لغز التذكرة رقم 14: الحكاية الكاملة لما حدث في محطة القطار
أنا بقالي يومين مش عارفة أنام، وكل ما أغمض عيني أرجع لنفس اللحظة، لنفس الرصيف، لنفس الصوت اللي كان بيتردد في وداني كأنه متعلق بين السماء والأرض. عمري ما كنت من الناس اللي بتجري ورا الحكايات الغريبة أو تصدق أي قصة تتقال عن محطات مهجورة أو أرواح تائهة، أنا طول عمري عملية زيادة عن اللزوم، باحسب كل حاجة بالعقل والمنطق، وبضحك لما حد يحكيلي عن مواقف “مش مفهومة”. لكن اللي حصل معايا الليلة دي هزّ ثقتي في كل حاجة كنت فاكرة إني فاهمة حدودها.
الليلة بدأت عادية جدًا. كنت راجعة متأخر بعد يوم شغل طويل، والقطر اللي كنت مستنياه كان آخر قطر في اليوم. المحطة كانت شبه فاضية، والجو كان ساكن بطريقة غريبة، السكون اللي يخليك تسمع صوت نفسك وانت بتتنفس. الأنوار الصفراء القديمة معلقة فوق الرصيف، بتدي إحساس إن الزمن واقف من سنين، ومفيش غيري أنا وشخص واحد تاني بعيد شوية، راجل عجوز قاعد على دكة خشب قديمة.
لفت نظري من أول لحظة. كان لابس بلطو أسود قديم، شكله طالع من صورة أبيض وأسود، والياقة مرفوعة كأنه بيحتمي من برد مش موجود. راسه متغطية بكاب صوف داكن، ووشه مش باين كويس بسبب الإضاءة الضعيفة. في إيده شنطة جلد باهتة، الجلد متشقق من كتر السنين، وكأنها شافت سفر أكتر من اللي شافه أي إنسان. كان كل شوية يبص في ساعته، ساعة جيب بسلسلة فضة، وشفايفه بتتحرك بكلام مش مفهوم.
حاولت أتجاهله، لكن الإحساس اللي كان جوايا ماكانش طبيعي. مش خوف مباشر، لا، كان إحساس بالترقب، كأن حاجة هتحصل وأنا مستنياها من غير ما أعرف. فجأة، قام من مكانه. الحركة كانت بطيئة، محسوبة، لكنه اتحرك في اتجاهي بخطوات ثابتة. قلبي دق أسرع، ورجعت خطوة لورا من غير ما أحس.
وقف قدامي على مسافة قريبة، ووشه كان أوضح شوية. ملامحه ماكانت مشوهة ولا مخيفة، بالعكس، كان فيها حزن عميق، الحزن اللي يتراكم سنين طويلة. مد إيده ناحيتي بتذكرة قطار قديمة، مكرمشة، لونها أصفر باهت كأنها من زمن تاني. بصوت مبحوح لكنه هادي قال لي: “يا بنتي، القطر هييجي وأنا مش هقدر أركب. أمانة عليكي، التذكرة دي تروحي تديها للست اللي في العربية رقم 4. قولي لها يحيى وصل، ومستنيكي هناك.”
اسمه خرج من بين شفايفه كأنه كلمة تقيلة عليه. كنت لسه هسأله هو مين ويحيى مين ومستنيها فين، لكن قبل ما أفتح بقي، صوت القطر قطع كل حاجة. دخل المحطة فجأة بصوت احتكاك حديد في حديد، ونفخة هوا قوية خلت شعري يتحرك. بصيت جنبي ثواني، ولما رجعت أبص له… ماكانش موجود.
مش اختفى وهو بيجري، ولا لف وراح ناحية تانية، لا، هو ببساطة ماكانش هناك. الرصيف كان فاضي، الدكة فاضية، ومفيش أثر لحد. حتى شنطته ماكانت موجودة. وقفت مكاني ثواني مش قادرة أتحرك، وبعدين من غير ما أفكر، طلعت القطر والتذكرة في إيدي.
كنت ناوية أرجعها لأي موظف وأخلص، لكن حاجة جوايا قالت لي كملي. يمكن فضول، يمكن خوف، يمكن إحساس إني دخلت حكاية ومش هينفع أخرج منها بسهولة. مشيت جوه القطر لحد ما وصلت للعربية رقم 4. أول ما دخلتها حسيت ببرودة غريبة، مش برودة تكييف، برودة بتوصل للعظم.
العربية كانت فاضية تقريبًا، غير ست واحدة قاعدة جنب الشباك. كانت لابسة فستان أبيض شيفون، بس مش أبيض ناصع، أبيض باهت عليه تراب خفيف، كأنه محفوظ من زمن بعيد. شعرها طويل، منسدل بهدوء، وراسه ساندة على الزجاج، كأنها بتستنى حاجة بقالها وقت طويل.
قربت منها بخطوات مترددة، وصوت قلبي مسموع في وداني. قلت لها بهدوء: “لو سمحتي، فيه حد اداني التذكرة دي وقال أديها لحضرتك وأقولك إن يحيى وصل ومستنيكي هناك.”
ببطء شديد، لفت وشها ناحيتي. النور كان بيقطع ويرجع، وكل مرة يضرب على ملامحها يبين حاجة مختلفة. ماكانت مش ست كبيرة زي ما توقعت، كانت شابة بملامح هادية، بشرتها فاتحة جدًا، وعينيها واسعة بشكل يخليك تحس إنها شايفة أبعد من المكان اللي قاعدين فيه. ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: “أخيرًا جيت يا يحيى… اتأخرت أوي.”
الجملة خرجت منها وكأنها بتكلم حد غيري. حسيت ببرودة بتسري في جسمي. فجأة القطر فرمل بقوة، الأنوار طفت خالص، وصوت الاحتكاك ملأ المكان. مسكت في المقعد عشان ما أقعش. بعد ثواني رجع النور… الكرسي قدامي كان فاضي.
الست اختفت. مش قامت ومشيت، مش عدت من جنبي، لا، ببساطة مش موجودة. التذكرة وقعت على الأرض قدام رجلي. انحنيت بسرعة أمسكها، لكن أول ما لمستها، حسيت بورقها بيتفكك. اتحولت لرماد ناعم بين صوابعي، ووقع على أرضية القطر كأنه عمره ما كان ورق.
وقفت مش قادرة أستوعب. دورت حواليّ، سألت الركاب اللي بدأوا يدخلوا العربية بعد الوقفة المفاجئة، محدش شاف ست بالفستان الأبيض، محدش شاف راجل عجوز على الرصيف. كأن الحكاية كلها حصلت في مساحة خاصة بيا لوحدي.
نزلت من القطر في أول محطة بعدها وأنا حاسة إني ماشية في حلم. الليل كان أهدى من الأول، بس جوايا كان في دوشة ما بتخلصش. رجعت البيت، حاولت أقنع نفسي إني كنت مرهقة، إن خيالي لعب بيا، إن يمكن التذكرة كانت قديمة بس عادية، وإن الست نزلت في لحظة الإظلام. لكن كل تفصيلة كانت واضحة زيادة عن اللزوم عشان تكون وهم.
تاني يوم، الفضول غلبني. دخلت على الإنترنت وبدأت أدور في تاريخ المحطة دي. لقيت مقالات قديمة، أرشيف جرائد، حوادث قطارات من سنين طويلة. وفي وسط الصور، وقفت قدام صورة متاخدة سنة 1970. كانت صورة لخبر عن شاب اسمه يحيى، توفى في حادث قطار قبل ما يلحق يقابل خطيبته اللي كانت مستنياه في العربية الرابعة.
الصورة التانية اللي كانت جنب الخبر كانت لبنت لابسة فستان أبيض بسيط، ملامحها هادية وعينيها واسعة. اتجمدت وأنا ببص للصورة، لأنها كانت نفس الملامح اللي شفتها قدامي الليلة اللي فاتت. نفس الابتسامة الخفيفة، نفس النظرة البعيدة.
الخبر بيقول إن الفتاة اختفت بعد الحادث بأيام، وإن في شهود قالوا إنهم شافوها في المحطة ليلًا أكتر من مرة، كأنها لسه مستنية. قفلت الصفحة وأنا إيدي بتترعش. حسيت إن اللي حصل معايا ماكانش صدفة، ولا تهيوء، كان جزء من حكاية مفتوحة بقالها سنين.
من يومها وأنا كل ما أعدي جنب محطة القطر دي أحس إن في حد بيبص لي، مش نظرة مخيفة، لكن نظرة شكر، أو يمكن وداع. ساعات أقول لنفسي يمكن الرسالة وصلت، يمكن كلمة “يحيى وصل” كانت آخر خيط بيربطهم بالمكان ده. وساعات تانية أرجع أسأل نفسي: لو التذكرة اتحولت لرماد، يبقى إيه اللي كان في إيدي فعلًا؟
أنا مش بطلب من حد يصدقني، ومش بدور على تفسير جاهز. كل اللي أعرفه إن في ليلة عادية، في محطة قطر شبه فاضية، استلمت أمانة من زمن تاني، وسلمتها، وانتهت الحكاية قدامي، لكن يمكن ما انتهتش هناك. يمكن في حكايات بتفضل مستنية حد يكملها، حتى لو بعد خمسين سنة.
ولو سألتوني هل هرجع أستنى القطر في نفس المعاد؟ الحقيقة إني مش عارفة. جزء مني بيخاف، وجزء تاني حاسس إن لو رجعت يمكن أفهم أكتر. لكن الأكيد إن التذكرة رقم 14، اللي ما بقتش موجودة، غيرت نظرتي لحاجات كتير، وخلتني أؤمن إن في قصص بتعيش أطول من أصحابها، وتختار بنفسها اللحظة اللي تتحكي فيها من جديد.