ابني حوّل هدوم أبوه الضابط المتوفي إلى 20 دبدوبًا للأيتام.. وفي الفجر جاءت الشرطة لتفعل شيئًا أبكاني

ابني حوّل هدوم أبوه الضابط المتوفي إلى 20 دبدوبًا للأيتام.. وفي الفجر جاءت الشرطة لتفعل شيئًا أبكاني


ابني حوّل هدوم أبوه الضابط المتوفي إلى 20 دبدوبًا للأيتام.. وفي الفجر جاءت الشرطة لتفعل شيئًا أبكاني

في الليلة اللي سبقت الفجر اللي غير كل حاجة، كنت قاعدة لوحدي في الصالة، والهدوء مالي البيت بطريقة تخوف أكتر ما تطمّن. الساعة كانت قربت على خمسة، نفس التوقيت اللي كان أحمد دايمًا بيرجع فيه من شغله، نفس الصوت اللي كنت مستنياه كل يوم… صوت المفتاح في الباب، وصوت خطواته وهو بيقول: “أنا جيت يا أم يوسف”. بس المرة دي، زي كل مرة من ساعة ما غاب، مفيش غير صمت تقيل بيقعد جنبي كأنه شخص تالت في البيت، بيراقبني وبيفكرني بكل حاجة فقدتها مرة واحدة. حياتي من سنة وشهرين كانت مستقرة، بسيطة، فيها دفء، فيها راجل سند، وفيها ولد بيكبر وسط أمان، لكن فجأة كل ده اتسحب من تحت رجلي، وبقيت أنا ويوسف بنحاول نلم نفسنا من غير ما نقع.

أنا عندي 45 سنة، مش صغيرة أوي ومش كبيرة أوي، بس اللي عديت بيه خلاني أحس إني عديت عمرين في سنة واحدة. جوزي أحمد كان ظابط شرطة، راجل بمعنى الكلمة، عمره ما خاف ولا اتردد، كان دايمًا أول واحد يدخل الخطر وآخر واحد يخرج منه. كنت بخاف عليه، آه، بس كنت فخورة بيه أكتر ما أنا خايفة، كنت حاسة إن وجوده في حياتنا حماية مش بس لينا، لكن لناس كتير. لحد اليوم اللي خرج فيه آخر مرة… ومارجعش. الخبر جالي زي الصاعقة، ومش فاكرة ساعتها صرخت ولا سكت، بس فاكرة كويس إن قلبي ساعتها وقف شوية… وبعدين رجع يشتغل بس بطريقة مختلفة، بوجع مستمر.

يوسف، ابني الوحيد، كان عنده وقتها 14 سنة، ودلوقتي بقى 15، بس في السنة دي كبر أكتر من سنه بكتير. يوسف مش زي باقي الولاد، مش بتاع خناقات ولا لعب كورة طول اليوم، كان هادي، بيحب يقعد مع نفسه، يلاحظ تفاصيل محدش بياخد باله منها. من وهو صغير، كان عنده شغف غريب بالقماش، بالإبرة، بالخيط، يقعد بالساعات يقص في هدوم قديمة ويعمل منها أشكال حلوة، وأنا كنت ببصله وأستغرب، بس كنت فرحانة إنه لقى حاجة بيحبها. حتى لما العيال في الشارع كانوا بيضحكوا عليه ويقولوا عليه “بتاع بنات”، كان يسكت، ويرجع يكمل اللي بيعمله كأن مفيش حاجة حصلت.

بعد وفاة أبوه، يوسف اتغير… مش بالصوت العالي ولا بالعصبية، بالعكس، بقى أهدى من اللازم، تركيزه زاد، بس كان فيه حزن ساكن جواه، حزن تقيل باين في عينيه حتى وهو ساكت. في يوم دخل عليا المطبخ، كان باصص في الأرض، وعينه حمرا، وقال بصوت مكسور: “ماما… ممكن أستخدم هدوم بابا القديمة؟” السؤال ده دخل قلبي زي السكينة، حسيت كأنه بيطلب مني أفتح جرح لسه ما التأمش، بس في نفس الوقت فهمت إنه محتاج يعمل حاجة، محتاج يطلع اللي جواه بطريقة ما. هزيت راسي بالموافقة وأنا بحاول ما أبينش ضعفي، وهو خد هدوم أبوه كأنها كنز.

من اليوم ده، يوسف اختفى بمعنى الكلمة. موجود في البيت، آه، بس كأنه في عالم تاني. يقعد بالساعات على ترابيزة المطبخ، قص، خياطة، ترتيب، يشتغل لحد الفجر، ينام شوية ويصحى يكمل، وأنا كنت براقبه من بعيد، مش عايزة أقطع عليه اللحظة اللي ممكن تكون هي الشيء الوحيد اللي مخلّيه واقف على رجله. لمدة تلات أسابيع، البيت كله بقى مليان بقايا قماش، خيوط، دبابيس، وهدوء غريب… هدوء فيه تركيز، وفيه وجع، وفيه حاجة بتتكون.

لما خلص، دخل عليا وهو شايل أول دبدوب عمله. كان شكله بسيط، بس فيه روح… حاجة مش مفهومة، كأنه مش مجرد لعبة، كأنه حكاية متخاطة بإيديه. بعدها بيومين كان عنده 20 دبدوب، كل واحد فيهم مختلف شوية، بس كلهم فيهم نفس اللمسة. سألته وأنا بحاول أفهم: “ليه بتعمل كده يا يوسف؟” بصلي بهدوء، وهز كتفه وقال: “العيال في دار الأيتام… معندهمش حد يحضنهم”. الجملة دي وقعت عليا تقيلة، لأنه في الحقيقة كان بيتكلم عن نفسه كمان… هو كمان فقد الحضن.

قررنا نودي الدبابيب لدار الأيتام القريبة مننا يوم التلات. اليوم ده كان مختلف، أول ما دخلنا، العيال جريت علينا، وعيونهم لمعت أول ما شافوا الألعاب. يوسف كان واقف ساكت، بس لما بدأ يوزع الدبابيب بإيده، شفت في عينيه لمعة رجعتلي جزء من ابني اللي كنت خايفة يكون ضاع. مديرة الدار وقفت جنبنا ودموعها نازلة، وقالتلي إن اللي يوسف عمله مش عادي، وإنه دخل الفرحة على قلوب الأطفال بطريقة صعب تتوصف. وأنا لأول مرة من شهور حسيت براحة… راحة خفيفة كده، زي نفس عميق بعد اختناق طويل.

بس الراحة دي ما كملتش.

الأربع، الساعة 5:45 الفجر، كنت لسه صاحيه، يمكن لأني اتعودت على الوقت ده، أو يمكن علشان قلبي مش بيهدى. فجأة صوت خبط جامد على الباب قطع الصمت. خبط مش عادي، خبط يخض، يخليك تحس إن في حاجة كبيرة بتحصل. قلبي نزل في رجلي، وقفت مكاني لحظة مش قادرة أتحرك، وبعدين قربت من الشباك أبص… لقيت 4 عربيات شرطة واقفين قدام البيت. المنظر رجعلي كل الذكريات مرة واحدة، نفس العربيات، نفس الإحساس، نفس الخوف.

فتحت الباب وإيدي بتترعش، والظابط الكبير واقف قدامي بوش جاد، وقال بحزم: “يا مدام، لو سمحتي إنتي وابنك تطلعوا بره فورًا.” قلبي كان بيدق بعنف، ومش فاهمة إيه اللي بيحصل. صحيت يوسف بسرعة، نزلنا قدام البيت في برد الفجر، والجيران بدأوا يفتحوا الشبابيك يتفرجوا. المشهد كله كان مرعب، وكأننا في فيلم… بس ده كان واقع.

اتنين من الظباط راحوا ورا عربية الشرطة، وفتحوا الشنطة ببطء… وأنا حاسة إن نفسي بيتقطع، وعقلي بيجري في كل الاتجاهات، بفكر: هل في مشكلة؟ هل يوسف عمل حاجة؟ هل أنا مش فاهمة حاجة؟ أول ما الشنطة اتفتحت، بصيت… واتصدمت.

الدبابيب.

كلهم هناك، العشرين دبدوب اللي يوسف عملهم، مرصوصين بعناية جنب بعض، وكأنهم في عرض خاص. قبل ما أفهم، الظابط الكبير بصلي في عيني، وابتسم ابتسامة غريبة… فيها حزن وفخر في نفس الوقت، وقال بصوت عالي يسمعه الكل: “تمام يا فندم… القوة كلها جاهزة للتحية!”

في لحظة، الدنيا اتقلبت من خوف لذهول. الظباط وقفوا صف واحد، وكلهم رفعوا إيديهم بالتحية العسكرية… مش ليا، ولا لأي حد… ليوسف. ابني اللي كان واقف جنبي بيترعش من الخوف، بقى فجأة في نص مشهد عمره ما كان يتخيله. الظابط قرب منه وقال: “إنت يوسف؟” هز راسه بخوف، فالظابط كمل بصوت أهدى: “إحنا عرفنا اللي عملته… وعرفنا إن كل دبدوب فيهم فيه رتبة من رتب أبوك، وإنك كاتب جوه كل واحد رسالة.”

ساعتها أنا اللي اتفاجئت، لأني مكنتش أعرف التفاصيل دي. الظابط قال: “مديرة دار الأيتام لما لاحظت الموضوع، بلغت المديرية، وإحنا كزمايل أبوك… مقدرناش نعدي الموضوع ده عادي. اللي عملته مش لعبة… ده شرف، وده إنسانية، وده امتداد للي كان أبوك بيعمله بطريقته.” صوت الظابط كان بيهتز شوية، واضح إنه متأثر.

بعدين قال الجملة اللي عمري ما هنساها: “النهارده، إنت مش بس ابن الظابط أحمد… النهارده إنت ظابط القلوب.”

يوسف رفع عينه للسما، وابتسم ابتسامة صغيرة، وكأنه شايف أبوه واقف هناك، بيبصله بفخر. وأنا دموعي نزلت من غير ما أحس، دموع فيها حزن وفرح وفخر وخوف… كل حاجة مع بعض. الظباط قالوا إنهم جايين ياخدوه يلف على أكتر من دار أيتام تانية، يوزع الدبابيب بنفسه، ويكمل الرسالة اللي بدأها.

ركب يوسف عربية الشرطة، وهو ماسك دبدوب في إيده، بس المرة دي مش مجرد لعبة… كان شايل فكرة، شايل ذكرى، شايل حكاية أبوه… بطريقته هو.

وأنا واقفة أبص عليه وهو بيبعد، لأول مرة من يوم ما أحمد مشي، حسيت إن فيه حاجة منه لسه عايشة… مش في الذكريات بس، لكن في ابننا، في اللي بيعمله، في الخير اللي بيطلع منه. حسيت إن الفقد عمره ما بيختفي، بس ممكن يتحول… ممكن يبقى قوة، ممكن يبقى رسالة، ممكن يبقى حضن لناس تانية محتاجة.

وفي اللحظة دي، وأنا واقفة في برد الفجر، وسط نظرات الجيران، وصوت العربيات اللي بتبعد، فهمت إن الحكاية مخلصتش… دي يمكن تكون بداية حاجة أكبر، بداية طريق يوسف لسه ماشي فيه، طريق مش شبه أي حد، طريق بدأ بحزن… لكن ممكن يوصل لفرح ناس كتير.

وساعتها بس، خدت نفس عميق، وقلت في سري: “ربنا يخليك ليا يا ابني… ويخلي نور أبوك دايمًا منور طريقك.”

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان