المقاعد الفاضية… حين تختار نفسك أخيرًا

المقاعد الفاضية… حين تختار نفسك أخيرًا


المقاعد الفاضية.. حين تكشف الحقيقة نفسها

مرّت ثلاثة أيام فقط منذ حفل تخرجي من الماجستير… ثلاثة أيام لا أكثر، لكنها كانت كفيلة أن تغيّرني من الداخل، كأنها أعوام كاملة مرت فوق صدري، ضغطت على قلبي حتى أعادت تشكيله من جديد. كنت أظن أن ذلك اليوم سيكون تتويجًا لرحلة طويلة من التعب، السهر، القلق، والانكسارات الصغيرة التي كنت أخفيها بابتسامة مصطنعة أمام الجميع.

كنت أتصور أنني حين أقف على المسرح، وأمسك شهادتي بيدي، سأشعر أخيرًا أنني وصلت… أن كل ما مررت به لم يذهب هباءً. لكن ما حدث لم يكن احتفالًا… بل كان كشفًا. كشفًا قاسيًا، صريحًا، بلا رحمة.

أتذكر القاعة جيدًا… تفاصيلها محفورة داخلي كأنها مشهد لا يمكن حذفه. الأضواء البيضاء المنعكسة على الوجوه، أصوات الزغاريد التي ترتفع فجأة ثم تختفي، الكاميرات التي تلاحق اللحظات السعيدة، الضحكات، التصفيق… كل شيء كان يبدو مثاليًا من الخارج.

لكن وسط كل هذا… كان هناك شيء واحد فقط أراه بوضوح، كأنه أكبر من القاعة كلها… أربعة مقاعد فارغة.

أربعة كراسي… تحمل أسماء عائلتي.

أمي.
أبي.
أختي نورا.
والمقعد الرابع… كان وكأنه مخصص لوهم كنت أعيش فيه.

تلك المقاعد لم تكن مجرد فراغ… كانت صوتًا. صوتًا صامتًا لكنه أعلى من كل شيء حولي. كانت تقول لي دون كلمات: “أنت وحدك… دائمًا كنت وحدك.”

حاولت تجاهلها… أقسم أنني حاولت. ركزت مع أصدقائي، مع زملائي، مع كل من جاء ليصافحني ويهنئني. لكن الحقيقة كانت أقوى من أي محاولة للهروب. الفراغ لم يكن في الكراسي فقط… كان داخلي.

حين نادوا اسمي، صعدت إلى المسرح. خطوتي كانت ثابتة، وابتسامتي كانت مثالية، لدرجة أن أي شخص يشاهدني سيظن أنني أسعد إنسان في تلك اللحظة. لكن الحقيقة؟ كنت أشعر أنني أقف على حافة شيء… شيء كبير… شيء سيغير كل شيء.

أمسكت الشهادة، سمعت التصفيق، التقطت الصور… ثم نزلت.

وانتهى كل شيء.

عدت إلى شقتي بعد الحفل. لم أفتح الأنوار فورًا، جلست في الظلام لبعض الوقت. كنت أريد أن أشعر بشيء… أي شيء. فرح، راحة، حتى حزن واضح… لكن ما شعرت به كان فراغًا غريبًا، صامتًا، باردًا.

جلست على الأريكة، أرفع رأسي نحو السقف، وكأنني أنتظر إجابة لن تأتي.

وفجأة… رن هاتفي.

نظرت إلى الشاشة… “أمي”.

توقف الزمن للحظة.

هل يعقل؟ هل تذكرت؟ هل ستقول أخيرًا كلمة واحدة فقط… “مبروك”؟

فتحت الرسالة بسرعة… وقرأت.

“يا كريم، محتاجة 50 ألف جنيه عشان عيد ميلاد نورا… عايزين نعملها حفلة تليق بيها.”

لا “مبروك”.
لا “إحنا فخورين بيك”.
لا حتى سؤال بسيط عني.

في تلك اللحظة، لم أشعر بالحزن فقط… بل بشيء أعمق. شيء يشبه الانكسار… أو ربما الاستيقاظ.

بقيت أنظر إلى الشاشة لفترة طويلة، كأنني أحاول أن أجد فيها معنى آخر… تفسيرًا مختلفًا… لكن لم يكن هناك شيء.

ثم، بهدوء غريب، دخلت إلى محفظتي الإلكترونية… وحولت لها جنيهًا واحدًا فقط.

وكتبت في الملاحظات:
“مبروك”.

بعدها مباشرة… حظرتهم جميعًا.

لم يكن قرارًا متسرعًا… بل كان قرارًا تأخر كثيرًا.

وقفت بعدها أمام باب الشقة، واتصلت بنجار.

حين بدأ في تغيير الكالون، كنت أراقب القطع المعدنية وهي تُفك وتُزال، وكأنني أرى شيئًا أكبر من مجرد باب يُغلق… كنت أرى بابًا من الماضي يُغلق للأبد.

وحين سقط الكالون القديم في يد النجار… شعرت بشيء يتحرر داخلي.

لكن السلام… لم يدم طويلًا.

بعد ساعتين تقريبًا، دوّى طرق عنيف على الباب.

لم يكن طرقًا عاديًا… كان ثقيلًا، حادًا، يحمل توترًا واضحًا.

فتحت الباب… فوجدت أمامي أمين شرطة ومعه عسكري.

قال بنبرة رسمية:
“جولة اطمئنان… في بلاغ إنك قافل على نفسك وممكن تأذي نفسك.”

ابتسمت بسخرية خفيفة… فهمت فورًا.

أمي.

حتى بعد كل شيء… تحاول أن تتحكم.

شرحت لهدوء: “يا فندم أنا بخير… دي مجرد مشاكل عائلية.”

دخل، نظر حوله، رأى النظام، الكتب، اللابتوب، الحياة الطبيعية.

ثم نظر إليّ وقال:
“أوقات لما الواحد يبدأ يحط حدود… الناس بتخاف.”

الجملة كانت بسيطة… لكنها أصابتني في العمق.

بعد خروجهم، جلست على الأرض.

لم أكن خائفًا… كنت غاضبًا، ومقرفًا من كل شيء… حتى من نفسي.

لكن عقلي… بدأ يعمل.

بطبيعتي كمحلل بيانات، بدأت أبحث عن الأنماط. فتحت اللابتوب، وبدأت أراجع كل شيء… حساباتي، الإيميلات، التفاصيل التي لم أهتم بها من قبل.

وهنا… ظهرت الحقيقة.

إيميل.

عنوانه: “تحديث حسابك الائتماني الجديد”.

لكنني… لم أفتح أي حساب.

فتحت الرسالة… وبدأ قلبي ينبض بسرعة.

“نشكر لك فتح بطاقة مشتريات بضمان شهاداتك…”

تجمدت.

في اليوم التالي، كنت في البنك.

وبعد ساعات من الفحص…

اكتشفت كل شيء.

أمي… كانت تستخدم اسمي.

حسابات.
شهادات.
قروض.
بطاقات.

كلها باسمي… دون علمي.

كانت تعيش… على مستقبلي.

في تلك اللحظة، شعرت بشيء غريب… مزيج من الغضب… والقوة.

هذه المرة… لم أهرب.

اتصلت بها.

قلت بهدوء:
“قدامك ساعتين… ترجعي كل حاجة.”

بدأت تبكي… تتوسل… تقول:
“ده أنا أمك.”

لكن لأول مرة…

لم تؤثر فيّ.

قلت:
“الأم… بتكون موجودة.”

وأغلقت الهاتف.

بعد ساعة… وصل التحويل.

كل شيء عاد.

لكن الحقيقة؟

لم يكن الأمر عن المال.

كان عني.

عن نفسي التي استعدتها أخيرًا.

بعد أيام… كنت على متن طائرة متجهة إلى دبي.

أنظر من النافذة… أراقب المدينة وهي تصغر تدريجيًا.

لم أكن سعيدًا بشكل صاخب…

لكنني كنت حرًا.

وهذه كانت المرة الأولى في حياتي…

التي أكون فيها كذلك.

المقاعد الفارغة…

لم تعد تؤلمني.

لأنني أخيرًا…

ملأت مكاني بنفسي.

دبي… لم تكن مجرد مدينة بالنسبة لي، كانت اختبارًا جديدًا… أو ربما بداية لا أعرف ملامحها بعد.

حين خرجت من المطار، كان كل شيء يبدو مختلفًا… الهواء نفسه له طعم آخر، خليط بين سرعة الحياة ورغبة غريبة في إثبات الذات. الناس تمشي بسرعة، السيارات لا تتوقف، والوجوه… لا تعرفك ولا تنتظر منك شيئًا.

وهذا تحديدًا… كان ما أحتاجه.

لا أحد يعرفني.
لا أحد ينتظر مني شيئًا.
لا أحد يملك حق الوصول إليّ.

استأجرت شقة صغيرة في البداية… غرفة وصالة، بسيطة جدًا، لكنها كانت كافية. كافية لأن أبدأ من الصفر، أو ربما من نفسي لأول مرة.

في الأيام الأولى، لم أفعل الكثير… فقط أراقب. أراقب الناس، الشوارع، نفسي.

كنت أخرج كل صباح، أجلس في مقهى هادئ، أفتح اللابتوب، وأحاول العودة تدريجيًا لما أجيده… تحليل البيانات.

لكن الحقيقة؟ لم يكن الأمر سهلًا.

كلما حاولت التركيز، كانت ذاكرتي تعود… ليس للحفل، بل لما بعده. الرسالة. البنك. الحقيقة.

كنت أظن أن السفر سيُنهي كل ذلك… لكنه لم يفعل.

الهروب لا يُنهي الألم… فقط يؤجله.

وفي إحدى الليالي… حدث شيء لم أكن أتوقعه.

كنت جالسًا وحدي، أراجع بعض المشاريع القديمة، حين وصلني إيميل جديد.

العنوان:
“عرض عمل – عاجل”

فتحت الرسالة بتردد… لم أكن أنتظر شيئًا.

لكن ما قرأته… جعلني أعتدل في جلستي.

شركة كبيرة تطلبني بالاسم… بناءً على مشروع تحليل قمت به قبل عامين.

راتب… لم أحلم به.

ومقابلة… خلال 48 ساعة.

لأول مرة منذ فترة… شعرت بشيء يتحرك داخلي.

ليس الفرح… بل الحماس.

في يوم المقابلة، ارتديت بدلتي… نفس البدلة التي ارتديتها في حفل التخرج.

توقفت للحظة أمام المرآة… نظرت لنفسي طويلًا.

كنت نفس الشخص…

لكنني لم أعد كذلك.

دخلت الشركة بثبات. هذه المرة… لم أكن أبحث عن قبول، بل عن مكان أستحقه.

المقابلة كانت مختلفة… لم يسألوني فقط عن مهاراتي، بل عن طريقة تفكيري.

وأنا… لم أكن أجيب فقط.

كنت أتكلم بثقة… لأول مرة دون خوف من الحكم.

بعد ساعة… خرجت.

وفي طريقي للخارج، سمعت صوتًا خلفي:

“أستاذ كريم؟”

التفت… كان مدير القسم.

ابتسم وقال:
“إحنا مش محتاجين نفكر كتير… إحنا محتاجينك تبدأ معانا الأسبوع الجاي.”

لم أستوعب الجملة فورًا…

لكن حين استوعبتها…

ابتسمت.

ابتسامة حقيقية.

مرّت الأسابيع بسرعة… العمل، التحديات، الإنجازات الصغيرة التي كانت تكبر داخلي بهدوء.

بدأت أشعر أنني أبني شيئًا… ليس فقط مسارًا مهنيًا، بل حياة.

لكن الماضي… لم ينتهِ تمامًا.

في أحد الأيام، بينما كنت أراجع هاتفي، وجدت رقمًا غريبًا يتصل.

تجاهلته في البداية…

لكن الاتصال تكرر.

أجبت أخيرًا.

الصوت… كان مألوفًا.

نورا.

سكتت للحظة… وكأنها لا تعرف كيف تبدأ.

ثم قالت:
“أنا… آسفة.”

الكلمة كانت بسيطة… لكنها ثقيلة.

لم أرد فورًا.

ليس لأنني لا أريد… بل لأنني لم أعد أعرف ماذا أشعر.

قالت بصوت مهتز:
“أنا مكنتش فاهمة… بس دلوقتي فهمت كل حاجة.”

سألتها بهدوء:
“فهمتي إيه؟”

قالت:
“إنك كنت شايلنا… وإحنا كنا شايفين ده عادي.”

صمت.

ثم أضافت:
“ماما تعبت… وأنا… بقيت لوحدي.”

للحظة… شعرت بشيء يتحرك داخلي.

ليس حبًا… ولا شفقة.

بل اختبار.

هل أعود؟
هل أفتح الباب الذي أغلقته؟

تنفست ببطء… وقلت:
“أنا مش هرجع زي الأول.”

سكتت.

فأكملت:
“لو في حاجة هتتغير… لازم تبدأ منكم.”

لم تبكِ… لم تتوسل.

قالت فقط:
“تمام.”

وأغلقت الخط.

وضعت الهاتف جانبًا… ونظرت أمامي.

لأول مرة…

لم أشعر بالذنب.

وفي تلك الليلة…

جلست وحدي، لكن لم يكن هناك فراغ.

كان هناك هدوء.

هدوء حقيقي… لا يخيف.

أدركت شيئًا مهمًا:

المقاعد الفارغة…

ليست دائمًا خسارة.

أحيانًا… تكون فرصة.

فرصة لتختار من يجلس في حياتك…

ومن لا يستحق المقعد.

ابتسمت… وأغلقت عيني.

لم أعد ذلك الشخص الذي ينتظر.

أنا الآن…

الشخص الذي يقرر.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي