اليوم ده كنت مستنياه من سنين، يمكن من أول يوم دخل أحمد المدرسة، أو يمكن من قبل كده بكتير، من أول ما شلته على إيدي وهو لسه طفل صغير ومكنتش عارفة الأيام مخبية لنا إيه. يوم تخرجه من كلية التجارة قسم إنجليزي. المفروض يوم زي ده أي أم تفرح فيه وتنسى كل التعب اللي فات، وأنا فعلًا كنت داخلة اليوم ده وأنا بحاول أقنع نفسي بكده.
وقفت قدام المراية بدري، مش علشان أتزين قد ما هو علشان أرتب نفسي بهدوء. عدلت الطرحة، نفس الطرحة اللي بلبسها في المناسبات، ولمست البروش القديم اللي ورثته من أمي، من غير ما أفكر حتى هو شكله مناسب ولا لأ. بصيت لإيدي شوية… يمكن أول مرة آخد بالي منهم بالشكل ده. جلد ناشف، شقوق صغيرة، آثار تعب سنين. ابتسمت لنفسي ابتسامة خفيفة، مش فرح قوي، بس رضا.
لبست الفستان الكحلي اللي عندي من فترة، بسيط ومفيهوش أي حاجة مميزة، بس نظيف ومكوي. قلت في نفسي: كفاية كده. أنا مش رايحة أتباهى، أنا رايحة أشوف ابني.
لما أحمد خرج من أوضته وهو لابس بدلة التخرج، وقفت أبص له شوية. كان شكله مختلف… مش بس كبر، لكن بقى فيه حاجة من الناس اللي بتتكلم بثقة وبتتحرك كأنها عارفة هي رايحة فين. حسيت بشيء من الفخر، حتى لو ما قولتش.
كنت مستنية منه يبص لي، يبتسم، يقول أي كلمة بسيطة، لكنه سبقني بالكلام. قال بهدوء: “يا ماما… ممكن تقعدي ورا النهارده؟ يعني… بلاش الصفوف الأولى… علشان أهل مي هيبقوا موجودين، وماماها هتمشي جنبي… فاهمة قصدي؟”
سكت لحظة، مش علشان مش فاهمة، بالعكس، فهمت كويس. هزيت راسي وقلت: “ماشي يا حبيبي.” ما سألتش، وما علّقتش. حسيت إن أي كلمة زيادة ممكن تكبّر الموضوع، وأنا مش جاية أعمل مشكلة.
ركبنا وسكتنا أغلب الطريق. هو كان ماسك الموبايل، وأنا كنت ببص من الشباك. كنت بحاول ما أفكرش كتير.
القاعة كانت كبيرة ومجهزة بشكل مبالغ فيه شوية، إضاءة، تصوير، ناس لابسة شيك جدًا. دخلت ووقفت في الآخر زي ما طلب. محدش خد باله مني، وده يمكن كان مريح في لحظة زي دي.
كنت شايلة علبة صغيرة فيها ساعة اشتريتها له بعد فترة طويلة من التوفير. ما كانتش أغلى حاجة، بس كانت على قد إمكانيتي، واخترتها بنفسي. كنت متخيلة إني أديهاله بعد الحفل وهو مبسوط.
من مكاني، كنت شايفاه بيتحرك بين الناس بسهولة، بيضحك، بيهزر، بيتصور. خطيبته مي كانت جنبه، وأهلها حواليه. والدها بيتكلم معاه بثقة، ووالدتها—جيهان—واضح إنها مرتاحة جدًا، وبتتعامل كأنها جزء أساسي من الصورة.
حاولت مرة أقرب، بس هو كان دايمًا مشغول، أو ماخدش باله. مرة كمان قربت وعدلت له الروب من غير ما أفكر، لكنه قال بسرعة: “ماما… خلّيكي ورا شوية علشان الزحمة.” وقالها بشكل عادي، بس وصلتني.
رجعت مكاني وقعدت. جنبي ست سألتني: “ابنك فين؟”
قلت لها وأنا مش شايفة غيره: “هناك… اللي واقف جنب البنت.”
ابتسمت وقالت: “واضح عليه شاطر.”
هزيت راسي من غير ما أتكلم.
بدأ توزيع الشهادات، ولما نادوا على أحمد، القاعة صفقت. وقفت أبص له، يمكن دي أول لحظة أحس فيها إني شايفة تعبي قدامي بشكل واضح. طلع المنصة، وكان ثابت، وده فرحني رغم كل حاجة.
بعد ما خلصوا، كنت فاكرة إن الحفل انتهى، لكن العميد مسك الميكروفون وقال إن فيه تكريم خاص. الناس سكتت، وأنا كمان ركزت من غير ما أتوقع حاجة.
بدأ يحكي عن حالة لطالب كانت مصاريفه بتتدفع بطريقة غريبة شوية، واحدة بتيجي بدري جدًا كل سنة، تدفع وتختفي. قال إنهم عرفوا بالصدفة إنها أم الطالب، وإنها باعت مصدر رزقها واشتغلت في أكتر من شغل علشان تكمل تعليمه من غير ما تضغط عليه.
وأنا بسمع، حسيت إني مش مرتاحة. كنت عارفة الكلام رايح فين، بس في نفس الوقت ما كنتش حابة الموضوع يتقال بالشكل ده.
لما قال اسمي، حسيت إن كل العيون بقت عليّ. وقفت بتردد شوية، بس الناس بدأت تصفق، فمشيت لقدام. ما كنتش بحب المواقف دي، ولا متعودة عليها.
طلعت على المنصة، وأحمد كان واقف، شكله متغير. كان باين عليه إنه اتفاجئ، ويمكن اتصدم. ما بصّتش له كتير، علشان ما أضعفش.
العميد سلّم عليّ باحترام، واداني الميكروفون. مسكته لحظة، وسكت. ما كانش عندي كلام محضّر، ولا كنت ناوية أقول حاجة أصلاً.
في اللحظة دي، أحمد نزل من على المنصة وقرب، وصوته كان واطي وهو بيقول: “حقك عليّ يا ماما.”
الجملة كانت بسيطة، بس تقيلة.
بصيت له، مش بزعل، ومش بفرح… حاجة بينهم. يمكن تعب سنين كله كان موجود في اللحظة دي.
طلعت الساعة من العلبة، وبصيت لها شوية، وبعدين بصيت حواليّ. شفت واحد من زمايله، كنت سامعة قبل كده إنه معتمد على نفسه بالكامل.
ناديته بهدوء واديته الساعة، وقلت: “دي هدية بسيطة… ربنا يوفقك.”
ما قلتش خطبة، وما حاولتش أعمل مشهد. بس قبل ما أسيب الميكروفون، قلت جملة واحدة:
“ربنا يكرم كل واحد تعب علشان يوصل.”
سيبته ونزلت. وأنا ماشية، ما كنتش حاسة بانتصار، ولا هزيمة. كنت حاسة إني خلصت دوري… بس كده.
وأنا خارجة، سمعت الناس بتتكلم، بس ما وقفتش. ما بصّتش ورايا. يمكن لأول مرة من سنين، ما كنتش محتاجة حد يشوفني علشان أحس بقيمتي.
وفي الطريق، فهمت إن في حاجات ما بتتقالش، بس بتفضل عايشة جوه الواحد… زي التعب، وزي الكرامة… وزي الحب لما يتجرح.
رجعت البيت يومها بدري، أسرع من أي يوم تاني، كأني عايزة أخرج من كل اللي حصل قبل ما أستوعبه. قفلت الباب ورايا، ووقفت لحظة في الصالة، بصيت حواليا… نفس المكان اللي عشت فيه سنين، نفس الكرسي، نفس الترابيزة، نفس الهدوء اللي كنت بحبه، بس المرة دي كان فيه حاجة مختلفة. كأن المكان نفسه بقى أوسع شوية… أو يمكن أنا اللي خفيت حملي.
قلعت الطرحة بهدوء، وحطيتها على الكرسي، وقعدت من غير ما أعمل حاجة. ما شغلتش التليفزيون، ولا حتى دخلت المطبخ. كنت محتاجة أسكت بس. كل كلمة اتقالت في الحفل كانت بترجع في دماغي، بس الغريب إني ما كنتش متضايقة زي ما توقعت… كان فيه وجع آه، بس كان فيه راحة غريبة جنبه.
عدّى وقت مش عارفة قد إيه، لحد ما سمعت خبط خفيف على الباب. ما اتحركتش بسرعة، قمت بهدوء وفتحت. كان أحمد.
واقف قدامي، من غير البدلة، لابس هدوم عادية، وشه مرهق، وعينه فيها كلام كتير مش عارف يقوله. بصّينا لبعض لحظة من غير كلام.
قال بصوت واطي: “ينفع أدخل؟”
هزيت راسي وسِبته يدخل. دخل وقعد، بس مش في مكانه المعتاد… قعد على طرف الكرسي، كأنه ضيف.
سكتنا شوية، وهو اللي بدأ: “أنا… ما كنتش أعرف.”
ما رديتش، مش علشان أتجاهله، لكن علشان الجملة دي كانت محتاجة تتفهم أكتر من إنها تترد عليها.
كمل وهو باصص في الأرض: “كنت فاكر إن المصاريف… يعني… بتتدفع عادي. عمري ما سألت… يمكن علشان ما فكرتش… أو يمكن علشان ما كنتش عايز أفكر.”
بصيت له المرة دي، وقولت بهدوء: “ما سألتش علشان كنت مطمّن.”
رفع عينه لي، وكأنه استوعب الكلمة. سكت تاني، وبعدين قال: “أنا غلطت يا ماما… مش بس النهارده… في حاجات كتير.”
ما استعجلتش أرد. كنت عايزة أسمع لحد الآخر.
قال: “أنا اتكسفت منك… ودي أسوأ حاجة عملتها… لأني كنت فاكر إني بحافظ على شكلي… بس الحقيقة إني كنت بخسر حاجة أكبر.”
الكلام كان صريح، ومش متعود عليه منه. يمكن أول مرة أشوفه بيتكلم كده.
قلت له بهدوء: “أنا مش زعلانة علشان النهارده بس… أنا زعلانة علشانك أنت.”
اتلخبط شوية: “علشاني؟”
هزيت راسي: “آه… علشان أنت تعبت عشان توصل، بس نسيت إيه اللي وصّلك.”
سكت، وكلامي شكله وصل له. ما حاولش يدافع عن نفسه، ودي كانت حاجة جديدة.
بعد شوية، قال: “أنا عايز أصلّح اللي عملته… حتى لو بالتدريج.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة: “الإصلاح مش بالكلام يا أحمد… بالتصرف.”
هز راسه وقال: “عارف.”
السكوت رجع تاني، بس المرة دي كان أهدى. ما كانش تقيل زي الأول.
قبل ما يمشي، وقف وقال: “الساعة… كنت مستنيها منك… بس يمكن أنا ما استاهلتهاش.”
قلت له: “يمكن لسه.”
بص لي لحظة، وكأنه فهم، ومشي.
الأيام اللي بعد كده ما كانتش درامية زي الأفلام. ما فيش حاجة اتغيرت فجأة. بس حاجات صغيرة بدأت تتحرك.
بقى بييجي يسأل عليّ من غير سبب. يقعد شوية حتى لو ساكت. مرة دخل المطبخ وقال: “أساعدك؟” واستغربت أكتر ما فرحت.
بدأ يتكلم معايا عن شغله اللي بيدور عليه، ويسألني رأيي، حتى لو ما كانش محتاجه فعلاً.
ومرة، بدون مقدمات، قال قدام خطيبته: “أمي تعبت معايا كتير.”
الجملة كانت بسيطة، بس كان فيها فرق كبير.
أنا ما نسيتش اللي حصل… بس ما كنتش عايزة أعيش جواه. كنت شايفة إنه بيتعلم، وده أهم.
وفي يوم، بعد فترة، رجع البيت ومعاه علبة صغيرة. حطها قدامي وقال: “مش نفس الساعة… بس أنا اللي جبتها المرة دي.”
فتحته، لقيت ساعة بسيطة، مش غالية، بس متختارة بعناية.
بصيت له، وقلت: “جميلة.”
قال: “كنت عايز أبدأ بداية صح.”
ما قولتش كلام كبير، بس لبستها في إيدي قدامه.
وفي اللحظة دي، حسيت إن يمكن… بس يمكن… الحكاية ما خلصتش يوم التخرج. يمكن كانت دي البداية بس… بداية إنه يفهم، وبداية إني أسيب له فرصة يتغير.
مش كل حاجة بترجع زي الأول… بس في حاجات ممكن تتبني من جديد… لو في نية حقيقية.