين الهدوء الطبيعي… والهدوء اللي بيبقى مستخبي وراه مصيبة.

وفي الليلة دي، كان في مصيبة داخلة بيتي بكعب عالي.

وسعت من قدام الباب بهدوء وسيبتهم يدخلوا. لا حضنت نيرمين، ولا سألتهم جايين ليه، ولا حتى حاولت أجامل. جوايا كان في إحساس تقيل بيقولي إن أي كلمة هتتقال دلوقتي ممكن تغيّر كل حاجة.

دخلوا الصالة وبعدها المطبخ كأنهم أصحاب المكان. نيرمين بصت حواليها بنظرة غريبة، النظرة اللي الستات بتبصها وهي بتقيس المكان قبل ما تعتبره ملكها. أما جيهان، فكانت ماشية بثقة زيادة، ثقة الناس اللي داخلة معركة وهي فاكرة إنها ضامنة الفوز.

وقبل حتى ما أقعدهم، نيرمين بصتلي وقالت أول جملة:

«بعد بكرة… إنتي مش هتبقي عيلتنا خلاص.»

الجملة نزلت باردة على صدري زي التلج. بس وشي متحركش.

لفيت بهدوء ناحية الرخامة، حطيت الكاتل في الفيشة، ومريت المياه. وفي نفس اللحظة، حطيت موبايلي على الرخامة بالشاشة لفوق، بزاوية مظبوطة، وفتحت تسجيل الصوت من غير ما حد ياخد باله.

السنين علمتني إن الناس الهادية جداً لازم تخافي منهم أكتر من الناس العصبية. وسبعتاشر سنة شغل في المقاولات والعقارات علموني قاعدة واحدة عمري ما نسيتها: اللي بيقول كلامه بنعومة زيادة، بيبقى مستخبي جواه سكينة.

أنا اسمي برلنتي. عندي واحد وستين سنة. الست اللي ابتدت حياتها من الصفر مع جوزها فتحي الله يرحمه. اشتغلنا كتف بكتف، بنينا شركتنا حتة حتة، وشوفنا أيام لو اتحكت لحد ميصدقهاش. ابتدينا بثلاث عمارات صغيرة في فيصل، وكان فتحي راجل بيعرف يقرا الناس من نظرة. أما أنا، فكنت بعرف أكمل الطريق لما الدنيا تكسر أي راجل.

لما فتحي مات فجأة، حسيت وقتها إن الدنيا كلها اتشالت من تحت رجلي. بس مكنش عندي رفاهية الانهيار. كان عندي شركة، وموظفين، وابن لسه صغير محتاج يشوف أمه واقفة. عيطت يومين بالكتير، وبعدها نزلت الشغل تاني. ومن يومها، وأنا اتعلمت أخبي وجعي كويس.

طارق كبر وهو شايفني قاعدة وسط رجالة كبار في السوق، ناس كانوا بيعتبروا مجرد سماع رأيي نوع من المجاملة. بس مع الوقت، اتعودوا. لأنهم اكتشفوا إن الست اللي ساكتة وهادية، ممكن تكون أشرس واحد على الترابيزة.

جيهان قعدت على الكرسي وسابت شنطتها جنبها بطريقة مقصودة، كأنها بتثبت وجودها. وبعدها بدأت الكلام.

اتكلمت عن «الخصوصية». عن «الحياة الجديدة». عن «حدود العلاقة بين الأم والابن بعد الجواز». كانت بتستخدم كلمات ناعمة جداً، بس كل كلمة كانت مليانة سم.

قالت إن المتجوزين محتاجين يعيشوا بعيد عن «التأثيرات الخارجية».

تأثيرات خارجية!

الكلمة فضلت ترن في ودني. أنا؟ بعد العمر ده كله؟ بعد ما ربيت ابني لوحدي؟ بعد ما شلت الشركة فوق ضهري سنين؟ بقيت تأثير خارجي؟

نيرمين كانت ساكتة أغلب الوقت. وصدقيني، سكوتها وجعني أكتر من كلام أمها. لأن السكوت ساعات بيبقى موافقة كاملة، بس متغلفة بخجل مصطنع.

وفجأة، وهي بتتكلم، نادتني باسمي مجرد:

«برلنتي…»

من غير طنط. من غير يا حماتي. من غير أي احترام.

كأنها من دلوقتي بتخلعني من مكاني في حياة ابني.

وقفت أسمعهم من غير مقاطعة. جيهان كانت بتلف حوالين الكلام بطريقة محترفة. جابت سيرة الشركة، وقالت إن طارق محتاج يركز على بيته الجديد. وإن الأفضل يبقى في «إشراف عن بعد» مني بدل التدخل المباشر.

إشراف عن بعد!

يعني إقصاء بس بمصطلح شيك.

كل جملة كانت متغلفة بالذوق، لكن تحتها احتقار واضح. وأنا ساكتة. من بره هادية، لكن جوايا نار بتاكل في صدري.

في اللحظة دي افتكرت فتحي. افتكرت طريقته وهو بيقرا الناس. كان دايماً يقولي:

«اللي يستهون بيكي يا برلنتي… هو أكتر واحد هيخسر قدامك.»

وجيهان كانت مستهونِة بيا جداً.

لما قاموا يمشوا، كنت فاكرة إن الحوار خلص. لكن الناس اللي زي دي مستحيل تمشي من غير الضربة الأخيرة.

وقفت جيهان عند الباب، حطت إيدها على الأوكرة، وبصتلي بابتسامة باردة وقالت:

«بعد بكرة… إنتي مش هتبقي عيلته. إنتي هتبقي مجرد أمه.»

مجرد أمه.

الجملة دي كسرت حاجة جوايا. لأن الأمومة بالنسبالهم مجرد لقب، لكن بالنسبالي كانت عمر كامل. كانت سهر، وخوف، وتعب، وشغل، ودموع مستخبية، وأيام مفيهاش نوم، وقرارات صعبة، ووقفة في وش الدنيا كلها عشان ابني يطلع راجل.

مشيوا.

وقفلت الباب بالمفتاح.

وقتها بس حسيت إن رجلي مش شايلاني.

قعدت على كرسي فتحي في الصالة. نفس الكرسي اللي كان بيقعد عليه بعد الشغل، يشرب القهوة ويسرح في السقف وهو بيفكر في آلاف الحاجات. البيت كان ساكت، والكاتل فصل، وصوت الشارع طالع خفيف من البلكونة.

الموبايل كان لسه بيسجل.

قمت، وقفت التسجيل، وبصيت للفويس الطويل.

ثواني… وبعتّه لطارق.

من غير كلمة واحدة.

لا شرحت، ولا اشتكيت، ولا قلتله خد حقي.

بعت التسجيل الساعة تسعة سبعة وأربعين دقيقة بالليل.

شاف الرسالة فوراً.

علامات الكتابة ظهرت… اختفت… ظهرت تاني… وبعدها اختفت خالص.

ومردش.

الصمت بتاعه فضل خانقني طول الليل. كنت ماشية في الشقة زي الشبح. كل حاجة حواليا كانت بتفكرني إن بكرة المفروض يبقى أسعد يوم في حياته، وأنا مش عارفة هو بيفكر في إيه.

الصبح صحيت بدري جداً. أخدت دش طويل، ولبست براحة، كأني رايحة مناسبة عادية. اخترت تايير رمادي شيك، وحلق صغير، ولميت شعري ورا بطريقة مرتبة. مكنتش عايزة أبان مكسورة قدام حد.

لكن الحقيقة إني كنت داخلة حرب.

سقت عربيتي ناحية التجمع، والطريق كله كنت حاسة إن قلبي تقيل. التسجيل الصوتي بقى زي قنبلة بيني وبين ابني، ومكنتش عارفة الليلة هتنتهي على إيه.

القاعة كانت فخمة جداً. ورد أبيض في كل حتة، إضاءة دافية، ديكور أوف وايت، والناس داخلة تضحك وتتصور وتبارك. جيهان كانت واقفة عند الباب بتستقبل المعازيم بابتسامة واسعة، كأنها مش نفس الست اللي كانت في مطبخي امبارح بتحاول تمسحني من حياة ابني.

دخلت وقعدت في الصفوف الأولى ناحية العريس. لا قريبة زيادة، ولا بعيدة زيادة. كنت مقررة إني لو حسيت إن ابني اختارهم… هقوم وأمشي بهدوء. مش هكسر فرحته.

وفجأة، القاعة سكتت شوية.

طارق دخل.

كان داخل لوحده. مفيش صحابه حواليه، مفيش ضحك، مفيش حتى ابتسامة صغيرة. وشه كان جامد بطريقة خوفتني.

مشى بخطوات هادية لحد دفتر التهاني، مضى اسمه ببطء، وبعدها عمل حاجة خلت الناس كلها تهمس.

بدل ما يطلع للجناح يستنى العروسة… راح قعد في الصف التالت لوحده.

كأنه ضيف جاي يحضر فرح حد تاني.

منسقة الفرح جريت عليه بسرعة، كانت بتحاول تضحك، لكن أول ما كلمته وشها اتغير. بعدها صاحبه المقرب راحله، ورجع وشه أصفر.

الهمس زاد.

المأذون بقى يبص حوالين القاعة بتوتر.

أما جيهان… لأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيها.

وقتها فهمت.

فهمت إن صمت ابني امبارح مكنش تجاهل.

كان قرار.

وفجأة، طارق وقف.

الدي جي فصل الأغنية في نصها، وكل الناس بصتله.

مشى ناحية المسرح بنفس الطريقة اللي كان أبوه فتحي بيمشي بيها في الاجتماعات المهمة. ثبات غريب، وهيبة تخليك تسكت حتى لو مش فاهم في إيه.

بص للمأذون… وبص للناس… وبعدها بصلي أنا.

وهز راسه هزة صغيرة.

الهزة دي رجعتلي روحي.

وقبل ما نيرمين تنزل أول درجة في السلم بفستانها الأبيض، طارق مسك المايك وقال:

«مساء الخير يا جماعة… منورين كلكم. بس معلش، وفروا زغاريطكم ونقوطكم… الفرح ده مش هيتم.»

القاعة انفجرت همس وصوت وصريخ مكتوم.

جيهان جريت عليه وهي شبه فاقدة أعصابها وقالت بصوت واطي:

«إنت اتجننت؟ هتفضحنا عشان فويس نوت؟ دي كانت هزار!»

طارق بص لها ببرود عمري ما شوفته في عينه قبل كده.

ومسك المايك تاني وقال:

«الهزار يبقى مع ناس من مقامك. لكن الست اللي اتقالها إنها مجرد أم… هي كل حاجة عندي. وطالما هي مجرد أمي، فأنا مكتفي بيها ومستغني عن أي حد تاني.»

الناس كلها سكتت.

حتى النفس بقى مسموع.

وكمل:

«المأذون يتفضل مشكوراً… والعروسة ووالدتها يجمعوا حاجتهم. الفرح انتهى.»

نيرمين وقفت في نص السلم وصرخت. الفستان الأبيض اللي كانت نازلة بيه بثقة، بقى شكله كأنه حمل تقيل عليها. جيهان وشها اتقلب، والناس بقت تبصلهم بنظرات قاسية.

أما طارق… فنزل من على المسرح ومشى ناحيتي.

وقف قدامي، انحنى، باس إيدي وباس راسي قدام الناس كلها، وقال بصوت واضح:

«يلا بينا يا أمي… نروح بيتنا.»

في اللحظة دي، حسيت إن كل التعب اللي شوفته في حياتي خد حقه.

قمت معاه، وعدلت التايير بتاعي، ومشيت ناحية الباب وأنا ماسكة إيده.

لكن قبل ما أخرج… وقفت.

لفيت وبصيت لجيهان ونيرمين. كانوا واقفين في نص القاعة والناس بتبعد عنهم واحدة واحدة.

فتحت شنطتي بهدوء، وطلعت مفتاح.

مشيت لحد ما وقفت قدامهم، ورميت المفتاح تحت رجل جيهان.

بصتلي وهي بتترعش وقالت:

«إنتي فرحانة دلوقتي؟»

ابتسمت بهدوء. نفس الابتسامة اللي كنت بقفل بيها أصعب صفقات حياتي.

وقلت:

«المفتاح ده بتاع شقة في الكومباوند الجديد. كنت كاتباها باسم بنتك هدية جواز… عشان أضمن مستقبلها. لكن بما إن الكرامة أهم من أي حاجة… فالشقة دي من بكرة هتتباع، ويتبني مكانها مستشفى خيري باسم “مجرد أم”.»

مردوش.

لأن بعض الكلمات بتبقى تقيلة لدرجة إن مفيش رد يطلع بعدها.

خرجت من القاعة مع ابني، والهوا البارد خبط في وشي كأنه بيصحيني من كابوس.

طارق فتحلي باب العربية بنفسه. ركبت وأنا ببصله، وحسيت لأول مرة من سنين إني ارتحت.

لأن كل التعب، وكل الخوف، وكل الليالي اللي عدت عليا وأنا بحارب لوحدي… اختصرهم ابني في موقف واحد.

موقف رجعلي كرامتي قدام نفسي قبل الناس.

وفي الطريق للبيت، وأنا قاعدة جنبه والعربية ماشية وسط شوارع القاهرة الهادية، افتكرت جملة جيهان:

«مجرد أم.»

وابتسمت.

لأنها مكانتش تعرف إن الأم الحقيقية… عمرها ما بتكون «مجرد» أي حاجة.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي