الضيف اللي في المرايا
لم أكن أتصور أن شيئًا بهذه البساطة يمكن أن يقلب حياتي رأسًا على عقب. لم يكن الأمر بابًا يُفتح وحده في منتصف الليل، ولا صوت خطوات في ممر مظلم، ولا حتى كابوسًا يتكرر حتى أفقد القدرة على التمييز بين النوم واليقظة. كان الأمر أقل درامية بكثير… وأشد رعبًا. كان مجرد تأخير. ثانية واحدة لا أكثر. ثانية واحدة فصلت بيني وبين صورتي في المرآة، ومنذ تلك اللحظة بدأ كل شيء يتغير.
أنا شخص عادي جدًا. أعيش وحدي في شقة صغيرة في الطابق الثالث من عمارة قديمة نسبيًا، في شارع هادئ لا يحدث فيه الكثير. أستيقظ يوميًا قبل الفجر بقليل، ليس لأنني مجبر، بل لأن جسدي اعتاد ذلك منذ سنوات. لا أحتاج إلى منبه، ولا أحب الضوضاء في الصباح. أحب اللحظات التي يسبق فيها الضوء الكامل، حين يكون العالم نصف مستيقظ ونصف نائم، وكأن كل شيء قابل لإعادة التشكيل.
في ذلك الصباح، الذي لم أكن أعلم أنه سيكون بداية قصة الضيف اللي في المرايا، نهضت كعادتي، سرت في الممر القصير نحو الحمام، وفتحت الصنبور. الماء كان باردًا كالمعتاد، لسع وجهي وأيقظني تمامًا. أغمضت عيني وأنا أفركهما بكفيّ، ثم رفعت رأسي ونظرت.
أنزلت يدي عن وجهي… لكن انعكاسي لم ينزل يده فورًا.
لا أستطيع أن أصف الأمر بدقة رياضية، لكنه كان واضحًا بما يكفي ليجعل قلبي يتوقف لجزء من الثانية. كانت هناك فجوة زمنية صغيرة جدًا، ومضة خاطفة، كأن الصورة في المرآة احتاجت لحظة لتستوعب الحركة ثم تقلدها. وقفت أحدق في الزجاج. اقتربت قليلًا. أعدت الحركة ببطء، متعمدًا أن أراقب كل تفصيلة. هذه المرة تحرك الانعكاس معي تمامًا.
ضحكت بخفة، تلك الضحكة التي نطلقها حين نريد طرد فكرة مزعجة. قلت لنفسي إنني مرهق، وإن الدماغ أحيانًا يختلق فروقًا زمنية غير موجودة. ربما كان الضوء رماديًا أكثر من اللازم، ربما انعكاس الظلال خدع بصري. خرجت من الحمام وأكملت يومي بشكل طبيعي، لكن داخلي لم يكن طبيعيًا تمامًا.
في صباح اليوم التالي، تكرر الأمر. رفعت حاجبي، فرفعه بعدي. أغمضت عيني، فأغمضهما بعدي بلحظة بالكاد تُرى. لم يكن تأخيرًا كبيرًا، لكنه لم يكن وهمًا أيضًا. أحسست بشيء بارد ينزلق في ظهري. نظرت في عينيّ داخل المرآة، وحاولت أن أقرأ فيهما أي إشارة. كانت عيناي… لكن النظرة بدت أعمق قليلًا، أكثر تركيزًا.
منذ تلك اللحظة، بدأت أراقب نفسي كما لو كنت موضوع تجربة. صرت أتحرك ببطء متعمد، أرفع إصبعي تدريجيًا، أراقب انقباض العضلات في وجهي، أختبر المسافة بين الفعل ورد الفعل. أحيانًا كان الانعكاس يسبقني بجزء من الثانية، وأحيانًا يتأخر، وأحيانًا يتزامن معي تمامًا كأنه يثبت براءته.
لكن أكثر ما أقلقني لم يكن الفارق الزمني، بل الشعور الذي رافقه. شعور بأن هناك من يحاول أن يلحق بي. ليس لأنني الأصل وهو الصورة، بل لأننا كنا في سباق خفي، سباق على من يبدو أكثر واقعية.
بدأت فكرة الضيف اللي في المرايا تتشكل في ذهني دون أن أنطقها. ماذا لو لم يكن ما أراه انعكاسًا حقيقيًا؟ ماذا لو كان هناك كيان يعيش خلف السطح الأملس، يراقبني منذ سنوات، يقلدني بدقة، ينتظر لحظة ضعف واحدة كي يتقدم خطوة؟
في العمل، صرت شاردًا أكثر من المعتاد. كنت أجلس أمام شاشة الحاسوب، وألمح صورتي الخافتة على السطح الأسود قبل تشغيله، فأشيح بنظري فورًا. في المصعد، كنت أتجنب النظر إلى الجدران المعدنية اللامعة. حتى الملاعق اللامعة في المطبخ صرت أضعها مقلوبة كي لا أرى فيها انعكاسي.
تدريجيًا، لم يعد الأمر مقتصرًا على المرايا. بدأت ألاحظ أن ظلي على الأرض يتحرك بطريقة غريبة أحيانًا. أمد يدي فيمتد الظل، لكنني أشعر – لا أراه فقط – أن هناك حركة إضافية خفيفة، ارتعاشة صغيرة لا تتطابق مع حركتي. في إحدى الأمسيات، أقسم أنني رأيت ظلي يدير رأسه نحوي بينما كنت أنظر إلى الأمام.
حاولت أن أجد تفسيرًا منطقيًا. قرأت عن الهلاوس البصرية، عن تأثير التوتر المزمن، عن اضطرابات الإدراك التي تجعل الشخص يشك في حواسه. كل المقالات كانت تؤكد أن العقل يمكن أن يخدع صاحبه بسهولة، خاصة حين يعيش وحده لفترة طويلة. ربما كانت العزلة تفعل فعلها بي. ربما كنت أحتاج إلى إجازة، إلى تغيير في الروتين، إلى صوت بشري يكسر الصمت.
لكن التفسير المنطقي لم يكن يفسر تلك اللحظة التي بلغت فيها الأمور ذروتها.
كانت ليلة هادئة، هدوءها كان خانقًا أكثر من أي ضجيج. كنت أقف في غرفتي أغير قميصي قبل النوم. الإضاءة صفراء خافتة، والهواء ساكن على نحو غير مريح. وقفت أمام المرآة دون تفكير، رفعت رأسي، نظرت. لم أشعر بشيء مختلف. للحظة، اعتقدت أن كل ما حدث كان مجرد مبالغة من عقلي.
ثم انقطع التيار الكهربائي فجأة.
الظلام كان كاملًا، كثيفًا، كأنه مادة ملموسة. لم أسمع صوتًا، لم أتحرك، لكنني شعرت بحضور. شعور لا يمكن وصفه بكلمات محددة، مجرد إحساس بأن المسافة بيني وبين الزجاج لم تعد فارغة. كأن هناك من يقف على الجانب الآخر، قريبًا جدًا.
مرت ثوانٍ بدت أطول من العمر كله، ثم عاد الضوء.
كنت ما زلت واقفًا في مكاني، لكن انعكاسي لم يكن كما تركته. وجهي في الخارج كان متوترًا، شاحبًا، عيناي متسعتان من الخوف. أما في الداخل… فكان الوجه هادئًا. ثابتًا. بلا توتر. كأنه كان ينتظر عودة الضوء.
اقترب من الزجاج.
لم أتحرك، أقسم أنني لم أتحرك. لكنني رأيته يقترب، يضع كفيه على السطح من الداخل. أصابعه كانت ممدودة، تلامس موضعًا يقابل الهواء أمامي. عيناه كانتا تراقبانني بتركيز لم أعرفه من قبل. ثم تحركت شفتاه.
لم أسمع صوتًا بالمعنى المعتاد، لكن الكلمات وصلتني بوضوح داخل رأسي:
“دوري أنا اللي أطلع بره… ودورك إنت تدخل هنا.”
في تلك اللحظة، لم أشعر بالخوف فقط. شعرت بالانقسام. كأن العبارة وجدت صدى داخل جزء خفي مني. كأن هناك نسخة أخرى في أعماقي فهمت المعنى أسرع مما ينبغي.
هربت من الغرفة دون أن ألتفت، جلست في الصالة أتنفس بصعوبة. في صباح اليوم التالي، غطيت كل مرايا البيت بأغطية سميكة داكنة. أغلقت أي سطح يمكن أن يعكس صورتي. حاولت أن أعيش دون مواجهة.
لكن الضيف اللي في المرايا لم يعد يحتاج إلى زجاج.
صرت أستيقظ أحيانًا في منتصف الليل وأنا غير متأكد إن كنت أنا من فتح عيني أولًا، أم أن أحدًا آخر سبقني إلى الوعي. أتحسس وجهي، أتحقق من أن ملامحي في مكانها، أنني ما زلت أتحكم في عضلاتي. أقف أمام مرآة مغطاة، أرفع الغطاء سنتيمترًا واحدًا فقط، أختلس نظرة سريعة، ثم أعيده فورًا قبل أن أرى ما لا أستطيع احتماله.
الأمر الأكثر رعبًا لم يكن التهديد نفسه، بل الثقة التي رأيتها في عينيه تلك الليلة. ثقة من يعرف أن الوقت يعمل لصالحه. أنه لا يحتاج إلى استعجال. أنني سأضعف يومًا ما، سأرتكب خطأ صغيرًا جدًا، ربما مجرد رمشة غير محسوبة، وسيكفيه ذلك.
بدأت ألاحظ أشياء أخرى. طريقة ضحكي أحيانًا بدت غريبة عليّ، كأنها ليست ضحكتي المعتادة. نبرة صوتي حين أتحدث في الهاتف بدت أعمق قليلًا. حركاتي في المطبخ، في المشي، في الجلوس… كلها بدت كأنها نسخة من شيء سبق أن حدث، لا أصل له.
أكتب هذه الكلمات الآن وأنا جالس في الصالة، الأنوار خافتة، والبيت صامت. أحيانًا أشعر بشد خفيف في صدري، كأن خيطًا غير مرئي يجذبني نحو اتجاه لا أراه. أغمض عينيّ، فأرى نفسي واقفًا خلف سطح زجاجي لا أعرفه. أطرق عليه من الداخل. أراقب رجلاً يجلس في الخارج يكتب هذه القصة.
أحيانًا لا أعرف أي النسختين هي الأصل.
هل أنا الجسد الذي يكتب؟ أم الانعكاس الذي تأخر ثانية واحدة في البداية فقط؟ هل العالم الذي أتحرك فيه هو الحقيقي، أم أنني كنت طوال الوقت داخل طبقة شفافة أظنها واقعًا؟
كل ما أعرفه أن كل شيء بدأ بثانية واحدة فقط. ثانية صغيرة جدًا، كافية ليولد الشك. وثانية أخرى، كافية ليصبح الشك يقينًا مخيفًا. وثالثة… ربما تكون كافية كي يحدث التبديل الذي ينتظره الضيف اللي في المرايا منذ البداية.
إن قرأت هذه القصة وابتسمت، ظننتها خيالًا محضًا، فأتمنى لك أن يبقى عالمك بسيطًا كما كان عالمي يومًا ما. أما إن حدث يومًا أن نظرت في المرآة ولاحظت تأخرًا طفيفًا في حركة بسيطة… فلا تتجاهله سريعًا. لا تبرره فورًا. لا تضحك وتغلق الباب.
لأن هناك احتمالًا، ولو كان ضئيلًا، أن يكون انعكاسك لا ينتظر سوى تلك اللحظة الصغيرة التي تشك فيها بنفسك… كي يخطو خطوة إلى الأمام، ويبدأ في الخروج.