الست الهادية: حكاية روز التي أنهت الحكاية في حفلة السبوع

الست الهادية: حكاية روز التي أنهت الحكاية في حفلة السبوع


الست الهادية: حكاية روز التي أنهت الحكاية في حفلة السبوع

الناس دايمًا يقولوا جملة بسيطة كأنها نصيحة عادية: خافوا من الضراير. لكن الحقيقة اللي اكتشفتها بنفسي بعد سنين طويلة من الصمت إن الجملة دي مش كاملة. الحقيقة الأدق إن الناس المفروض تخاف من الست الهادية. الست اللي بتسكت كتير، وتبلع الكلام، وتضحك قدام الناس كأن الدنيا كلها تمام. لأن الست دي لما تيجي اللحظة اللي تقرر فيها تتكلم، بتتكلم مرة واحدة بس… بس كلامها بيغير كل حاجة.

اسمي روز. اتجوزت من ست سنين، ست سنين كاملة عشتهم وأنا بحاول أكون الزوجة المثالية. البيت مرتب، الأكل جاهز، الضيوف مرحب بيهم، وكلمة “حاضر” دايمًا على لساني. كنت فاكرة إن الجواز شراكة، وإن الصبر ممكن يصلح أي حاجة. لكن مع الوقت فهمت إن الصبر أحيانًا بيخلي الناس يفتكروا إنك ضعيف… أو إنك ما عندكش حد يدافع عنك غير نفسك.

المشكلة بدأت من أول سنة جواز تقريبًا. السؤال اللي بقى يتكرر في كل زيارة وكل تجمع عائلي: “مفيش خبر حلو؟”. في البداية كنت بابتسم وأقول: “إن شاء الله قريب”. بعد شوية بقى السؤال يتغير، ويبقى فيه نبرة خفية من الاتهام. حماتي كانت أول واحدة تلمّح إن المشكلة ممكن تكون مني. كانت تبصلي بنظرة طويلة وتقول: “ربنا يكرمكم بالذرية… بس يمكن لازم تشوفي دكاترة”.

روحت لدكاترة كتير. تحاليل، أشعة، أدوية، وصفات شعبية، وحتى نصايح غريبة من قريبات حماتي. كنت بعمل كل حاجة من غير اعتراض، مش لأنني مقتنعة بكل الكلام، لكن لأنني كنت عايزة أثبت إنني بحاول. كل مرة كنت أرجع من دكتور كنت أقول لنفسي: يمكن المرة الجاية تكون مختلفة.

لكن الحقيقة اللي كنت أعرفها من البداية، واللي محدش غيري كان يعرفها، كانت مختلفة تمامًا. قبل الجواز بشهرين تقريبًا، عملنا أنا وجوزي مجموعة تحاليل عادية زي أي زوجين. هو كان مشغول وقتها، فطلب مني أروح أستلم النتائج بنفسي. يومها لما قريت الورقة، حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي. التقرير كان واضح جدًا: المشكلة مش عندي… المشكلة عنده هو.

فضلت واقفة في المعمل دقايق طويلة مش عارفة أعمل إيه. كان قدامي اختيارين: يا إما أرجع وأواجهه بالحقيقة، يا إما أدفن الورقة وأحاول أحافظ على البيت. وقتها اخترت الاختيار التاني. قلت لنفسي إن الجواز مش مجرد أطفال… وإن الحياة ممكن تمشي حتى لو مفيش خلفه.

مرّت السنين، وأنا شايلة السر لوحدي. كل مرة حماتي تلمح إن المشكلة فيا، كنت بسكت. كل مرة جوزي يقول قدام الناس “ربنا ما كتبش لسه”، كنت بابتسم. كنت فاكرة إنني بحميه… وإنه يومًا ما هيقدر اللي عملته علشانه.

لكن بعد ست سنين، حصل اللي ما كنتش أتخيله. في يوم من الأيام رجع البيت ومعاه بنت صغيرة. كانت يمكن في أول العشرينات، اسمها سارة. واقفة وراها بابتسامة باردة، وإيدها على بطنها كأنها بتعلن خبر مهم. وقف قدامي وقال الجملة اللي غيرت كل حاجة في حياتي.

قال ببساطة: “دي سارة… حامل في ابني”.

ما صرختش. ما عملتش أي مشهد. بصيت لها بهدوء. كانت بتبصلي بنظرة فيها خليط من التحدي والشفقة. كأنها بتقول: أنا اللي جبت الحاجة اللي إنتي ما عرفتيش تجيبيها. بعدها جوزي كمل كلامه وكأن الموضوع عادي جدًا. قال إن سارة هتعيش معانا في البيت، وإنني لازم أساعدها لأنها حامل في “وريث البيت”.

في اللحظة دي حسيت إن قلبي بيتجمد. مش علشان ضرة دخلت حياتي… لكن علشان الإهانة كانت علنية. قدام عيني، الراجل اللي فضلت أحمي سره ست سنين بيستخدم الكذبة دي علشان يكسرني.

لكن بدل ما أصرخ، ابتسمت. قلت لنفسي: الفيلم لسه طويل.

بقيت الزوجة المثالية أكتر من الأول. طبخت لسارة، غسلت هدومها، وساعدتها في كل حاجة. الناس كانوا شايفين المشهد ويقولوا: “روز ست طيبة”. حتى جوزي بدأ يحكي لأصحابه بفخر إنني “عرفت مقامي”. كانوا يضحكوا ويقولوا إن الست اللي تسكت كده نعمة.

مرّت الشهور بسرعة. بطن سارة كبرت، والبيت بقى كله حوالين الحمل. حماتي بقت تزورها كل يوم تقريبًا، وتتكلم عن الطفل كأنه إنجاز شخصي لها. وأنا كنت بهدوء براقب كل حاجة.

وأخيرًا، جاء اليوم المنتظر. سارة ولدت ولد. البيت اتقلب فرح. دبحوا بقرة، وعلقوا زينة في الشارع. جوزي قرر يعمل حفلة سبوع كبيرة. ناس كتير اتعزمت. موسيقى، حلويات، وهدايا.

في ليلة الحفلة لبست فستان دهبي بسيط لكنه أنيق. دخلت الصالة والناس كلها بترقص وتضحك. حماتي كانت بترقص وهي شايلة الطفل، وجوزي واقف وسط أصحابه فخور بنفسه.

لما جه وقت الهدايا، وقفت بهدوء ومشيت ناحية الترابيزة اللي عليها الطفل. مسكت الميكروفون، وقلت بصوت واضح: “مبروك على الوريث”.

الناس سكتت لحظة، وبعدين ابتسموا. جوزي قال ضاحكًا: “شكرًا يا روز… عقبالك”.

ابتسمت وقلت: “وعندي هدية خاصة”.

طلعت ظرف بني قديم من شنطتي. فتحته ببطء، والناس كلها بتبص. طلعت الورقة اللي احتفظت بيها ست سنين. رفعتها قدام الميكروفون وقلت: “الورقة دي نتيجة تحاليل اتعملت قبل الجواز”.

الصمت نزل على المكان فجأة.

قلت بهدوء: “التحاليل دي بتقول إن الراجل اللي واقف قدامي… عقيم”.

الوجوه حواليا اتغيرت. حماتي وقفت مكانها كأنها اتجمدت. جوزي خطف الورقة من إيدي وهو بيبص فيها بعصبية.

أنا كملت كلامي بهدوء: “ست سنين وأنا ساكتة علشان أحافظ على البيت… لكن لما قررتوا تذلوني بالكذبة دي، كان لازم الحقيقة تطلع”.

وبصيت لسارة وقلت لها بهدوء: “مبروك يا سارة… بس يمكن لازم نسأل سؤال بسيط. رائد ابن مين؟”.

في لحظة، الفرح كله اتقلب فوضى. الناس بدأت تتكلم بصوت عالي. جوزي بدأ يصرخ، وسارة واقفة مش قادرة تتكلم.

أنا حطيت ورقة تانية على الترابيزة. قلت: “دي قضية خلع”.

وبعدها مشيت.

لأول مرة من سنين حسيت إن الهواء خفيف. الشارع كان هادي، وأنا ماشية ورأسي مرفوعة.

ساعتها فهمت حاجة مهمة: الست الهادية لما تسكت… مش دايمًا بتكون ضعيفة. أحيانًا بتكون بس مستنية اللحظة الصح.

في الليلة التي خرجتُ فيها من البيت بعد حفلة السبوع، لم أشعر أنني أهرب كما قد يظن البعض. على العكس تمامًا، شعرت أنني أخيرًا أتحرك إلى الأمام. الهواء في الشارع كان باردًا قليلًا، والناس ما زالوا يسمعون أصوات الموسيقى والضجة القادمة من البيت الذي تركته خلفي. لكن بالنسبة لي، كان كل شيء قد انتهى بالفعل. انتهى فصل طويل من حياتي، فصل عشت فيه كأنني ممثلة في مسرحية كتبها الآخرون، واليوم فقط قررت أن أكتب نهايتها بنفسي.

مشيت في الشارع ببطء، وأنا أفكر في السنوات الست التي قضيتها في ذلك البيت. ست سنوات لم تكن كلها سيئة كما قد يبدو الآن. في البداية كان هناك حب حقيقي، أو على الأقل شيء يشبه الحب. كنا شابين نحاول بناء حياة مشتركة، نضحك على أشياء صغيرة، ونخطط لمستقبل بسيط. لكن مع الوقت، بدأت تلك اللحظات تختفي تدريجيًا، لتحل محلها نظرات الشك وكلمات اللوم التي كانت تتكرر كلما مر شهر جديد دون أن يظهر الطفل الذي كانوا ينتظرونه.

لم يكن الألم الحقيقي في الكلمات نفسها، بل في الصمت الذي كان يأتي بعدها. كنت أرى في عيون الناس السؤال الذي لم يجرؤوا على قوله بصوت عالٍ. كانوا يتعاملون معي بلطف ظاهري، لكن في داخلهم كانوا مقتنعين أن المشكلة عندي أنا. وكلما مر الوقت، أصبح ذلك الاتهام غير المعلن جزءًا من حياتي اليومية.

عندما وصلت إلى بيت أختي في تلك الليلة، فتحت الباب ونظرت إليّ بقلق. لم تكن تعرف شيئًا عما حدث في الحفلة، لكنها فهمت من وجهي أن شيئًا كبيرًا قد انتهى للتو. جلستُ على الأريكة في صمت، وأخذت نفسًا طويلًا قبل أن أحكي لها كل شيء. استمعت إليّ دون أن تقاطعني، وعندما انتهيت، قالت جملة واحدة فقط: “كنتِ أقوى مما كنتِ تتخيلين.”

في الأيام التالية بدأت الأخبار تنتشر بين الناس بسرعة. القصة التي حدثت في حفلة السبوع أصبحت حديث الحي كله. البعض تعاطف معي، والبعض الآخر حاول تفسير ما حدث بطريقته الخاصة، لكنني لم أعد أهتم كثيرًا بما يقوله الناس. لأول مرة منذ سنوات شعرت أن رأي الآخرين لم يعد يتحكم في حياتي.

أما هو، فقد حاول الاتصال بي أكثر من مرة. في البداية تجاهلت المكالمات تمامًا. لم أكن مستعدة لسماع أي تبرير أو اعتذار. بالنسبة لي كانت الحقيقة قد ظهرت بالفعل، والكلمات لن تغير شيئًا. لكن بعد أيام قليلة وصلتني رسالة قصيرة منه. لم تكن طويلة، لكنها كانت مليئة بالارتباك والندم. كتب فيها أنه لم يتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحد، وأنه لم يقصد أن يجرحني بتلك الطريقة.

قرأت الرسالة مرة واحدة فقط، ثم أغلقت الهاتف. لم أشعر بالغضب كما كنت أتوقع. كان هناك شعور مختلف، مزيج من الهدوء والراحة. ربما لأنني أدركت أنني لم أعد جزءًا من تلك الدائرة التي كانت تستهلك طاقتي طوال السنوات الماضية.

بعد أسبوعين بدأت الإجراءات القانونية للخلع رسميًا. ذهبت إلى المحكمة وأنا أشعر بثقة غريبة. لم يكن الأمر سهلاً بالطبع، لكنني كنت أعلم أنني اتخذت القرار الصحيح. كل خطوة في تلك الإجراءات كانت بالنسبة لي خطوة أخرى نحو بداية جديدة.

في تلك الفترة بدأت أركز على أشياء كنت قد نسيتها منذ زمن. عدت إلى عملي بحماس أكبر، وبدأت ألتقي بصديقاتي اللواتي ابتعدت عنهن خلال سنوات الزواج. اكتشفت أن الحياة أوسع بكثير مما كنت أعتقد، وأنني كنت أعيش داخل دائرة صغيرة رسمها لي الآخرون.

وفي إحدى الأمسيات، بينما كنت جالسة في شرفة بيت أختي أشرب القهوة، تذكرت حفلة السبوع مرة أخرى. تذكرت الوجوه المصدومة، والصمت الذي ساد المكان عندما قرأت نتيجة التحاليل. في تلك اللحظة فهمت أن ما حدث لم يكن مجرد انتقام. كان استعادة لكرامتي التي حاول كثيرون إقناعي بأنها شيء يمكن التنازل عنه.

رفعت رأسي ونظرت إلى السماء، وابتسمت لنفسي. لم أكن أعرف كيف ستبدو حياتي في المستقبل، لكنني كنت متأكدة من شيء واحد: لن أسمح لأحد مرة أخرى أن يكتب قصتي بدلاً مني.

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان