الهروب العظيم حين يكون “الجنون” هو السترة الأخيرة

الهروب العظيم  حين يكون “الجنون” هو السترة الأخيرة


الهروب العظيم

حين يكون “الجنون” هو السترة الأخيرة

كنت زمان أضحك لما أسمع حد يقول: “البيت له رائحة”.
كنت أقول لنفسي: رائحة إيه؟ ده بيت زي أي بيت.
لكن بعد اللي حصل… بقيت أعرف إن في بيوت بتشمّها قبل ما تدخلها:
تشمّ فيها طمأنينة، أو تشمّ فيها شيء مكتوم… شيء واقف في الزوايا.

ليلتها، البيت كان واقف.
واقف بمعنى الكلمة.
الأطفال كانوا نايمين بصعوبة بعد يوم طويل، والتلفزيون شغال على صوت واطي،
وأنا بلمّ بقايا اليوم من على السفرة: طبق هنا، كباية هناك، لعبة صغيرة نسيتها بنتي فوق الكنبة.

حسام كان في المطبخ.
صوته هادي، حركته محسوبة، زي دايمًا.
الناس بتحبه عشان “محترم” و”عاقل” و”يخاف على بيته”.
صيدلاني معروف في المنطقة، كلامه موزون، ووشه دايمًا فيه ابتسامة مريحة.

وأبي… العقيد المتقاعد عماد… كان قاعد في غرفته.
من فترة وهو بيتغير.
مش تغير الشيخوخة العادي.
تغير سريع، مفاجئ، يخلّي الواحد يقنع نفسه بأي تفسير عشان ما ينهارش.

الليلة التي انشق فيها الهدوء

في البداية ما سمعتش صراخ… سمعت احتكاك.
صوت كراسي بتتزحزح.
وبعدين… صرخة طفلة.

اتجمدت ثانية.
وبعدين جريت.

دخلت الصالة ولقيت المشهد زي كابوس:
أبي واقف، وشه أحمر، عينه فيها حاجة عمري ما شفتها قبل كده…
وممسك في حسام.

مش عايزة أوصفها وصف قاسي،
بس اللي شفته كان كفاية يخلي قلبي يقع في رجلي.
حسام كان بيحاول يفلت وهو بيقول:
“مها… خلي بالك… أبوكي مش في وعيه!”

الأطفال صحوا على الصوت.
صرخوا، اتعلقوا في رجلي، وأنا واقفة بين الاتنين ومش عارفة أعمل إيه.

صرخت في أبي باسمه… “يا بابا!”
لكن عينيه كانت كأنها في مكان تاني.

بعد دقايق، البيت اتملأ ناس:
ممرضين، حد من الطوارئ، وكلام عن “نوبة” و”خرف متقدم”.
وأنا واقفة بلبس البيت، شعري منفوش، وإيدي بترتعش،
حاسة إني بتفرج على حياتي وهي بتتفك قدامي.

قرار يُؤخذ تحت الضغط

أخذوه.
مفيش كلمة ألطف من “أخذوه” عشان ده اللي حصل.
خدوا أبي بسيارة، وأنا وراهم بعيوني،
كأني بسيبه مرة واحدة… مرة من غير وداع.

حسام قرب مني، ولمس رقبته اللي احمرت، وقال بنبرة فيها شفقة:


“لا بأس يا مها… سيهدأ هناك.
هذا الخرف… يجعل الإنسان يفعل ما لا يقصده.”

كنت مرهقة.
وجوايا رغبة غبية إني أصدّق أي حاجة تريحني.
فقلت لنفسي: يمكن فعلاً… يمكن أنا اللي متأخرة في ملاحظة مرضه.

رجعنا البيت وأنا شايلة عار مش فاهمه:
عار إني طردت أبويا؟
ولا عار إني خفت على جوزي؟
ولا عار إني مش قادرة أكون قوية؟

أسبوع الهدوء المريب

بعد رحيل أبي، الهدوء دخل البيت… بس مش هدوء رحمة.
هدوء زي الهدوء اللي بييجي قبل المطر.

حسام بقى لطيف زيادة.
بيصحّي الأولاد، يحضّر لهم، يضحك،
ويقول لي: “ارتاحي… أنا شايل.”

كان بيكرر قدامي كلام الأطباء،
ويجيب سيرة “الجرعات” و”المواعيد” و”المتابعة”.
وأنا… كنت بتوه بين شغلي وعيالي وبين إحساس صغير مش راضي يسكت:
إن اللي حصل كبير… أكبر من تفسير واحد.

في نص الأسبوع ده، حسام قال فجأة:


“أنا هتولى موضوع أدوية والدك… أنا أفهم في الحاجات دي.”

قلت: “تمام.”
وقلتها بصدق.
لأني وقتها كنت محتاجة حد يلمّ الفوضى.

غرفة الأب… والأشياء التي لا تُنسى

بعد أسبوع، قررت أدخل غرفة أبي.
كنت بقول لنفسي: لازم ألمّ هدومه، أرتب حاجته،
عشان المكان ما يفضلش يوجعني كل يوم.

الغرفة كانت زي ما هي:
السرير مترتب بعناية،
البدلة القديمة معلقة،
والسبحة على الكومودينو.

حتى ريحة أبي… كانت موجودة.

وأنا برتب، رفعت سجادة صلاته.
مش عارفة ليه، يمكن عشان أكنس تحتها.
وساعتها شفت الدفتر.

دفتر صغير أسود… مخبي بطريقة لا يعملها إلا حد متعود يخبي أوراق.

الدفتر الذي غيّر القصة

فتحته.
وأنا أصلاً ما كنتش متوقعة حاجة مهمة.

أول سطر… خلاني أحس إن الدم سحب من وشي:


“اليوم وضع لي حسام مسحوقًا في الشاي…
شعرت بأن عقلي يغادر جسدي لساعات.”

قلبت الصفحة.
لقيت تواريخ… وجمل قصيرة… وملحوظات دقيقة.

مش أسلوب رجل “مخرف”.
ده أسلوب واحد بيحاول يثبت لنفسه قبل أي حد:
إنه لسه فاهم.

في صفحة تانية، لقيت ملاحظة عن إنه بدّل الحبوب بنفسه يومين وشعر إنه “أخف”.
وفي صفحة بعديها:


“سمعته يتحدث عن ديون قمار إلكترونية… يريد الميراث.”

ساعتها… الدفتر وقع من إيدي.

أنا ست، مش محققة.
بس في لحظات معينة… العقل بيجمع الحاجات بسرعة موجعة:
“الخرف” جه فجأة.
الأدوية حسام ماسكها.
والأب بيكتب كأنه بيتهم حد محدد بالاسم.

الذهاب إلى دار الرعاية

جريت.
من غير ما أقول لحسام.
قلت هزور أمي… وطلعت على دار الرعاية.

كنت متوقعة أشوف أبي تايه،
يناديني باسمي غلط، أو يسألني أنا مين.

لكن اللي شفته كان صدمة من نوع مختلف:
أبي قاعد، ظهره مفرود،
وعينه ثابتة كأنها بتفحصني.

أول ما شافني، قال:


“قرأتِ الدفتر؟”

بلعت ريقي بصعوبة وقلت:
“إنت مش مريض؟… طب ليه عملت اللي عملته؟”

ابتسم ابتسامة حزينة، وقال:


“كنت مضطر.
في الليلة دي… سمعت كلامًا خلاني أفهم إن الوقت خلص.
الجرعة الجاية… كانت هتسكتني للأبد.”

سكت شوية، وبعدين أكمل:


“لو حاولت أقنعك… ما كنتيش هتصدقي.
حسام قدامك ملاك.
وأنا… كنت لازم أبقى وحش.”

“وحش؟” قلتها وأنا باعيط.

قال:


“أيوه.
لازم أطرد نفسي من بيتك… بإيدك.
عشان أبقى بعيد عن سيطرته،
وعشان الدفتر يوصل لك وإنتي صاحيه.”

خرجت من عنده ودماغي بتعمل دوشة.
كل كلمة كانت بتفتح باب جديد للرعب… وللغضب… وللخجل.

العودة… والتمثيل

رجعت البيت.
حسام كان واقف في المطبخ كأنه مستنيني.

ابتسامته كانت موجودة.
كأن الدنيا طبيعية.

مدّ لي كوب عصير وقال:


“اشربي… شكلك متعبة.”

ابتسمت له.
ابتسامة باردة، متعبة،
بس لازم تبان طبيعية.

قلت: “هغير هدومي وأرجع.”

دخلت الغرفة، قفلت الباب،
وبصيت للكوب كأنه شيء غريب.

ما شربتش.
سكبته في أصيص زرع.
وبعدين وقفت أسمع…
هل في خطوات برا؟ هل بيتنصت؟
حتى طريقة تنفسي كنت بحاول أتحكم فيها.

فتات الدليل

فتشت في مكتب حسام بهدوء.
مش تفتيش بطولي… تفتيش واحدة مرعوبة.
إيدها بتعرق، وبتقف كل شوية تسمع.

لقيت ورق فواتير متفرقة،
وزجاجة صغيرة من غير اسم واضح،
وحاجات من الصيدلية مش من النوع اللي بيتاخد “عشان صداع”.

كان كفاية عشان أفهم إن إحساسي ما كانش وهم.

اللحظة التي سقط فيها القناع

وأنا طالعة من الغرفة، لقيته واقف عند الباب.
مش واقف صدفة… واقف كأنه كان مستني لحظة خروجي.

قال بصوت هادي جدًا:


“مها… ليه ما شربتيش العصير؟”

في اللحظة دي…
عرفت إن اللعبة انتهت.
وإن الهدوء اللي كنت بتمثله… اتكشف.

ما صرختش.
ما عملتش مشهد.
بس قلبي كان بيدق بطريقة تخوّف.

قلت، وأنا بحاول أثبت صوتي:
“أنا… مش جعانة.”

ضحك ضحكة قصيرة،
ضحكة ما فيهاش أي دفء.

وقال:


“إنتي اتغيرتي يا مها…
واضح إن زيارة والدك عملت فيكي حاجة.”

وقبل ما أستوعب،
سمعت صوت حركة قوية عند الباب الخارجي…
كأن حد بيحاول يفتحه بعنف.

ثواني… وانفتح الباب، ودخل ناس بملابس مدنية.

وأنا واقفة…
شفت أبي.

مش في سرير.
مش في كرسي.
واقف… بنفس هيبته.

قال بصوت ما اتغيرش:


“كفاية يا دكتور… اللعبة خلصت.”

خاتمة

ساعتها فهمت معنى “الهروب العظيم”.
أبي ما هربش من البيت لأنه خاف.
هرب لأنه كان لازم يسيب المكان اللي بيتقتل فيه ببطء،
ويخليني أشوف الحقيقة بعيني… من غير ما حد يغطيها بابتسامة.

ومن يومها…
عرفت إن الجنون أحيانًا مش مرض.
أحيانًا… بيكون قناعًا لإنقاذ روح من اللي حوالينها.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان