اسمي صوفيا… عندي 28 سنة… ولو في يوم حد سألني أنا مين، غالبًا كنت هرد بابتسامة خفيفة وأقول: ولا حاجة تستاهل تتحكي. كنت واحدة عادية جدًا، من الناس اللي بتمشي في الشارع ومحدش بياخد باله منها، لا صوت عالي ولا حضور لافت… مجرد ظل بيعدي وسط الزحمة.
يومي كان بيبدأ قبل الفجر بكتير، الساعة 4 تقريبًا… قبل ما النور ينتشر، وقبل ما المدينة تفوق من نومها. كنت بصحى من غير منبه، كأن جسمي حفظ المعاد غصب عنه، وأتحرك في هدوء عشان ما أصحيش حد من الجيران. ألبس بسرعة، أعمل قهوة سادة تقيلة، وأشربها وأنا واقفة، كأنها بتديني دفعة أواجه بيها يوم طويل.
المواصلات كانت حكاية لوحدها… عربية، بعدها ميكروباص، وبعدها المترو، وبعدها مشي. الرحلة دي كل يوم كانت بتفصلني عن حياتي القديمة، وتدخلني عالم تاني خالص… عالم مش شبهي ولا عمري حسيت إني أنتمي له.
قصر جوليان أورتيجا.
أول مرة شوفته، حسيت إني دخلت فيلم مش حقيقي. المكان مش مجرد قصر… ده كأنه مدينة كاملة متقفلة على نفسها. كل حاجة فيه متقنة بشكل يخليك تحس إن كل تفصيلة محسوبة. الأرضيات رخام لامع، الأسقف عالية بشكل يخليك ترفع راسك غصب عنك، والسجاد ناعم لدرجة إن خطواتك تختفي عليه.
لكن أكتر حاجة كانت ملفتة… هو الهدوء.
هدوء مش مريح… بالعكس، كان تقيل… كأن المكان شايل أسرار محدش عايز يقولها. كأن كل ركن فيه حافظ ذكرى، وكل حيطة شايفة حاجة ومش قادرة تحكيها.
أنا كنت مجرد خدامة هناك… واحدة بتمسح التراب، بترتب الأماكن، وبتختفي قبل ما حد يلاحظ وجودها. وده كان المطلوب فعلًا… في الأماكن دي، الأفضل تبقى غير مرئي.
أما صاحب القصر… جوليان أورتيجا… فكان حكاية لوحده. الناس بتتكلم عنه كتير، بس محدش يعرفه بجد. بيظهر قليل جدًا، لكن لما بيظهر… الجو كله بيتغير. شوفته مرتين بس، لكن نظراته فضلت معايا.
كانت نظرة فيها حاجة صعبة تتوصف… قوة واضحة، لكن تحتها تعب قديم… وجع ساكن، مش بيتكلم، بس موجود.
مكنتش أعرف وقتها إن كل ده ليه علاقة بيا.
في يوم من أيام أكتوبر، كان الحر غريب، مش مناسب للجو خالص. اتبعتت أنضف المكتبة… وكانت من الأماكن القليلة اللي بحبها، رغم إنها كانت بتديني إحساس غريب.
ريحة الكتب القديمة كانت دايمًا بتفكرني ببيت أمي…
أمي… إيزابيل.
كانت أستاذة جامعة، ست بسيطة لكن قوية، هادية في كلامها، وعندها طريقة تخلي أي حد يثق فيها. ماتت من خمس سنين… ووقتها حسيت إن الدنيا فاضية بشكل مرعب.
قبل ما أدخل المكتبة، مدام بياتريز وقفتني، وقالت بنبرة صارمة:
“خلي بالك من الحيطة الشمالية… ومتقربيش من اللوحة المتغطية… دي ممنوعة.”
هزيت راسي وسكت… لكن الكلمة فضلت معلقة جوايا.
“ممنوعة.”
وأنا بنضف، كنت بحاول أركز… لكن عيني كانت بتروح لنفس المكان كل شوية. لوحة كبيرة، متغطية بقماشة تقيلة… كأنها مش بس محفوظة… كأنها مخفية.
حسيت بحاجة غريبة جوايا… مش مجرد فضول… حاجة أعمق… كأن في صوت بيشدني ناحيتها.
قربت… خطوة ورا خطوة… وأنا مترددة.
وقفت لحظة… فكرت أرجع… لكن ما رجعتش.
مديت إيدي، ولمست القماشة… وكانت تقيلة فعلًا… وساعتها، من غير ما أفكر أكتر، شديتها.
وفي اللحظة دي… الزمن وقف.
أنا مش ببالغ… فعلًا حسيت إن كل حاجة حواليّا سكتت.
اللوحة…
كانت أمي.
مش شبهها… لا… هي نفسها. نفس الملامح، نفس الابتسامة الهادية، نفس النظرة اللي كانت بتطمني وأنا صغيرة… حتى التفاصيل الصغيرة اللي محدش ياخد باله منها، كانت موجودة.
رجعت لورا خطوة، وقلبي بيدق بشكل مؤلم:
“إزاي…؟”
أنا شفتها وهي بتتدفن… مسكت إيدها قبل ما تمشي… عيشت الحزن بكل تفاصيله… فإزاي تبقى هنا؟
وقبل ما أفهم…
سمعت صوت ورايا:
“ماكنش المفروض تشوفيها.”
اتلفت… وببطء شديد، لقيته واقف.
جوليان أورتيجا.
كان هادي بشكل غريب… مفيش عصبية… بس في صمت تقيل.
قلت بسرعة وأنا متوترة:
“أنا آسفة… والله ما كنت أقصد…”
لكن هو تجاهل اعتذاري، وسأل:
“اسمها إيزابيل… صح؟”
ساعتها حسيت إن الأرض اتسحبت من تحتي.
“إنت تعرفها؟!”
بص للوحة، وكأنه بيراجع ذكرى قديمة، وبعدين قال:
“دي مش لوحة… دي آخر حاجة حقيقية فضلت منها.”
ما فهمتش… بس قبل ما أسأل، كمل:
“إيزابيل كانت أهم شخص في حياتي… وبعدين اختفت… فجأة.”
صرخت من غير ما أحس:
“هي ما اختفتش… هي ماتت!”
ساعتها بصلي نظرة مختلفة… فيها صدمة حقيقية:
“لا… اللي ماتت… ما كانتش هي.”
الجملة دي دخلت جوايا وكسرت كل حاجة.
بدأت أحس إن ذكرياتي نفسها مش ثابتة.
“يعني إيه؟”
قال بهدوء:
“في ناس ليهم نفوذ… قرروا يخفوها… ويبدلوها… عشان كانت تعرف حاجة ما ينفعش تتعرف.”
“حاجة ممكن تدمّر ناس كتير.”
بصيت له، وأنا مش عارفة أصدق ولا أكذب:
“يعني… أمي ممكن تكون عايشة؟”
قال بعد لحظة صمت:
“الاحتمال ده موجود.”
ساعتها… كل حاجة جوايا اتلخبطت. الحزن اللي عشته سنين… الإحساس بالوحدة… فكرة النهاية… كله بقى محل شك.
راح للمكتب، وفتح درج، وطلع ملف قديم، وحطه قدامي.
“لو عايزة تفهمي… اقري ده.”
فتحته بإيد مش ثابتة…
أوراق رسمية… صور… تقارير… تواريخ… وكل حاجة مترتبة بشكل يخوف.
اسم واحد كان متكرر:
“مشروع الظل.”
وأنا بقلب… وقعت عيني على صورة خلتني أتجمد.
أمي… لكن مختلفة… أكبر شوية… واقفة وسط ناس شكلهم مش مريح… ناس باين عليهم إنهم مش عاديين.
رفعت عيني ليه:
“إيه كل ده؟”
قال بهدوء:
“ده معناه إنك مش صدفة في القصة دي.”
سكت لحظة… وبعدين أضاف:
“إنتي جزء منها.”
الكلمة دي خلتني أحس بثقل غريب… كأن حياتي كلها كانت متخطط لها من غير ما أعرف.
وأنا بقلب آخر صفحة…
وقفت.
اسمي كان مكتوب.
لكن مش الاسم اللي أعرفه.
كان مكتوب:
“Subject 17 – ابنة الهدف.”
وفي اللحظة دي… فهمت إن كل حاجة كنت فاكرة إنها حياتي…
كانت مجرد بداية لحاجة أكبر بكتير.
ماقدرتش أشيل عيني من الورقة… الكلمة كانت بتلمع قدامي كأنها بتتكرر:
“Subject 17 – ابنة الهدف.”
حسيت بإيدي بتبرد… وقلبي بيدق ببطء غريب، مش بسرعة… لا… ببطء تقيل، كأن كل نبضة فيها سؤال أكبر من اللي قبله.
بصيت لجوليان، وأنا مش قادرة أحدد أنا خايفة ولا مصدومة ولا… ولا إيه بالظبط.
“ده… أنا؟”
صوتي طلع أهدى من اللي حاساه جوايا… وده كان أغرب حاجة.
هو ما ردش بسرعة… فضل باصصلي شوية، كأنه بيقيس رد فعلي، أو يمكن بيقرر يقول إيه… أو يقول قد إيه.
“إنتي مش بس بنتها… إنتي السبب إنهم عملوا كل ده.”
الجملة وقعت عليا تقيلة.
“يعني إيه السبب؟ أنا كنت طفلة!”
قرب خطوة، وسند بإيده على المكتب، وقال بصوت منخفض:
“أمك ما كانتش مجرد أستاذة جامعة يا صوفيا… كانت شغالة في مشروع سري… مشروع له علاقة بالتحكم… بالمعلومات… وبناس ما ينفعش حد يقرب لهم.”
حسيت إني مش فاهمة نص الكلام… أو يمكن مش عايزة أفهم.
“ومالي أنا بكل ده؟”
سكت لحظة… وبعدين قال:
“إنتي اتولدتي في وقت غلط…”
الكلمة دي غريبة… لكن كملت:
“…وفي مكان غلط.”
بلعت ريقي، وحسيت إن صدري بيضيق:
“اتكلم واضح.”
بصلي مباشرة، وقال:
“إنتي مش مجرد بنتها… إنتي كانت التجربة اللي نجحت.”
ساعتها… لأول مرة… خوفت بجد.
“إنت بتقول إيه؟!”
مد إيده للملف، وفتح صفحة كنت عديتها بسرعة قبل كده، وقال:
“بصي كويس.”
قربت… وأنا مش حابة اللي هاشوفه… لكن بصيت.
تقارير… كلام علمي… أرقام… لكن في نص الصفحة، جملة كانت واضحة:
“Subject 17 shows stable cognitive variance beyond expected human range.”
ما فهمتش كل حاجة… بس فهمت حاجة واحدة:
كانوا بيتكلموا عني.
رجعت خطوة، وأنا بحاول أستوعب:
“إنت بتقول إني… إني تجربة؟!”
قال بهدوء:
“أنا بقول إن أمك حاولت تحميكي… ودفعت تمن ده.”
الجملة دي كسرتني أكتر من أي حاجة.
“يعني… كل اللي حصل… كان عشاني؟”
ما ردش… لكن سكوته كان كفاية.
ساعتها، حسيت بحاجة غريبة بتحصل جوا دماغي… كأن ذكريات قديمة بتتحرك… مش واضحة… لكن موجودة.
لحظات صغيرة… تفاصيل كنت فاكرة إنها عادية…
نظرات أمي لما كنت أقول حاجة قبل ما تحصل…
أو لما كنت أحس بحاجة من غير سبب…
افتكرت مرة وأنا صغيرة، قلت لها:
“أنا حاسة إن في حد هييجي النهارده.”
وبعدها بدقايق… الباب خبط.
وقتها ضحكت… وقالت إنها صدفة.
لكن دلوقتي…
مش متأكدة.
“هم كانوا عايزين مني إيه؟”
سألته… وأنا بصوتي بيهتز.
رد:
“يسيطروا.”
“على إيه؟”
“على اللي إنتي تقدري تعمليه… لو عرفتي.”
ساعتها… حسيت إن في حاجة غلط… مش بس في الكلام… فيا أنا.
“وأمي؟… هي فين؟”
السؤال ده كان أهم من أي حاجة.
بص بعيد شوية… وبعدين قال:
“آخر مرة شوفتها كانت بتحاول تهرب…”
“منهم؟”
“آه.”
“ومين هما؟”
سكت… وبعدين قال:
“ناس أقوى مما تتخيلي… ولو عرفوا إنك هنا… مش هيسيبونا.”
الكلمة الأخيرة خلت قلبي يقع:
“ما يسيبوناش؟”
رد بسرعة:
“إنتي فاكرة إن القصر ده آمن؟”
وقبل ما أجاوب…
صوت غريب قطع الكلام.
“بيب… بيب… بيب…”
جوليان لف بسرعة ناحية المكتب، وفتح شاشة صغيرة كانت مقفولة.
ملامحه اتغيرت فجأة… لأول مرة شوفته متوتر.
“إيه ده؟”
سألته…
لكن ما ردش.
الشاشة كانت بتعرض كاميرات…
بوابة القصر…
وعربيات سودا واقفة بره.
كتير.
أكتر من اللازم.
حسيت ببرودة بتمشي في ضهري:
“دول…؟”
قال بصوت منخفض:
“وصلوا.”
“مين؟!”
بصلي… المرة دي نظراته ما كانتش فيها وجع…
كانت فيها تحذير.
“اللي كانوا مستنيين اللحظة دي من سنين.”
قرب مني بسرعة، وقال:
“اسمعيني كويس… من اللحظة دي… مفيش رجوع.”
قلبي كان بيدق بجنون:
“أنا مش فاهمة حاجة!”
قال:
“هتفهمي… بس مش دلوقتي.”
ومد إيده لدرج تاني… وطلع حاجة صغيرة… جهاز.
حطه في إيدي.
“ده هيقولك تروحي فين.”
“وإنت؟”
سألته بسرعة.
سكت لحظة… وبعدين قال:
“أنا هأخّرهم.”
“إزاي؟!”
ابتسم ابتسامة خفيفة… لأول مرة:
“دي مش أول مرة أهرب منهم.”
وقبل ما أتكلم…
صوت ضربة قوية هز المكان.
الباب الرئيسي للقصر…
اتكسر.
ساعتها… فهمت إن كل حاجة بدأت بجد.
وإن حياتي القديمة…
انتهت.