الست المضمونة
ريحة البرفيوم وصلت قبل صاحبها بثواني، ودي كانت حاجة أنا حافظاها كويس جدًا. كريم عمره ما كان بيدخل مكان من غير ما يسيب أثر وراه، سواء كان الأثر ده ريحة عطر غالي أو مشكلة كبيرة أو كذبة جديدة بيحاول يجمّلها بكلام منمق. وقفت مكاني في الممر الطويل قدام قاعة 4 ب بمحكمة الأسرة في الزنانيري، وبصيت قدامي من غير ما أبين أي رد فعل. اللمبات الفلورسنت القديمة كانت منورة المكان بنور باهت مخلي الوجوه كلها شاحبة ومتعبة، كأن كل اللي واقفين هنا شايلين نفس الهم وإن اختلفت الحكايات. محامين داخلين خارجين بملفات ضخمة، ناس قاعدة على الكراسي الحديد مستنية دورها، وست كبيرة كانت قاعدة في الركن ماسكة منديل وبتداري دموعها، بينما صوت الحاجب جوه القاعة بينادي على القضايا واحدة ورا التانية وكأن اللي بيحصل مجرد روتين يومي عادي، مش مصاير بيوت وحيوات كاملة بتتحدد في اللحظات دي.
حسيت بكريم وهو بيقف قريب مني، قريب زيادة عن اللزوم، بالطريقة اللي كان دايمًا بيستخدمها لما يحب يفرض وجوده على أي حد. مال ناحية ودني وهو مبتسم الابتسامة اللي كنت زمان فاكرة إنها ثقة، وبعد سنين اكتشفت إنها مجرد قناع بيغطي خوفه الدائم من إنه يبان على حقيقته. قال بصوت واطي: “النهاردة أحسن يوم في حياتي يا رانيا… النهاردة هاخد منك كل حاجة.” سكت ثانية وبعدين كمل وهو بيبصلي من فوق لتحت: “كل حاجة.”
ما رديتش. ولا حتى بصيتله. كنت واقفة ماسكة شنطتي الجلد القديمة بإيدي الاتنين. شنطة بقالها سنين معايا، الجلد بتاعها بقى طري من كتر الاستخدام، وزواياها اتبهدلت مع الزمن، لكنها كانت شاهدة على حاجات كتير أوي محدش يعرفها. جواها ورق، ومستندات، وأسرار، وحقيقة كاملة ناس كتير كانت فاكرة إنها هتفضل مدفونة للأبد.
ورا كريم مباشرة كانت واقفة شيرين. أول ما عيني جات عليها افتكرت حاجات كتير في لحظة واحدة. كانت لابسة عباية استقبال بيضا أنيقة، وحاطة روج أحمر قوي، وعاملة نفسها واثقة ومتماسكة، لكن اللي يعرف يبص كويس كان هيشوف التوتر اللي مستخبي جواها. كانت واقفة بالطريقة اللي بتقف بيها واحدة متخيلة إن النهاية خلاص اتكتبت لصالحها. واحدة فاكرة إنها على وشك تدخل البيت اللي كانت ست تانية بتبنيه سنين طويلة، وكل اللي عليها تعمله إنها تستنى.
بصيت للغويشة اللي في إيديها. غويشة دهب عريضة فيها فص أزرق لامع. يمكن هي كانت شايفاها مجرد قطعة دهب جميلة، لكن أنا كنت أعرف الحكاية كلها. أعرف المحل اللي اتجابت منه، واليوم اللي اتشرت فيه، والساعة تقريبًا، والكذبة اللي اتقالتلي وقتها عشان يبرر غيابه. افتكرت الليلة دي بالتفاصيل، وافتكرت إزاي صدقت وقتها لأني كنت لسه بحاول أحافظ على بقايا ثقة ماتت من زمان.
كريم عدل ياقة قميصه وبصلي باحتقار واضح وقال: “شقة التجمع ليا، الحسابات ليا، وكل حاجة باسمي. إنتي اللي رفضتي التسوية الودية. كان ممكن نخلص بهدوء، لكن إنتي اللي اخترتي الطريق الصعب.”
كنت سامعاه كويس، لكن كلامه ما بقاش بيأثر فيا زي زمان. يمكن لأن الخوف استهلك نفسه خلال الشهور اللي فاتت. يمكن لأن الإنسان لما يوصل لآخر حدود وجعه بيبطل يخاف. أو يمكن لأن الحقيقة كانت معايا أخيرًا، والحقيقة ساعات بتدي لصاحبها هدوء غريب جدًا.
كريم كان مستني أشوفني منهارة. مستني دموع أو عصبية أو حتى محاولة دفاع يقدر يمسكها عليا بعدين. طول عمره بيحب المشاهد دي. بيحب الست اللي تعيط، والست اللي تصرخ، والست اللي تفقد أعصابها. لأن وقتها يقدر يلعب دور الضحية أو الحكيم أو الراجل العاقل اللي بيتحمل جنون اللي حواليه. أما السكوت، فكان دايمًا عدوه الحقيقي. السكوت مبيكشفش أوراقه بسهولة، وده كان أكتر حاجة بتوتره.
ضحك بصوت أعلى شوية عشان شيرين تسمع وقال: “طول عمرك هادية زيادة عن اللزوم. الستات الهادية بتتداس في الدنيا يا رانيا.”
ابتسمت شيرين ابتسامة صغيرة مليانة شماتة. لكني ما اهتمتش. بصيت ناحية الشباك البعيد في آخر الممر. المطر كان نازل بغزارة وسايب خطوط مائية على الزجاج. العربيات تحت المحكمة كانت ماشية ببطء وسط الزحمة، وأصوات الكلاكسات طالعة مكتومة بسبب المطر والحيطان السميكة. كان فيه إحساس غريب في الجو كله، إحساس إن حاجة كبيرة على وشك تحصل.
فجأة سمعت صوت مألوف جنب مني. الأستاذ شاكر وصل. الراجل اللي أغلب الناس كانت بتبصله وتفتكره محامي قديم خلاص الزمن عدى عليه. كان معدي السبعين، شعره أبيض بالكامل، ونظارته السلك الرفيعة مستقرة فوق مناخيره، وبدلته الرمادي شكلها قديم لكنها نضيفة ومرتبة. ماكنش بيحب الاستعراض، ولا بيحب الكلام الكتير. كان شايل ملف كرتون بسيط مقفول بأستك، وضامه لصدره كأنه أغلى حاجة معاه.
كريم بصله بنظرة استهانة واضحة. النظرة نفسها اللي كان بيبص بيها لأي حد يحكم عليه من شكله قبل ما يعرفه. لكن الأستاذ شاكر ما اهتمش. وقف جنبي وسألني بهدوء: “كل حاجة موجودة؟”
هزيت راسي وقلت: “كله موجود يا أستاذ.”
لأول مرة من الصبح بصيت في عين كريم مباشرة. يمكن ثانية واحدة بس. لكنه شاف حاجة ماكانش متعود يشوفها مني. شاف ثقة. شاف يقين. شاف ست خلاص بطلت تخاف منه.
الأستاذ شاكر هز راسه وقال: “كويس. يبقى على بركة الله.”
كريم ضحك بسخرية، لكن ضحكته ماكملتش للنهاية. لأن في اللحظة دي بالضبط باب القاعة اتفتح، والحاجب نادى على القضية. وكلنا اتحركنا ناحية الداخل.
وأنا ماشية ورا الأستاذ شاكر، افتكرت أول سنة جواز. افتكرت إزاي كريم كان مختلف، أو يمكن أنا اللي كنت شايفاه مختلف. كان بيعرف يتكلم كويس، ويعرف يختار كلامه بعناية. كان دايمًا بيقنع الناس إنه شخص ناجح وطموح، وكنت أنا أول حد صدق الصورة دي. وقتها ماكنش عنده غير وظيفة عادية جدًا وراتب بالكاد يكفي احتياجاته. لكن كان عنده أحلام كبيرة، وأنا كنت مؤمنة بيها أكتر منه أحيانًا.
اشتغلت وساعدته وخططت معاه. كنت برجع من شغلي وأقعد بالساعات أراجع حسابات وأعمل دراسات وأرتب أموره المالية. كنت شايفة إن نجاحه نجاح لينا إحنا الاتنين. ماكنتش بحسب مين عمل أكتر ومين تعب أكتر. كنت فاكرة إن الجواز شراكة حقيقية.
لكن مع الوقت بدأت ألاحظ إن كلمة “إحنا” بتختفي من كلامه وتحل محلها كلمة “أنا”. أنا عملت، أنا نجحت، أنا بنيت، أنا اشتريت. وكأن كل السنين اللي فاتت اتشالت من الصورة. وكأن وجودي نفسه بقى تفصيلة صغيرة مالهاش قيمة.
في العزومات كان يقاطعني قبل ما أتكلم. لو حد سألني عن شغلي يجاوب هو. لو حد مدحني يغير الموضوع بسرعة. ولو حد حاول يعرف دوري الحقيقي في أي حاجة، كان يحوله لنكتة أو تعليق عابر. ومع الوقت الناس صدقت الرواية اللي رسمها. رواية الراجل العصامي اللي صنع نفسه بنفسه، والزوجة الهادية اللي قاعدة في البيت تتفرج عليه وهو بيحقق النجاحات.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
أنا ماكنتش مجرد زوجة قاعدة في البيت. أنا كنت اللي بمسك الحسابات، وبراجع العقود، وبكتشف الأخطاء قبل ما تتحول لكوارث. كنت اللي بقعد بالساعات أرتب الملفات وأحل المشاكل اللي محدش بيشوفها. كنت العقل اللي شغال في الخلفية طول الوقت من غير تصفيق ومن غير تقدير.
ومع كل نجاح كان بيزيد غروره شوية. ومع كل سنة كان بيبعد أكتر عن الشخص اللي عرفته في البداية. لحد ما جه اليوم اللي اكتشفت فيه شيرين. يومها ماعملتش فضيحة ولا خناقة. ماصرختش ولا كسرت حاجة. قعدت بس، وبدأت أراقب. أسمع. أجمع. وأفهم.
يمكن دي كانت أكبر غلطة عملها كريم. إنه افتكر إن هدوئي معناه غباء. وإن سكوتي معناه إني مش شايفة. وإن الست اللي بتعرف تدير ملايين في الحسابات مش هتعرف تدير معركة تخص حياتها نفسها.
دخلنا القاعة، وكل واحد أخد مكانه. كريم قعد واثق، وشيرين قعدت ورا بين الحضور، ومحاميه رتب أوراقه قدامه بثقة كبيرة. أما أنا فقعدت مكاني بهدوء. قلبي كان بيدق، أكيد، لكن عقلي كان ثابت. ثابت بشكل عمره ما كان قبل كده.
في اللحظة دي بالذات، وأنا قاعدة مستنية بداية الجلسة، حسيت لأول مرة من شهور إني مش جاية أدافع عن نفسي. أنا جاية أسترد نفسي.