كسروا سماعاتي الطبية عشان أتعلم.. لكنهم ماكانوش عارفين أنا ممكن أعمل إيه

كسروا سماعاتي الطبية عشان أتعلم.. لكنهم ماكانوش عارفين أنا ممكن أعمل إيه


كسروا سماعاتي الطبية عشان أتعلم.. لكنهم ماكانوش عارفين أنا ممكن أعمل إيه

السكوت عمره ما كان مخيف زي الليلة دي. مش السكوت اللي أنا باختاره كل يوم لما أقرر أقفل السماعات وأفصل عن العالم شوية عشان أرتاح من الدوشة… لا، السكوت اللي حصل كان تقيل، خانق، عامل زي بحر واسع وأنا واقفة فيه لوحدي ومش شايفة الشط. كنت قاعدة على الأرض، إيدي على ودني، وببص قدامي كأن في صوت لازم أسمعه ومش قادر أوصله. كل حاجة حواليا كانت بتتحرك، شفايف بتتكلم، ملامح بتتغير، لكن مفيش صوت. ساعتها بس فهمت إن اللي اتكسر مش مجرد جهاز… اللي اتكسر كان صلتي بالعالم كله.

أنا اسمي سلمى، عندي خمسة وعشرين سنة، وبدرس ماجستير في الهندسة الطبية. المفروض أكون في مرحلة ببني فيها مستقبلي، بحاول أكون حاجة، أساعد ناس، أطور أجهزة تغير حياة غيري. بس المفارقة القاسية إني أنا نفسي كنت محتاجة جهاز يساعدني أعيش حياة طبيعية. السماعات اللي كنت لابساها مش رفاهية، دي كانت طوق النجاة. كانت الفرق بين إني أبقى موجودة وسط الناس أو أبقى مجرد ظل بيتحرك من غير ما يسمع أو يتفاعل. وكل مليم كنت بحوشه كان بيروح عشان أدفع أقساطها، وكل مرة أحس إني قريبة أتنفس، كانت الحياة ترجع تضغط عليّ تاني.

في البيت، محدش كان شايف ده. كانوا شايفين إن مشكلتي “دلع”، أو حجة، أو حتى نوع من التكبر. أمي كانت تقول قدام الناس: “دي بتسمع اللي على مزاجها”، وأبويا كان يضحك ويقول: “لو ركزت بس، هتسمع كويس”. وأخويا مروان… كان أسوأهم. كان شايفني أداة، مش إنسانة. لما يحتاج حاجة، لازم أكون موجودة فورًا. لما يتأخر في مذاكرته، أنا اللي أكتب له. لما يعطل، أنا اللي أصلح. ولو ما سمعتوش؟ تبقى المشكلة مني أنا، مش من وضعي.

الليلة دي كانت بداية النهاية لكل ده. كنت قاعدة في أوضتي، مركزة في بحث مهم جدًا، المطر برا بيخبط على الشباك، والمزيكا هادية بتساعدني أفصل عن دوشة البيت. كنت في عالم تاني، عالم فيه أرقام ومعادلات وأمل. تحت، مروان كان بينادي… أو على الأقل هو بيقول كده. أنا ما سمعتش. مش لأنّي تجاهلته، لكن لأنّي فعلاً ما وصلنيش الصوت. الفرق ده هم عمرهم ما فهموه.

الباب اتفتح بعنف، لدرجة إني حسيت الرجفة في الأرض. مروان دخل وهو متعصب، بيتكلم بسرعة، وأنا شايفة شفايفه بس مش سامعة. شيلت السماعة بسرعة وسألته: “فيه إيه؟” لكن سؤالي زوده غضب. حسيت إن وجودي نفسه مستفزه. قفل اللاب توب بعنف، وبصلي بنظرة فيها استهزاء وقال جملة فهمتها من شفايفه: “حجة سهلة”. الكلمة دي جرحتني أكتر من أي حاجة. مش عشان معناها بس، لكن عشان كانت تلخيص لكل اللي شايفني بيه.

قبل ما أقدر أرد، لقيت أمي وأبويا واقفين على الباب. المشهد كان كأنه محكمة، وأنا المتهمة. كلام كتير بيتقال، بس أنا مش سامعة. شايفة الغضب في عيونهم، شايفة الإدانة، شايفة إنهم متفقين ضدي. فجأة، أبويا مد إيده، مسك السماعات من ودني، وقبل ما أستوعب، كانت في إيده… وبعدين… كسرها. الصوت نفسه ما سمعتهوش، لكن شفت اللحظة. شفت الحاجة اللي بتمثل حياتي وهي بتتكسر قدامي.

وقتها… ماعيطتش. الصدمة كانت أكبر من الدموع. قعدت مكاني، حاسة إني خرجت من الدنيا. شفتهم وهما بيتكلموا، أمي بتضحك، مروان بيبتسم بانتصار، وأبويا بيقول حاجة شكلها تأديب. لكن أنا كنت في عالم تاني. عالم صامت تمامًا. لأول مرة، السكوت ما كانش اختيار… كان حكم.

الأيام اللي بعد كده كانت أسوأ. قعدت في أوضتي، ما بخرجش، ما بتكلمش. كانوا بيخبطوا على الباب، وأنا ما بفتحش. مش لأنّي عنيدة، لكن لأنّي فقدت القدرة على التواصل. كنت بحاول أقرأ شفايفهم من بعيد، لكن حتى ده كان مرهق. حسيت إني سجينة، مش في البيت… في جسمي نفسه. فكرة إنك تكون محبوس جوه نفسك ومش عارف توصل للعالم… دي حاجة محدش يفهمها غير اللي عاشها.

في اليوم الثامن، حصل التحول. صحيت، وبصيت لنفسي في المراية. لأول مرة، ما شفتش ضحية. شفت حد اتظلم… بس لسه واقف. لبست هدومي، ونزلت الصالة. كانوا قاعدين بيفطروا عادي، كأن مفيش حاجة حصلت. مروان شاورلي بسخرية، وأمي كملت أكل، وأبويا بصلي بنظرة تقيلة. لكن أنا كنت جاهزة.

طلعت موبايلي، وفتحت التطبيق اللي كنت شغالة عليه في بحثي… محول الصوت لنص. حطيته قدامهم. كل كلمة بيقولوها كانت بتظهر على الشاشة. لأول مرة، أنا اللي “سامعة” وهم مش فاهمين. شفت كلامهم بيتحول لنص، وشفت الحقيقة قدامي من غير تشويه. بصيت لهم، وقلت بهدوء: “أنا مش ضعيفة… أنتم اللي كنتوا مش شايفين”.

الكلام اللي بعد كده كان نهاية كل حاجة. قلت لهم إني مش هصلح السماعات، ومش هطلب منهم حاجة. قلت لهم إن البيت اللي كنت فاكرة إنه أماني، هو اللي كسرني. مروان اتعصب، وأبويا حاول يهدد، وأمي حاولت تقلل مني. لكن لأول مرة، ولا كلمة أثرت فيّ. كنت خلاص خرجت من دايرتهم.

لميت هدومي، وطلعت. كنت مقدمة على منحة من غير ما أقول لهم، واتقبلت. المنحة كانت في ألمانيا، في مركز أبحاث كبير، وفيها كل اللي كنت محتاجاه… أجهزة، دعم، تقدير. ركبت القطر وأنا حاسة إن السكوت اللي حواليا مش ضعف… ده بداية جديدة.

النهاردة، وأنا بكتب القصة دي من مكتبي، لابسة سماعاتي الجديدة اللي بتخليني أسمع كل حاجة… حتى الهمس. بس الغريب إني ساعات بقفلها بإرادتي. مش عشان مش عايزة أسمع… لكن عشان فيه أصوات في الحياة، تجاهلها هو أعلى درجات القوة.

أول أسبوع في ألمانيا كان صعب بطريقة مختلفة تمامًا عن أي صعوبة عديت بيها قبل كده. مش عشان الغربة بس، لكن عشان لأول مرة أكون لوحدي فعلًا… من غير أصوات أعرفها، من غير وجوه مألوفة، ومن غير حتى لغة سهلة أقرأ شفايفها زي ما كنت بعمل في مصر. كل حاجة كانت جديدة: الشوارع، الوجوه، حتى السكوت هنا كان شكله مختلف. سكوت منظم، هادي، مش خانق زي اللي كنت حاسة بيه في بيت أهلي… لكنه برضو كان بيخوف في الأول. كنت ماشية في الشارع بحذر، كل خطوة محسوبة، وكل نظرة حواليا محاولة أفهم أنا فين بالظبط… بس وسط كل ده، كان فيه إحساس صغير بيكبر جوايا… إحساس إن دي بداية… مش نهاية.

أول يوم دخلت فيه مركز الأبحاث، حسيت إني دخلت عالم تاني خالص. أجهزة، شاشات، ناس بتتكلم بسرعة، بس الغريب إن محدش بصلي بنظرة شفقة… ولا حتى استغراب. بالعكس، أول واحدة قابلتني كانت زميلة اسمها “إيلينا”، ابتسمت لي بهدوء، وكتبت لي على التابلت: “إحنا هنا بنتواصل بأي طريقة مريحة ليكي”. الجملة دي لوحدها هدت حاجة كبيرة جوايا. لأول مرة، محدش بيحاول “يصلحني” أو يغيرني… بالعكس، هم بيتكيفوا معايا. الإحساس ده كان جديد… ومريح بشكل غريب.

بدأت أشتغل على المشروع اللي كنت بحلم بيه من سنين… تطوير نظام ذكي يساعد ضعاف السمع على تحويل الصوت لنص في الوقت الحقيقي بدقة أعلى. كنت بشتغل ساعات طويلة، مش بإجبار، لكن بشغف. كل مرة أشوف سطر بيتحول قدامي من صوت لنص بسرعة ودقة، كنت بحس إني مش بس بشتغل… أنا بصلح جزء مني… وبساعد ناس شبهّي ما يعدوش باللي أنا عديت بيه. الألم اللي عشته في بيت أهلي… بدأ يتحول لطاقة… لطريق.

لكن اللي ماكنتش متوقعاه، إن الماضي مش بيسيبك بسهولة. في يوم، وأنا قاعدة في الكافيتريا، جالي إشعار على الموبايل. رسالة من رقم مصري. فتحتها… كانت من مروان. كتب: “ممكن تردي؟ محتاجك”. فضلت باصة للشاشة فترة طويلة. نفس الشخص اللي كان شايفني مجرد أداة… دلوقتي بيطلبني. المفارقة كانت موجعة… بس في نفس الوقت، كانت كاشفة. مسحت الرسالة من غير ما أرد. مش كره… لكن عشان أنا اتغيرت. اللي كان زمان “واجب” عليّ، بقى دلوقتي “اختيار”… وأنا اخترت نفسي.

بعدها بأيام، جت رسالة تانية… من أمي. أطول شوية. ماكنتش كلها واضحة بالنسبة لي، بس قدرت أفهم منها إنها بتسأل عليّ… ويمكن… بتعتذر بطريقتها. الكلمة نفسها ماكنتش موجودة صريحة، لكن الإحساس كان موجود. قعدت فترة أفكر… هل أرد؟ هل أسامح؟ هل أرجع؟ لكن الإجابة جت بهدوء… أنا ممكن أسامح… بس مش لازم أرجع لنفس المكان اللي كسرني. الغفران حاجة… والرجوع لنفس الألم حاجة تانية خالص.

في نفس الأسبوع، حصلت حاجة غيرت نظرتي لنفسي أكتر. كان عندنا عرض للمشروع قدام لجنة كبيرة. وقفت قدامهم، وابتديت أشرح باستخدام النظام اللي طورته… كنت بتكلم، والنص بيظهر ورايا على الشاشة في نفس اللحظة. القاعة كانت ساكتة… مش سكوت خوف… سكوت تركيز. ولما خلصت، أول تصفيق سمعته كان أقوى من أي صوت سمعته في حياتي. مش عشان الصوت نفسه… لكن عشان المعنى. المعنى إنّي بقيت “مرئية”… مش بسبب ضعفي… لكن بسبب قوتي.

في الليلة دي، رجعت شقتي، وقعدت لوحدي، وقررت لأول مرة أشغل السماعات… مش عشان محتاجة… لكن عشان عايزة أسمع. فتحت الشباك، وسمعت صوت الهوا، صوت العربيات البعيدة، صوت المدينة… وكل صوت فيهم كان مختلف عن أي صوت قبل كده. مش لأن المكان مختلف بس… لكن لأن أنا اللي بقيت مختلفة. أنا بقيت أختار إيه أسمعه… وإيه أتجاهله.

والأهم من كل ده… إني أخيرًا فهمت درس كان لازم أتعلمه من زمان: في ناس هتكسر فيك حاجات كتير… يمكن حتى أهم حاجة عندك… بس لو فضلت واقف، هتقدر تبني نفسك من جديد… بطريقة أقوى… وأصدق… ومش محتاجة إذن من حد.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان