بيت سِتّي… والسمّ الذي كان يختبئ في العسل
كنت في الشهر الثامن من حملي حين بدأت القصة التي غيرت حياتي بالكامل. بطني كانت كبيرة وثقيلة، تتقدم أمامي كأنها تحمل العالم كله، ليس فقط الطفل الذي ينمو بداخلي، بل كل الخوف والقلق والذكريات التي تراكمت داخلي عبر السنوات. الحمل في حد ذاته كان صعبًا، لكن الأصعب كان الشعور الدائم بأنني أحارب وحدي. كنت أمشي ببطء، أضع يدي تحت بطني أحيانًا لأخفف الضغط عن ظهري، وأتساءل بيني وبين نفسي إن كان الطفل الذي في داخلي يشعر بما أشعر به من توتر وحزن. في تلك الأيام، لم أكن أعرف أن أكثر ما سيؤلمني لن يكون تعب الحمل، ولا ثقل الجسد، بل شيء آخر أعمق بكثير: أن يأتي الأذى من العائلة نفسها.
لو سألتم والديّ اليوم عن سبب ما حدث، سيقولان إن كل شيء بدأ بسبب بيت قديم. سيختصران القصة في كلمة “ميراث”. لكن بالنسبة لي، الحقيقة كانت مختلفة تمامًا. لم تكن المشكلة بيتًا من الطوب والخشب، بل كانت مشكلة قديمة جدًا، بدأت منذ طفولتي: أختي داليا لم تكن تسمع كلمة “لا”. منذ أن وُلدت وهي نجمة العائلة، المدللة التي يدور كل شيء حولها. كانت أجمل مني في نظرهم، أذكى مني، وأهم مني. وإذا حدثت مشكلة بيننا، كان الحكم يصدر دائمًا قبل أن أتكلم: ريم هي المخطئة. تعودت على ذلك مع السنوات، تعودت على أن أكون الظل الذي يقف خلف ضوء داليا.
لكن كان هناك شخص واحد فقط يرى الأمر بشكل مختلف. جدتي، سِتّي نورا. كانت امرأة من زمن آخر، بصوت هادئ وعيون دافئة تشبه ضوء المصباح القديم في ليالي الشتاء. بيتها في المعادي كان عالمي الصغير. بيت واسع بسقف مرتفع، شبابيكه الخشبية القديمة تطل على حديقة صغيرة تملؤها رائحة الفل. هناك كنت أشعر أنني مرئية، أنني لست مجرد شخصية جانبية في حياة الآخرين. كانت تقول لي دائمًا عندما أبكي بسبب داليا: “يا ريم، القلوب الحساسة نعمة، مش ضعف. إنتي بس شايفة الحقيقة اللي غيرك بيهرب منها.” كنت أصدقها. ربما لأنني كنت بحاجة شديدة إلى أن يصدقني أحد.
عندما توفيت ستي نورا، شعرت وكأن جزءًا من العالم انطفأ. كان البيت صامتًا بعد جنازتها، الحديقة بلا صوت ضحكتها، والغرف الكبيرة كأنها فقدت روحها. لكن المفاجأة جاءت بعد ذلك بأيام، عندما فتح المحامي وصيتها. كان البيت مكتوبًا باسمي أنا. موثق رسميًا في الشهر العقاري. لم أفهم في البداية لماذا فعلت ذلك، لكنني تذكرت جملة كانت تكررها دائمًا: “كل إنسان لازم يكون له مكان آمن يرجع له.” ربما كانت تعرف أنني سأحتاج هذا المكان يومًا ما.
داليا لم تتقبل الأمر. في البداية ظنت أن هناك خطأ، ثم بدأت تقنع نفسها أن الوصية يمكن تغييرها. وبعد أن فهمت أن الأمر قانوني ولا يمكن التراجع عنه بسهولة، تحول غضبها إلى شيء آخر. لم تكن تريد البيت لأنها تحبه، بل لأنها لا تستطيع احتمال فكرة أنه أصبح لي أنا. كانت تقول لي أحيانًا بنبرة تبدو لطيفة لكنها تخفي شيئًا قاسيًا: “يا ريم، البيت كبير عليكي. أنا أولى بيه.” وأمي كانت تهز رأسها موافقة، كأن الأمر منطقي تمامًا.
عندما حملت، توقعت أن الأمور ستتغير قليلًا. كنت أظن أن قدوم طفل جديد قد يجعل العائلة أكثر لطفًا. لكن ما حدث كان العكس تمامًا. داليا جعلت موضوع البيت قضية يومية. كانت تتحدث عنه في كل زيارة، في كل مكالمة، حتى في الرسائل القصيرة. تقول لي ببرود: “إنتي كده كده هتعيشي مع جوزك وتفتحي بيت جديد، البيت القديم ده مش هيليق بيكي.” أمي كانت تدعمها، وأبي كان يتنهد ويقول إنني أعقد الأمور بلا سبب. كنت أبتلع الكلمات في صمت. لم أكن أريد شجارًا وأنا حامل.
ثم حدث شيء غير متوقع. فجأة بدأت داليا تمرض. نهجان، إغماءات، ضعف مفاجئ. العائلة كلها تحولت إلى خلية طوارئ حولها. أمي لم تعد تذهب إلى بيتها تقريبًا، وأبي صار يقضي نصف يومه في المستشفى. وأنا؟ كنت بالكاد أستطيع المشي، لكن أحدًا لم يسألني كيف أشعر. عندما كنت أحاول التحدث عن تعب الحمل، كانوا يقولون لي: “متنكديش على الجنين.”
في المستشفى، كانت رائحة المطهرات تختلط برائحة القهوة الباردة في الممرات الطويلة. الإضاءة البيضاء القاسية تجعل الوجوه شاحبة. كنت أزور داليا أحيانًا بدافع الواجب، أحمل في داخلي خليطًا غريبًا من التعاطف والحذر. كانت تنظر إليّ بعينين نصف مغلقتين، وتتنفس ببطء خلف قناع الأكسجين، وكأنها في حالة خطيرة جدًا. أحيانًا كانت تمسك الهاتف وتطلبني، تقول بصوت ضعيف: “يا ريم… أنا مش عايزة أموت وإحنا زعلانين.” كانت كلماتها تضعني في موقف صعب، لأن أي اعتراض مني كان يبدو كأنه قسوة.
وفي أحد الأيام، اتصلت بي أمي وقالت إن داليا تريد أن تصالحني. قالت إن المرض جعلها تعيد التفكير في كل شيء. صدقت ذلك. ربما لأنني كنت أتمنى أن يكون صحيحًا. ذهبت إلى المستشفى ببطء، أضع يدي على بطني طوال الطريق. كنت أشعر أن هذه اللحظة قد تكون بداية جديدة بيننا.
دخلت الغرفة بهدوء. كانت داليا مستلقية على السرير، تبدو شاحبة وضعيفة. اقتربت منها بحذر، وقلت لها إنني أتمنى أن تتحسن. للحظة، ظننت أن الأمور ستسير بهدوء. لكن في ثانية واحدة فقط، تغير كل شيء. فجأة نزعت قناع الأكسجين وبدأت تصرخ بأعلى صوتها. صراخها ملأ الغرفة كأنه إنذار حريق. لم أفهم ما يحدث. كنت واقفة في مكاني مذهولة.
دخلت أمي مسرعة، ورأت المشهد: داليا تصرخ وتتنفس بصعوبة، وأنا أقف بجانب السرير. لم تنتظر تفسيرًا. في لحظة غضب اندفعت نحوي. كان بجانب السرير حامل معدني للمحاليل. أمسكت به ورمته نحوي بعنف. الضربة جاءت مباشرة في بطني. الألم كان حادًا ومفاجئًا، كأن الهواء انقطع من صدري. سقطت على الأرض وأنا أصرخ، والدم بدأ ينتشر على الأرضية البيضاء.
بعد ذلك أصبحت الأحداث ضبابية. أصوات أقدام سريعة، ممرضات يصرخن، أطباء يركضون. شعرت أنني أطفو بين الوعي والغياب. آخر ما رأيته قبل أن أفقد الإحساس كان نظرة في عيني داليا… نظرة هادئة بشكل مخيف.
عندما فتحت عيني بعد العملية، كان الطبيب عصام واقفًا أمامي. رجل في الستين من عمره، بوجه صارم ونظرة لا تخفي شيئًا. كان والداي يقفان خلفه، لكن الصمت كان ثقيلاً في الغرفة. تحدث الطبيب بهدوء وقال إن الجنين نجا بصعوبة. شعرت بارتياح قصير، لكن ملامحه كانت تخفي شيئًا آخر.
ثم قال الحقيقة التي قلبت كل شيء. قال إن داليا لم تكن مريضة كما ادعت. التحاليل أظهرت أن عينات الدم كانت تُبدل عمدًا، وأن أجهزة المستشفى سجلت أنها هي من نزعت الأكسجين بنفسها. لكن المفاجأة الأكبر لم تكن هذا. أثناء العملية، اكتشف الأطباء أثر مادة سامة بطيئة في جسدي. مادة كانت تدخل بكميات صغيرة مع الطعام. تفسيرهم كان صادمًا: شخص ما كان يحاول إيذائي ببطء، دون أن يثير الشك.
في تلك اللحظة شعرت بأن العالم توقف. نظرت إلى أمي، إلى أبي، ثم إلى الباب المغلق. كل الذكريات القديمة عادت فجأة: النظرات الباردة، الإلحاح على البيت، المكالمات المتكررة. لم أكن أريد تصديق ما يعنيه هذا الاكتشاف.
الطبيب قال إن إدارة المستشفى أبلغت الجهات المختصة لأن كاميرات المراقبة سجلت ما حدث في الغرفة. لم يكن هناك مجال للإنكار. الممر خارج الغرفة كان مليئًا بالأصوات الثقيلة لخطوات الشرطة. لأول مرة منذ سنوات، شعرت أن الحقيقة ستُقال بصوت عالٍ.
لم أكن أفكر في البيت وقتها. ولا في الخلافات القديمة. كل ما كنت أفكر فيه هو الطفل الذي ينام الآن بسلام داخل جسدي رغم كل شيء. وضعت يدي على بطني وشعرت بحركة خفيفة. كانت تلك الحركة الصغيرة كأنها رسالة واضحة: الحياة لا تزال أقوى من كل شيء آخر.