اعتنيت بجارتي العجوز عشان الورث.. لكن لما ماتت سابتلي حاجة غيرت عمري كله
أنا طول عمري كنت فاكر إن الناس نوعين.. ناس عندها حد يستناها، وناس زيي. ناس أول ما الدنيا تقفل في وشهم يرجعوا لبيت فيه أم تقلق، أو أب يسأل، أو حتى أخ يزعق من التأخير. وأنا؟ أنا كنت من النوع التاني. النوع اللي لو اختفى أسبوع كامل محدش هيسأل راح فين. اتربيت في دور الرعاية من أول ما فتحت عيني على الدنيا. أمي سابتني بعد الولادة مباشرة، وأبويا كان اسم موجود في ورق قديم مش أكتر، راجل دخل السجن وخرج منه والعمر كله ضاع بين القضبان. مافيش جدود، مافيش خالات، مافيش حتى صورة قديمة أقدر أبص لها وأقول دي ملامحي جاية من مين. كنت ابن الفراغ حرفيًا.
ولما كملت تمنتاشر سنة، الدنيا عملت اللي بتعمله مع كل اللي زيي. النظام خلص مهمته وقال لي بشكل غير مباشر: خلاص.. دورك انتهى. خرجت للحياة بإزازة هدوم قديمة وشهادة بالكاد تنفع، وحلم صغير إني أعيش وخلاص. اشتغلت كل حاجة تقريبًا. حملت صناديق، نظفت مخازن، اشتغلت في مغسلة عربيات، نمت فوق مراتب مقطوعة وفي أوض ضيقة ريحتها رطوبة. كنت بتنقل من شغلانة للتانية ومن سكن للتاني، لحد ما استقريت في مدينة صغيرة الناس فيها مشغولة بنفسها بشكل يخليك تحس إنك شفاف. كنت بمر أيام كاملة من غير ما حد ينطق اسمي.
لحد صباح شتوي غير كل حاجة. اليوم ده كان البرد قاسي بشكل يخلي النفس نفسه يوجع. كنت بسحب أكياس الزبالة ناحية الرصيف بعد ما خلصت شغل مؤقت في بيت قريب، وإيديا كانت متجمدة لدرجة إني مش حاسس بيها. فجأة باب البيت اللي قصادي اتفتح ببطء، وطلعت ست كبيرة جدًا، جسمها رفيع، لابسة شال صوف قديم، وشعرها الأبيض ظاهر من تحت الطرحة. بصتلي شوية وقالت بصوت هادي: “يا ابني.. لو عايز تكسب فلوس عدلة، تعالى ساعدني ونشوف هنتفق على إيه.” الكلمة نفسها وقفتني.. فلوس عدلة؟ عمري ما سمعتها قبل كده. دخلت وراها البيت وأنا متوقع شغل يوم وخلاص.
البيت كان صغير وقديم، لكنه مرتب بشكل غريب. ريحة شاي بالنعناع مالية المكان، وفي المطبخ كان فيه علبة بسكويت مفتوحة باين عليها بقالها فترة. قعدنا، وصبتلي شاي بإيديها المرتعشة، وبعد كام دقيقة قالت اسمها: نعمات. الحاجة نعمات. قالت إن عمرها خمسة وتمانين سنة، وإنها بقت لوحدها بعد ما كل اللي تعرفهم مشيوا. لا جوز، لا أولاد، لا قرايب بييجوا، ولا حد حتى يخبط عليها. وبعدها بصتلي بثبات غريب وقالت الجملة اللي غيرت حياتي: “لو ساعدتني بجد.. كل اللي عندي هيبقى ليك في الآخر.”
أنا وقتها ماكنتش ملاك. الحقيقة إني وافقت فورًا عشان الجملة دي. ورث؟ بيت؟ أي حاجة؟ بالنسبة لواحد زيه زيي، ده كان حلم. قلت لها: “اتفقنا.” ومن اليوم ده بقيت أروح لها تقريبًا كل يوم. الأول كانت حاجات بسيطة جدًا. أجيب طلبات من السوبر ماركت، أغير لمبة، أصلح باب دولاب، أرتب الأدوية في علبة الأيام، أشيل التلج اللي بيتراكم قدام البيت. كنت بعمل المطلوب وأمشي. لكن الغريب إن كل يوم كنت بقعد خمس دقايق زيادة.. وبعدها عشر.. وبعدها ساعة.
مرة وهي بتدور في الدولاب طلعت شراب صوف أخضر شكله كان مضحك جدًا وقالت وهي منكسرة من البرد: “خده.. عشان رجليك ما تسقعش.” ضحكت وقلت مش محتاجه، لكنها أصرت. أخدته بس مجاملة. بالليل لما رجعت أوضتي الباردة لقيت نفسي بلبسه. مش عشان الشراب.. عشان محدش قبل كده فكر إذا كانت رجلي هتبرد ولا لأ.
وببطء شديد، حاجة جوايا بدأت تتغير. الحاجة نعمات كانت بتحكي كتير. تحكي عن جوزها الله يرحمه اللي كان بيرقص وحش جدًا يوم الفرح، وعن الطماطم اللي كانت تزرعها كل صيف في صناديق خشب صغيرة ورا المطبخ، وعن ليالي الشتاء لما البيت يبقى ساكت لدرجة تسمع دقات الساعة كأنها مطرقة. كانت تحكي عن الوحدة كأنها شخص عايش معاها في البيت. وأنا لأول مرة بدأت أحكي أنا كمان. حكيت عن دور الرعاية، عن الأوض اللي كنت بنام فيها وأنا لابس الجزمة عشان خايف يصحوني وينقلوني مكان تاني، عن أعياد الميلاد اللي كانت تعدي من غير كيك ولا شمعة ولا حتى حد يقول كل سنة وانت طيب. حكيت عن الخوف الدائم من إنك تبقى مالكش حد.
الغريب إنها كانت تسمع بتركيز كأني مهم. كأني بني آدم حكايته تستاهل تتسمع. ولأول مرة في حياتي بقيت أحس إن في حد ممكن يفرق معاه لو رجعت البيت متأخر أو تعبان أو حتى ما رجعتش. بقيت أروح لها حتى من غير شغل. نقعد نشرب شاي. نتفرج على برنامج قديم. ساعات كانت تنام على الكرسي وأنا أقعد ساكت أبص لها وأفكر قد إيه البيت ده بقى دافي رغم صغره.
لكن الحياة عمرها ما بتسيب حاجة حلوة تكمل بسهولة. الصبح ده لحد النهارده محفور جوايا. خبطت الباب كعادتي وماحدش رد. استخدمت المفتاح الاحتياطي اللي كانت ادتهولي ودخلت. التليفزيون كان شغال على برنامج قديم بتحبه. الشمس داخلة من الشباك بهدوء. الحاجة نعمات كانت قاعدة على كرسيها المفضل. وشها هادي جدًا. كأنها نايمة. قربت منها.. وناديت عليها. ما ردتش. لمست إيدها.. كانت باردة. الحاجة نعمات ماتت وهي قاعدة مكانها.
الجنازة كانت هادية بشكل يوجع. ناس قليلة جدًا حضرت. ماكنش فيه حد يبكيها غير الذكريات اللي كانت مالية البيت. وقفت بعيد أبص على النعش وأنا حاسس إن حاجة اتكسرت جوايا. لكن وسط حزني كان فيه جزء صغير أناني لسه فاكر الوعد. الوعد اللي قالته من أول يوم. “كل اللي عندي هيبقى ليك.” وكنت بكره نفسي على الإحساس ده.
تاني يوم الصبح، خبط الباب. فتحت لقيت المحامي. راجل كبير، ماسك ظرف بني قديم. دخل بصمت ووقف في الممر. فتح الظرف وطلع ورقة وقرا بصوت ثابت: “أنا نعمات عبد الكريم، بكامل قوايا العقلية، أترك بيتي وكل ممتلكاتي للجمعية الخيرية.. باستثناء شيء واحد فقط.” قلبي وقع. بصلي ومدلي ظرف صغير وقال: “هي سابتلك ده.. المفتاح ده، والجواب ده.”
وقفت مذهول. بس كده؟ البيت كله راح؟ شهور وأنا بنضف وأصلح وأهتم، وفي الآخر ماخدتش غير مفتاح قديم؟ بعد ما مشي المحامي فضلت واقف في الممر. البيت اللي حسيت فيه يومًا إني عندي مكان بقى فجأة مش ملكي. بصيت للمفتاح. كان صغير ومصدي. فتحته الرسالة بإيدي المرتعشة.
“يا ابني.. أنا عارفة إنك دخلت بيتي عشان كنت طمعان في الورث. وأنا مش زعلانة. لأن الدنيا ما دتلكش سبب يخليك تقرب من حد من غير مقابل. بس أنا كمان طمعت.. طمعت في ونسك، وفي لمتنا وإحنا بنشرب الشاي، وطمعِت إن يكون عندي ابن يخاف عليا في آخر أيامي. الفلوس والبيت هيروحوا للملجأ اللي أنت اتربيت فيه.. عشان مفيش طفل ينام بجزمته تاني وهو خايف من بكرة. أما ورثك الحقيقي.. فهو تحت البلاطة المكسورة في المطبخ ورا قفص الطماطم.”
ماقدرتش أتنفس. جريت على البيت. دخلت المطبخ وقلبي بيدق بعنف. زقيت قفص الطماطم القديم، ورفعت البلاطة المكسورة. تحتها كان فيه صندوق خشب صغير. حطيت المفتاح ولفيته. الصندوق اتفتح ببطء. كنت مستعد أشوف أي حاجة.. فلوس، دهب، حتى صورة. لكن اللي شفته كسرني.
كان فيه دفتر توفير باسمي أنا. باسمي الحقيقي. مبلغ مش كبير، لكنه واضح إنه متجمع قرش فوق قرش. ومعاه ورقة مطوية. فتحتها. “ده مش ورث يا حبيبي.. دي تحويشة أم بتجهز ابنها عشان يبدأ حياته. اشتري بيها شغلانة تليق بيك. وافتكر دايمًا إن كان ليك أم اسمها نعمات.. عاشت وماتت وهي بتدعي لك.”
وقتها ماقدرتش أقف. قعدت على أرض المطبخ. حضنت الصندوق وبكيت. مش بكاء الوجع اللي عرفته طول عمري. ولا بكاء الوحدة. بكيت لأني لأول مرة من يوم ما اتولدت حسيت إن حد اختارني. حد شافني. حد سماهني ابنه حتى لو متأخر خمسة وتمانين سنة.
بعد شهور استخدمت الفلوس وفتحت مشروع صغير لتصليح الأثاث والأعمال اليدوية. كنت كل يوم أحط صورة الحاجة نعمات في الركن وأشغل الراديو القديم اللي كانت بتحبه. ولما المشروع بدأ يكبر، أول تبرع عملته كان للملجأ اللي اتربيت فيه. اشتريت سراير جديدة وأغطية شتوي. وقبل ما أمشي دخلت أوضة الأطفال. شفت ولد صغير نايم وهو لابس جزمة قديمة.
ركعت جنبه وشلتها بهدوء وحطيت له بطانية على رجليه. وافتكرت الرسالة. وافتكرت الست اللي دخلت حياتي وأنا داخل بيتها عشان الورث.. وخرجت منها وأنا واخد أعظم حاجة ممكن إنسان ياخدها: إحساس إنه كان محبوب يومًا ما.
الناس كلها فاكرة إن الورث بيت أو فلوس أو أرض. لكن الحقيقة إن أكبر ميراث ممكن حد يسيبه.. هو إنه يخليك تصدق إنك تستحق الحب. والحاجة نعمات سابتلي ده كله.. وسابتلي اسم جديد جوا قلبي: ابنها.