المراية اللي في أوضة “تيتا” 🪞
“أنا بقالي 3 ساعات قاعدة قدام المراية دي، ومستنية اللحظة اللي شفتها الصبح تتكرر تاني… بس المرة دي أنا مش لوحدي!”
الجملة دي كتبتها في نوتة صغيرة كانت في شنطتي، وأنا قاعدة على طرف السرير القديم في أوضة جدتي. يمكن كنت بكتب عشان أهدّي نفسي، أو عشان أتأكد إني لسه واعية، ولسه بميّز بين الحقيقة والخيال. الشقة دي فضلت مقفولة سنين بعد ما تيتا سافرت تعيش مع خالتي، وبعدين لما تعبت، ما حدش كان عنده قلب يرجع يفتح المكان. فضلت زي ما هي… ريحتها تراب، وخشب قديم، وحاجات متخزنة أكتر ما هي متنسّية.
أنا اللي اقترحت نوضّبها. يمكن عشان كنت دايمًا الأقرب لتيتا، ويمكن عشان كنت بحب الحكايات اللي بتطلع من بين الحاجات القديمة. الشقة كانت في عمارة هادية في شارع جانبي، السلم ضيق وبيصدر صوت مع كل خطوة، والباب الخشبي التقيل فتح بصعوبة كأنه بيشتكي من طول الغياب. أول ما دخلت، حسيت بإحساس غريب… مش خوف، لكن رهبة. كأن المكان فاكر كل اللي حصل فيه، ومستني حد يسمعه.
أوضة النوم كانت أكتر مكان له حضور مختلف. سرير حديد قديم، دولاب خشب لونه غامق، وتسريحة كبيرة عليها مراية ببرواز نحاس متقشر شوية من الحواف. المراية كانت مغطاة بقماش أبيض قديم، مربوط من فوق بدبوس صغير. سألت نفسي ليه تيتا كانت مغطياها؟ يمكن عشان تحميها من التراب. يمكن عشان عادة قديمة. يمكن… عشان حاجة تانية.
مدّيت إيدي وفكّيت الدبوس. القماش نزل ببطء، والغبار اتحرك في الهوا زي دخان خفيف. نفضته، ومسحت الإزاز بطرف كمّي. بصيت لوشي… عادي. مفيش حاجة غريبة. نفس الملامح، نفس التعب اللي جاي من يوم طويل في التنضيف. ضحكت لنفسي وقلت: “إيه يا بنتي؟ كنتِ متخيلة هتشوفي إيه؟”
لكن الغريب ما جاش في اللحظة الأولى. جِه لما قررت أغمض عيني وأفتحها تاني. حركة بسيطة، بنعملها مئات المرات في اليوم من غير ما نفكر. أغمضت عيني… لحظة سكون… وفتحتهم. في اللحظة دي، حسيت بحاجة غلط. مش عارفة أقول إيه بالظبط، لكن فيه جزء مني حسّ إن الصورة قدامي متأخرة.
انعكاسي في المراية كان لسه مغمض عينه.
أنا كنت فاتحة عيني على الآخر، متجمدة من الصدمة، لكن النسخة اللي جوه الإزاز كانت لسه مغمضة، كأنها ما لحقتش تلحقني. ثانية… أو أقل من ثانية. لكن كفاية تخلي الدم يبرد في عروقي. بعد لحظة، انعكاسي فتح عينه ببطء. ببطء مش طبيعي. مش زي رمشة عادية. زي حد بيصحى من نوم عميق.
رجعت خطوة لورا، قلبي بيدق في وداني. “تعب… توتر… خيالات.” كررت الكلمات دي كأني بحفظها. حاولت أضحك. الضحكة خرجت ضعيفة ومكسورة. لكن اللي كسرها أكتر، إن انعكاسي ابتسم.
أنا ما كنتش بابتسم. كنت على وشك أبكي.
الابتسامة اللي في المراية كانت واسعة، زيادة عن اللزوم، وباردة. مش شريرة بالمعنى اللي في الأفلام، لكن… غريبة. زي حد عارف حاجة وأنا لأ. زي حد مستني اللحظة المناسبة. حسيت بإحساس سخيف إن فيه “تأخير” بسيط بيني وبينه، وإنه لو سبقني بثانية، ممكن… مش عارفة ممكن إيه.
مدّيت إيدي ناحية الإزاز بدون وعي. يمكن عشان أتأكد إنه مجرد سطح بارد. يمكن عشان أكسر الوهم. لكن قبل ما صوابعي تلمس المراية، سمعت صوت ورا ضهري، واطي ومتهدّج:
“متلمسيش الإزاز يا بنتي… هي كمان عملت كده زمان.”
لفّيت بسرعة، وقلبي كاد يخرج من صدري. كانت جارتنا العجوزة، أم سعاد، واقفة عند باب الأوضة. وشها شاحب، وإيديها بترتعش وهي ماسكة في إطار الباب. ما سمعتش صوتها وهي داخلة. ما سمعتش خطوات. كأنها كانت واقفة هناك من بدري.
“مين؟” سألتها بصوت مبحوح.
بصّت على المراية، وبعدين عليّ. “تيتاك… كانت قاعدة قدامها بالساعات. وبعدين بقت تغطيها. ما كانتش عايزة حد يبص فيها.”
بلعت ريقي. “ليه؟”
سكتت لحظة، وبعدين دخلت الأوضة وقفلت الباب وراها بهدوء. “من سنين طويلة، قبل ما إنتي تتولدي، جدتك كانت بتحب المراية دي قوي. كانت تقول إنها بتشوف فيها نفسها وهي صغيرة. مش بس ملامحها… لأ، ذكرياتها. كانت تحكي إن المراية بتوريها لحظات من الماضي. الأول كانت فرحانة. كانت تقعد وتبتسم وتضحك لوحدها. لكن بعد فترة… بقت تقلق.”
رجعت ببصي للمراية. الإزاز كان طبيعي. انعكاسي بيرتعش معايا. مفيش ابتسامة غريبة. مفيش تأخير. كأن كل حاجة حصلت كانت من خيالي. لكن إحساسي كان بيقول العكس.
“إيه اللي حصل؟” سألتها.
أم سعاد قربت من السرير وقعدت، عينيها ما فارقتش المراية. “قالتلي مرة إنها شافت نفسها مش لوحدها. قالت إن الصورة جوه المراية بقت تتحرك لوحدها. في الأول افتكرت إنها بتتخيل. لكن لما شافت انعكاسها بيبص لها بطريقة مختلفة… خافت. قالتلي: ‘حسيت إن فيه حد مستني مكانّي.’”
الكلمات دي خلت جسمي يقشعر. نفس الإحساس اللي كان جوايا من شوية. إحساس إن فيه “نسخة” تانية… مستنية.
“عملت إيه تيتا؟”
“غطّتها. وقالتلي لو شفتها في يوم من الأيام… ما أقعدش قدامها كتير.”
بصّيت للمراية تاني. فكرة إني أسيبها كده من غير ما أفهم كانت مستحيلة. أنا مش من النوع اللي يهرب. يمكن ده عيب فيا. أو يمكن فضول زيادة عن اللزوم. لكن في اللحظة دي، كان عندي شعور إن القصة ما خلصتش.
أم سعاد قامت تمشي، قبل ما تفتح الباب بصّتلي وقالت: “لو حسيتي إن المراية بتبصلك… ما تبصيش لها كتير. فيه فرق بين إنك تشوفي نفسك… وإنها تشوفك.”
فضلت لوحدي في الأوضة. الصوت الوحيد كان دقات قلبي، وصوت ساعة حائط قديمة في الصالة. قررت أعمل اختبار بسيط. رفعت إيدي ببطء، وركزت في الانعكاس. الحركة حصلت في نفس اللحظة. كويس. قربت وشي شوية. نفس التعبير. نفس الخوف.
“مفيش حاجة.” همست لنفسي.
لكن وأنا همست، شفت شفايف الانعكاس تتحرك بعدي بجزء من ثانية.
اتجمدت.
المرة دي ما كانتش صدفة. كنت مركزة. شفت التأخير. شفت الفرق. التأخير صغير جدًا… لكن موجود. زي فيديو بيعلق لحظة، وبعدين يكمل.
قررت أتكلم بصوت عالي. “إنتِ مين؟”
الكلمة خرجت مني فورًا. في المراية، شفايفي تحركت بعدها بنصف لحظة. لكن… فيه حاجة تانية حصلت. ملامح الانعكاس ما كانتش بنفس الحيرة اللي على وشي. كانت أهدى. أعمق. كأنها عارفة السؤال من بدري.
المراية بدأت تغيم ببطء، كأن حد بيتنفس من جوه. مش بخار عادي. ضباب خفيف بيمشي على السطح من الداخل. قلبي كان بيخبط بعنف، لكني ما تحركتش. كنت عايزة أشوف للنهاية.
وفجأة، الصورة اتغيرت.
مش أوضتي. مش وشي. شفت الأوضة نفسها… لكن قديمة أكتر. الألوان باهتة. الستارة مختلفة. وعلى الكرسي قدام المراية، كانت قاعدة ست صغيرة في السن… تيتا وهي شابة. شعرها أسود، وعينيها لامعة. كانت بتضحك، وبتمسح دموع من عينيها. وراها، واقف راجل. شكله حنين. يمكن جدي، اللي مات قبل ما أتولد.
المشهد كان ساكت، زي فيلم قديم من غير صوت. لكن الإحساس وصلني. لحظة حب. لحظة حياة. وبعدها… الصورة اتشوشت. الراجل اختفى. تيتا بقت لوحدها. وشها اتحول لحزن. قامت بسرعة، وقربت من المراية. ورفعت إيديها كأنها عايزة تلمس حد مش موجود.
المشهد رجع لوجهي أنا. أنفاسي كانت سريعة. عيني مليانة دموع.
فهمت فجأة.
المراية ما كانتش “حاجة” فيها حد مستني يبدّل الأماكن. كانت ذاكرة. ذاكرة أعمق من اللي في عقلنا. يمكن تيتا ما خافتش من حاجة خارقة. يمكن خافت من نفسها. من إنها تفضل عايشة في الماضي، تشوف اللي راح، وتستنى يرجع.
قعدت قدام المراية تاني. المرة دي ما كنتش خايفة. كنت هادية. “مش هلمسك.” قلتها بهدوء. “بس هفهمك.”
الانعكاس كان ثابت. طبيعي. مفيش تأخير. يمكن لأني ما كنتش بحاول أسبقه. يمكن لأني بطلت أستفزه. ابتسمت ابتسامة صغيرة، حقيقية. والنسخة في المراية ابتسمت معايا… في نفس اللحظة.
عدّى وقت طويل وأنا قاعدة. ما حصلش حاجة تانية. لا همس. لا ضباب. بس إحساس خفيف إن الأوضة نفسها ارتاحت. كأن سر قديم اتفهم، مش اتكشف.
قمت وغطّيت المراية تاني بالقماش الأبيض. مش خوفًا. احترامًا. بعض الحاجات مش لازم تتفتح كل يوم. وبعض الذكريات محتاجة مسافة عشان تفضل جميلة.
وأنا بقفل باب الأوضة، حسيت بشيء بسيط. نظرة أخيرة من المراية… مش مخيفة. مش مستنية. مجرد انعكاس صادق.
يمكن اللي جوه المراية مش حد تاني. يمكن هو إحنا… لما نبص لنفسنا بعمق زيادة. ويمكن تيتا ما كانتش بتخاف من المراية، كانت بتحاول تحمي قلبها من إنه يفضل متعلق بصورة ما ترجعش.
القصة ما خلصتش. لأن كل مرة أرجع الشقة، أبص للمراية المغطية، وأفتكر إن بيني وبينها اتفاق صامت. يوم ما أكون جاهزة أشوف أكتر… يمكن أرفع الغطا تاني. لكن لحد دلوقتي، كفاية إني عرفت إن مش كل حاجة غريبة تبقى مخيفة… أحيانًا بتبقى مجرد حكاية مستنية حد يسمعها.