بذرة في عزبة الجبالي: حكاية هناء من التهميش إلى الكرامة

بذرة في عزبة الجبالي: حكاية هناء من التهميش إلى الكرامة


بذرة في عزبة الجبالي

لم يكن الفجر في ذلك اليوم يشبه أي فجر مرّ عليها من قبل. لم يكن أكثر إشراقًا، ولا أكثر دفئًا، بل كان أقرب إلى بداية بطيئة لشيء لا تعرف اسمه. الضوء كان يتسلل بصعوبة من خلف طبقات الضباب، كأنه يتردد قبل أن يظهر، تمامًا كما كانت “هناء” تتردد في داخلها دون أن تعترف بذلك.

حين توقفت عجلات الميكروباص عند طرف الطريق، لم يتحرك أحد لينظر إليها، ولم يلتفت السائق ليسألها إن كانت وصلت. كل شيء حدث ببساطة شديدة، كأن نزولها من السيارة مجرد تفصيلة عابرة لا تستحق التوقف. نزلت وهي تمسك شنطتها القماشية بإحكام، ليس خوفًا من أن تسقط، بل كأنها تمسك آخر شيء يربطها بحياة تعرفها، حتى لو لم تكن تحبها.

لم تنظر خلفها. لم يكن هناك شيء يستحق النظرة الأخيرة. لا بيت يشتاق لها، ولا أم تنتظر رجوعها، ولا حتى ذكرى جميلة تتشبث بها. كانت تعرف منذ وقت طويل أن وجودها في بيتها لم يكن ضروريًا، وأن غيابها لن يخلق فراغًا حقيقيًا.

الورقة التي أعطتها لها أمها كانت ما تزال في يدها، مطوية بعناية، وكأنها شيء مهم. لكنها لم تكن كذلك. كانت مجرد كلمات قليلة، خالية من أي إحساس: “دي هناء… بتستحمل وبتشتغل.” لم تكن هناك كلمة “بنتي”، ولا “خلي بالك منها”، ولا أي شيء يوحي بأنها إنسانة لها قيمة. كانت الورقة أشبه بتذكرة عبور، أو تصريح تسليم.

لم تغضب هناء. لم تبكِ. لم يكن لديها ما يكفي من الطاقة لذلك. كانت قد استهلكت مشاعرها منذ زمن، حتى أصبحت الأشياء التي تجرح غيرها تمر عليها كأنها عادية.

هكذا بدأت قصة هناء في عزبة الجبالي، ليس بانفجار، ولا بمشهد درامي، بل بخطوة هادئة على طريق ترابي طويل، وخلفها حياة لم تكن فيها مرئية، وأمامها مكان لا تعرف إن كان سيغير شيئًا أم لا.

سارت ببطء، والغبار يتصاعد تحت قدميها، والهواء البارد يمر عبرها دون أن تهتم. كانت تمشي وكأنها لا تملك خيارًا آخر، وكأن الطريق هو الذي يقرر عنها. وعندما ظهرت العزبة من بعيد، شعرت بشيء غريب في صدرها… ليس خوفًا، بل حذرًا قديمًا تعلمته دون أن تدرك.

عزبة الجبالي لم تكن مجرد بيوت متفرقة، بل كانت كيانًا قائمًا بذاته. كل شيء فيها يبدو منظمًا، محسوبًا، وكأنها عالم له قوانينه الخاصة. هذا النوع من الأماكن لا يقبل الغرباء بسهولة… وهناء كانت تعرف أنها غريبة.

لم يستقبلها أحد. وهذا كان متوقعًا. الرجل الذي وقف عند مدخل المخزن، “عم جابر”، لم ينظر إليها طويلًا، فقط أخذ الورقة، قرأها بسرعة، ثم أشار بيده إلى الداخل. لم يسألها عن اسمها، ولا عن عمرها، لأن كل ما يحتاج معرفته مكتوب بالفعل.

دخلت المخزن، وتوقفت للحظة. الرائحة كانت ثقيلة، مزيج من تبن قديم وخشب مهمل وغبار متراكم. لكن الغريب أنها لم تنفر منها. بل شعرت أن المكان يشبهها بطريقة ما… شيء موجود، لكنه غير مهم، لا أحد يهتم بتنظيفه إلا عند الضرورة.

بدأت العمل فورًا. لم تفكر. لم تسأل. فقط تحركت. كانت تمسك المكنسة بقوة، وكأنها تحاول أن تمسح شيئًا أكثر من الغبار. كل حركة كانت سريعة، محسوبة، خالية من التردد. ليس لأنها نشيطة، بل لأنها تعلمت أن تنهي المطلوب منها دون أن تترك أثرًا.

ومع مرور الوقت، بدأ الصمت يحيط بها. لكنه لم يكن صمتًا مزعجًا. لم يكن مثل الصمت الذي كانت تعيشه في بيتها، ذلك الصمت المليء بالتجاهل. هذا كان صمتًا مختلفًا… صمت يسمح لها أن تفكر، أن تسمع نفسها، وربما لأول مرة، أن تشعر بوجودها.

في المساء، عندما بدأت الشمس تختفي، سمعت خطوات. جسدها انكمش تلقائيًا، كأنها تستعد لشيء سيئ. لكنها لم تسمع صراخًا. فقط صوت ينادي اسمها.

رفعت رأسها ببطء، ورأت “فارس الجبالي”.

كان واقفًا عند الباب، لا يبدو غاضبًا، ولا يبدو مرحبًا. فقط ينظر. نظرة ثابتة، عميقة، كأنه يحاول أن يقرأ ما لا يُقال. لم تعتد أن يُنظر إليها بهذه الطريقة. الناس عادة ينظرون ثم يصرفون نظرهم بسرعة.

عندما سألها، أجابت. بصوت منخفض، لكنها واضحة. لم تحاول أن تبدو أفضل مما هي عليه. فقط قالت الحقيقة. وعندما أخبرته بما قيل لها، أن تعمل وتسكت، لم يبدُ أنه أعجبه ذلك.

قال لها جملة بسيطة، لكنها توقفت عندها: أن العمل لا يعني أن يعيش الإنسان مكسورًا.

لم تفهم الجملة بالكامل، لكنها شعرت بها. كأنها اصطدمت بشيء داخلها لم يكن مستعدًا لذلك.

في تلك الليلة، نامت على الأرض، كما اعتادت. لم تفكر في الأمر. كان طبيعيًا بالنسبة لها. لكن في اليوم التالي، كل شيء تغيّر.

عندما اكتشف فارس أنها تنام في المخزن، لم يرفع صوته، لكنه لم يقبل ذلك. لم يناقش كثيرًا، فقط قرر. نقلها إلى غرفة صغيرة، قريبة من المطبخ.

عندما دخلت الغرفة، لم تتحرك فورًا. وقفت، تنظر إلى السرير. لم يكن فاخرًا، لكنه كان سريرًا حقيقيًا. شيء لم يكن جزءًا من حياتها.

مدت يدها ولمسته ببطء، كأنها تختبره. لم تجلس. لم تنم. فقط ظلت واقفة للحظات طويلة. لم تكن سعادة، بل ارتباك… لأن الإنسان الذي لم يُعامل بلطف، لا يعرف كيف يستقبله بسهولة.

مرت الأيام، وبدأت التفاصيل الصغيرة تتغير. لم يحدث تحول مفاجئ، لكن شيئًا ما بدأ يتحرك بداخلها. لم تعد تنكمش بنفس الطريقة. لم تعد تخفض رأسها طوال الوقت.

لكن الماضي لم يختفِ. كانت تسمع كلمات، نظرات، همسات. بعض العاملات لم يتقبلن وجودها. وهذا كان طبيعيًا. الجديد دائمًا يواجه رفضًا.

هذه المرة، لم يكن الألم مفاجئًا، لكنه كان مختلفًا. لأنه يحدث في مكان بدأت تشعر فيه بشيء يشبه الأمان.

عندما تدخل فارس، لم يفعل ذلك بطريقة درامية. لم يصرخ. فقط وضع حدودًا. وهذا كان كافيًا. لأنه لأول مرة، لم يكن عليها أن تدافع عن نفسها وحدها.

وفي يوم من أيام العمل، سقطت. لم يكن ذلك بسبب ضعف، بل بسبب إهمال طويل. لم تأكل. لم تهتم. لأنها لم تتعلم أن تهتم بنفسها.

وعندما سألها لماذا، قالت ببساطة: لم أتعلم أن أبدأ بنفسي.

هذه الجملة بقيت في ذهنه.

ومن هنا، بدأت مرحلة جديدة في قصة هناء في عزبة الجبالي.

عندما تحدث معها عن فكرة تحويل المخزن إلى مدرسة، لم ترَ المشروع فقط… رأت نفسها. رأت الأطفال الذين لم يحصلوا على فرصة. رأت النساء اللواتي لا يعرفن كتابة أسمائهن.

وبدأت تعمل، ليس كواجب، بل كاختيار.

تعلمت، وعلمت. كتبت، وجعلت غيرها يكتب. ومع كل اسم يُكتب لأول مرة، كانت تشعر بشيء يتغير بداخلها.

البيانو كان لحظة فارقة. لم تصدق أنه لها. لم تصدق أنها تستحق شيئًا جميلًا. لكنها بدأت تحاول.

وعندما عاد أهلها، لم تكن المواجهة صاخبة. لم تكن بحاجة لذلك. كانت هادئة، ثابتة، كأنها لا تحتاج أن تثبت شيئًا.

وعندما عُرض عليها الزواج، لم يكن القرار سهلًا. لأنها هذه المرة لم تكن تهرب… بل تختار.

وافقت، لكن بشروط. أن تكون شريكة، لا ظلًا. وهذا كان أهم شيء.

اليوم، لم تعد هناء كما كانت. لكنها لم تنسَ نفسها القديمة. لأنها هي التي علمتها كل شيء.

وعندما تُسأل، تبتسم، وتقول إن كل إنسان قد يبدو عاديًا… لكنه في الحقيقة يحمل بداخله شيء ينتظر فقط أن يُرى.

وهكذا تستمر قصة هناء في عزبة الجبالي… ليس كنهاية، بل كبداية تتكرر، في كل من يقرر أن يرى نفسه بشكل مختلف.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي