رواية اجتماعية: حين تتحول البراءة إلى فرجة

رواية اجتماعية: حين تتحول البراءة إلى فرجة


في الليلة اللي كان المفروض تبدأ فيها حياة جديدة، كانت حورية واقفة قدام مهران مش باعتبارها عروسة، لكن كأنها متهمة واقفة قدام قاضي شايل الحكم في عينه قبل ما يسمع دفاعها. كلام الناس سبقها، الشك سبقها، والخوف من “كلام البلد” سبق كل حاجة. لما مهران قال: «عشان أثبت براءتك لازم الدخلة تبقى بلدي، وأبوكي يرفع راسه»، حسّت كأن الكلمة مش طالعة من بقه، طالعة من أفواه كتير متخبية وراه.

رجليها خانتها لحظة، مش ضعف، لكن صدمة. لحقت نفسها، لأن الوقوع في اللحظة دي كان هيبقى اعتراف ضمني، واللي اتظلم مرة بيتعلم يقف حتى وهو بيتكسر. مهران كمل، وصوته فيه قسوة متغلفة بالمنطق: «ولو خايفة من حاجة، عرفيني دلوقتي». ضحكت حورية ضحكة قصيرة، متكسرة، ضحكة واحدة كانت شايلة وجع عمر كامل، وقالت: «أنا مش خايفة من حاجة عملتها… أنا خايفة من ظلمكم».

رفعت عينيها ليه، الدموع لمعت لكن ما نزلتش، مش كبرياء، لكن عناد. «إنتوا مش عايزين الحقيقة، إنتوا عايزين فرجة. وأنا مش فرجة لحد». الصمت نزل بينهم، صمت تقيل، بس ما كانش فاضي، كان مليان نار مستخبية. النار دي كانت بتاكل في صدر حورية من بدري، بس الليلة دي بس اللي فهمت فيها إنها وصلت لآخر الخط.

بصت له نظرة وجع عمره ما شافه قبل كده، وقالت بهدوء ثابت يخوف: «اتهمتوني في شرفي، وصدقني… هتندم. كلكم هتندموا، وأنا مش هسامح». مهران شد فكه، حاول يتمسك بدور الرجل القاسي اللي ماسك زمام الأمور، لكن لأول مرة حس إن الدور ده بيتخلخل.

قربت خطوة، وقفت قصاده بالضبط، لا باكية ولا منهارة، كأنها خلاص خدت قرارها: «أنا هسبقك على الجناح، وموافقة إن الدخلة تبقى بلدي، ومراتك تبقى فرجة لأهل النجع… بس لما تتأكد بنفسك إني شريفة، هتطلقني». الكلمة نزلت عليه تقيلة، زي حجر في مية راكدة، رنت في ودنه، وخلته يشك في نفسه قبل ما يشك فيها.

حاول يداري لخبطة جواه بالهجوم: «بتتشرطي؟ شكلك الدلع زوّدك». مالت عليه وهمست بنبرة باردة زي حد السكينة: «مش شرط، ده حق. اللي يهون عليه شرفه عشان يرضي الناس، ما يستحقش يفضل شرفه في بيته. أنا طالعة الجناح، وكلمتي مش هرجع فيها». وسابته وطلعت السلم بخطوات ثابتة، رغم إن قلبها كان بيترعش من جوه.

دخلت الأوضة وقفلت الباب. بصت لنفسها في المراية، شافت واحدة غير اللي كانت تعرفها. مسحت دمعة كانت قربت تنزل وقالت بصوت واطي: «يا خبر بفلوس بكرة يبقى ببلاش». تحت، الزغاريد كانت عالية، والرصاص في الهوا، والهيصة خانقة. أبوه قرب منه: «ها يا ولدي؟ رفعت راسي؟». مهران رد بصوت مكسور: «اللي هيتكسر الليلة، مفيش قوة تجمعه».

طلع الجناح وهو بيجر رجليه، كل خطوة كانت تقربه من حقيقة خايف يشوفها. كانت حورية واقفة قدام الشباك، ضهرها له، فستانها الأبيض مفروش على الأرض زي كفن لحب مات من غير جنازة. قفل الباب بالمفتاح، والصوت كان له رنة مرعبة.

لفّت وشها ناحيته، ملامحها فاضية من أي إحساس. قال بصوت مخنوق: «البلد كلها مستنية البياض». فكت طرحتها بهدوء وقالت: «نفذ اللي جيت عشانه… وبعد الليلة دي، مفيش حورية في حياتك».

الساعتين اللي فاتوا قلبوا كل حاجة. لما خرج، رفع القماش الأبيض وسط الزغاريد، بس جواه كان غرقان. رجع الجناح، لقاها مغيرة لبسها، شنطة صغيرة جنبها. حاول يتكلم، اعترف، توسّل، لكنها قالت بهدوء موجع: «الملكة ما يُشككش في شرفها».

الصبح نزلت وراه بعبايتها السودة. أعلن قدام الكل: «حورية شريفة… وأنا بنفذ وعدي». لما قال «طالق بالتلاتة»، الكلمة وقعت زي الصاعقة. خرجت من غير ما تبص وراها.

بعدها، الحقيقة ظهرت. المؤامرة اتكشفت. راح لها مكسور، اعترف، طلب السماح. ردها كان هادي وقاطع: «اللي وجعني مش اللي عملوه… اللي وجعني إنك صدقت».

مرت الشهور. حورية وقفت على رجلها، اشتغلت، كبرت، وبقت رمز. مهران عاش بندمه. بنى مدرسة ومستشفى باسمها، وراح لها بورقة الطلاق وقال: «مهران مات يوم ما شك فيك».

فضلت حورية شامخة، تعلم البنات إن الكرامة أغلى من الدم، وإن الست مش عرض، دي روح… والروح لو اتكسرت، لا مال الدنيا ولا ندمها يقدر يجبرها.

كانت السرايا بعد خروج حورية شبه بيت اتسحب منه النفس فجأة. نفس الحيطان اللي كانت من ساعات بترقص على الزغاريد بقت واقفة صامتة، كأنها مش مصدّقة اللي حصل. في المندرة، الحاج عتمان فضل قاعد فارد ضهره، السِبحة بتلف بين صوابعه، وهو بيحاول يسيطر على الغضب اللي بيغلي جواه. عينه كانت بتدور على مهران، مش بس كأب مستني ابنه يبرر، لكن كرجل كبير شايف إن الهيبة اتجرحت قدام الناس.

مهران كان قاعد على الكرسي كأنه اتربط فيه. الظهر اللي كان طول عمره مستقيم، انحنى، مش بسبب تعب، لكن بسبب كلمة واحدة اتقالت واتنفذت، كلمة قصّت بينه وبين نفسه خيط ما كانش يتخيل إنه ممكن ينقطع. كان بيسمع همس الرجالة في المندرة، وبيشوف نظرات النسوان من بعيد، وكل نظرة كانت بتعمل في قلبه خرم جديد. مشكلته إنه فهم متأخر… فهم إن “البياض” اللي الناس عملوا منه فرجة، كان في الحقيقة سواد داخلهم هم.

الكل انصرف واحد ورا التاني، والبيت فضل فاضي إلا من أثر الليلة. وفجأة، وسط الصمت، طلع صوت ضحكة مكتومة من ورا ستارة جانبية. مهران رفع عينه بسرعة. الضحكة دي مش غريبة عليه… دي ضحكة حد بيحاول يخبّي شماتته تحت قناع “الطيبة”. خرجت هنية، بنت عم مهران التانية، بخطوات هادية، ماسكة طرف طرحتها كأنها داخلة تواسي، مش داخلة تزرع نار.

قالت وهي بتحط إيدها على صدرها كأنها متأثرة: «ولا تزعل نفسك يا ولد عمي… هي اللي اختارت تمشي وتفضحنا تاني. بكرة نلاقي لك ست ستها، والنُّجع مليان بنات». كانت بتتكلم وهي بتراقب وشه، مستنية منه كلمة ضعف، مستنية منه “فتحة باب” تدخل منها.

مهران ما ردش في الأول. بس عينه اتحولت فجأة لنظرة جامدة خلتها تتوتر. قام من مكانه مرة واحدة، ومسك دراعها بغل من غير ما يحس بنفسه. هنية شهقت: «إيه يا مهران؟!» هو قرب منها أكتر، وصوته طلع واطي بس قاطع: «إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ وإيه اللي عرفك باللي حصل فوق… وأنا ما حكيتش لحد؟»

هنية بلعت ريقها، وحاولت تضحك ضحكة خفيفة: «يا ولد عمي… ده الخدم بيتكلموا، وبعدين البلد كلها سمعت». مهران شد على إيدها أكتر، وقال بعينين حمر من السهر والقهر: «الخدم ما يعرفوش شرط الطلاق. الشرط ده كان بيني وبينها، والباب مقفول. قوليلي… كنتِ واقفة ورا الباب؟ ولا إنتِ اللي كنتِ زارعة الشك في قلبي من الأول؟»

ارتبكت، وملامحها اتقلبت في ثانية. حاولت تسحب دراعها: «إنت بتتهمني؟!» مهران سابها فجأة، لكن جواه كان اتفتح باب ما يتقفلش بسهولة. لأول مرة يحس إن الشك اللي عاشه ما جاش من الهوا، وإن فيه إيد بتزقّه ناحية الغلط وهو فاكر إنه بيحمي نفسه.

في الناحية التانية، كانت حورية ماشية على طريق ترابي بعيد عن النجع، شنطتها في إيدها، والليل سايب برده على كتفها. هي ما كانتش بتبكي، مش لأن الوجع قليل، لكن لأنها وصلت لمرحلة الوجع اللي يخلي الدموع تكسف تطلع. كل خطوة كانت بتبعدها عن سرايا مهران… بس كانت كمان بتبعدها عن نفسها القديمة.

وصلت بيت جدتها لأمها، بيت قديم على أطراف المكان، بعيد عن العيون اللي بتحب تتدخل. جدتها كانت قاعدة قدام الباب، كأنها كانت مستنياها من غير ما حد يقول لها. بصت لحورية، وشافت في عينيها حكاية كاملة من غير كلمة. قامت ببطء، وفتحت حضنها. حورية أول ما شافت حضن جدتها، كل القوة اللي كانت ماسكاها اتفلتت مرة واحدة، وقعدت على الأرض ودفنت وشها في حجرها.

همست بصوت مبحوح: «كسروني يا تيتة… كسروا البنت اللي كانت بتخاف من خيالها… وخلّوني أقف قدام النجع كله وأنا ميتة». الجدة مسحت على شعرها بإيد دافية، وقالت بنبرة اللي شاف كتير: «اللي يتكسر يتصلح يا بنتي… بس اللي يتباع… ميرجعش غالي تاني. مهران هيجيلك زاحف… بس ساعتها السعر هيكون غالي قوي».

الكلام دخل قلب حورية زي سكينة بطيئة. هي ما كانتش عايزة “سعر”، ولا انتقام بمعناه السطحي. هي كانت عايزة حاجة واحدة بس: إنها ترجع تحترم نفسها… بعد ما اتجبرت تبقى فرجة عشان تثبت إنها “نضيفة”.

وفي السرايا، مهران ما قدرش ينام. الليل كان بيقعد على صدره زي حجر. كل ما يقفل عينه، يشوف وش حورية وهي بتقول: “أنا مش فرجة لحد”. قام قبل الفجر، وراح ناحية أوضة هنية من غير ما يشعر. الباب كان مقفول، لكنه فتحه بعصبية. دَوّر بعينه في المكان، كأنه بيدور على دليل يثبت إحساسه.

بدأ يفتش في أدراجها بعصبية مكتومة… لحد ما لمس حاجة صلبة مستخبية بين هدوم. طلع تليفون صغير قديم، من النوع اللي يستخبى بسهولة. قلبه دق بسرعة. فتحه… ووشه اتغير. رسايل… صور… أرقام مجهولة… وكل حاجة كانت بتصب في نفس الاتجاه: الشرارة اللي ولعت الشك في قلبه كانت متزروعة، مش صدفة.

اتسعت عينيه وهو بيقلب الرسائل، ودمه يغلي. الصور كانت مفبركة، كلام متلفق، وسيناريو معمول بعناية عشان يبان “منطقي”. في اللحظة دي، حس مهران إنه مش بس ظلم حورية… ده اتلعب بيه هو كمان زي العيل. اتسرقت رجولته من غير ما يحس، واتفصلت كرامته على مقاس ناس تانية.

نزل الساحة وهو ماسك التليفون، وصرخته هزت الحيطان: «يا عتمان يا هووه! يا سليم يا هووه! اطلعوا… شوفوا الفجر اللي كان عايش وسطنا!» الناس اتجمعت على صوت مهران، والعيون اتفتحت، والليل اتقطع.

طلع عمه سليم (أبو هنية) وهو مش فاهم، والحاج عتمان وراه، وناس من الرجالة. مهران رمى التليفون قدامهم وقال بصوت فيه خزي وغضب: «بنتك هي اللي باعت شرفنا يا عمي! بنتك هي اللي لوثت سمعة حورية بصور ورسائل كدب! أنا دبحت مراتي بدم بارد عشان خاطر حية عايشة معانا!»

هنية طلعت على الصوت، وشها شاحب، حاولت تعمل مشهد صريخ وبكاء: «إنت بتظلمني يا مهران!» لكن مهران ما كانش سامع. كان شايف بس وش حورية، شايف طرحتها وهي بتترمي على الأرض، شايف الفرجة اللي هو وافق عليها بإيده.

ما ضيعش وقت. ركب خيله في عز الليل، وطريق بيت الجدة قدامه. كان بيجري كأنه بيجري ورا عمره اللي ضاع. لما وصل، نزل وهو بينهج. لقى حورية قاعدة قدام فرن بلدي، بتولع نار للحطب، النار بتنور وشها، لكن عينها كانت أبرد من أي نار.

بصت له من غير ما تقوم، وقالت كأنها بتسأل سؤال معروف إجابته: «جيت ليه يا ولد عمي؟ الورقة لسه موصلتش؟» مهران وقف لحظة، وبعدها نزل على ركبته قدامها، والدموع اللي عمرها ما شافته بتطلع منه… نزلت. قال بصوت مكسور: «حورية… أنا عرفت. هنية هي اللي عملت كده. أنا مستعد أقطع رقبتها تحت رجلك… بس سامحيني. ارجعي… النجع كله يعتذر».

حورية سابت الحطب من إيدها، وبصت للنار كأنها بتشوف جواها عمرها. ردت بهدوء يوجع: «اللي وجعني مش هنية… اللي وجعني إنت. إنت اللي كان مفروض تكون سندي… أول واحد مسك السكينة». قامت ببطء، نفضت الرماد من إيدها، وقالت: «ناري بردت لما شفتك مكسور… بس قلبي مبيبردش. روح… وطلاقي يوصلني… ومتجيش هنا تاني».

مهران حاول يتكلم، بس الكلمات كانت بتضيع قبل ما تطلع. قام ببطء، ركِب خيله، ولف ضهره وهو شايل خيبته. وهو ماشي في ليل الصعيد، حس إن كل حجر وكل شجرة بتشاور عليه وتقول: “ده اللي ضيع جوهرته بإيده”.

الأيام بعد كده ما كانتش أيام… كانت عقاب طويل. السرايا اللي كانت بتتهز من صوته بقت ساكتة. طرد هنية وأبوها، وقطع وشّ العيلة قدام النجع كله. بس ده ما كانش بيخفف. الوجع الحقيقي كان جواه. كان بيصحى على نفس الجملة: “أنا مش فرجة لحد”، وينام على نفس النظرة.

أما حورية… فالعاصفة ما كسرتهاش. بمساعدة جدتها، بدأت تشتغل بإيديها. تطريز، شيلان، مفروشات صعيدي قديم، شغل فيه روح، شغل بيخلّي البنت تحس إنها قادرة تعيش من غير ما تستنى “حد يحنّ”. واحدة واحدة، اسمها بقى يتقال بوقار. الناس اللي كانت بتنهش في سيرتها بقوا ييجوا يشتروا من شغلها… يمكن عشان يعوضوا ذنبهم، ويمكن عشان الزمن بيكشف الحقيقة ولو بعد حين.

وفي يوم، النجع صحي على خبر هز البيوت. مهران باشا اتنازل عن نص أملاكه لبناء مدرسة ومستشفى باسم “حورية”. ما كانش بيستعرض، كان بيكفّر عن خطيئة، بيحاول يلاقي طريق يرجّع له احترامه لنفسه. كتب على باب المكان كلمة واضحة، مش عشان الناس، عشان نفسه: «إلى من ظُلمت فكانت هي العزّ ونحن الهوان».

وجاء يوم أخير. مهران راح لبيت الجدة، مش عشان يرجعها… لأنه عرف إنه ما يستحقش. كان شايل ورقة في إيده، ورقة الطلاق، ومعاها ورقة تانية فيها حق مادي كبير. لما فتحت حورية الباب وشافته، ما اتغيرش وشها. لا شفقة، لا غضب… بس سكون.

مد إيده بالورق وقال بصوت هادي متكسر: «ده حقك يا حورية… مش بس طلاقك… ده صك براءتك. أنا ماشي… ومعدتش هتشوفي وشي تاني… بس افتكري إن مهران مات يوم ما شك فيك». ساب الورق في إيدها ولف يمشي.

حورية بصت للورق… وبصت للسماء. أخدت نفس طويل. ما جرتش وراه. ما نادتش اسمه. لأن اللي اتكسر جواها ما بيتصلحش بكلمة “آسف”، ولا حتى بحياة كاملة من الندم.

النهاية ما كانتش نهاية انتصار بفلوس، ولا رجوع لسرايا. حورية ما أخدتش الفلوس. فضلت في بيت جدتها، شامخة زي النخل، بتعلم بنات النجع إن الكرامة أغلى من الدم، وإن الست مش مجرد “عرض” يتدارى… دي روح. والروح لو انكسرت… مفيش كنوز الدنيا تقدر تجبرها.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان