بوابة الزمن… شهادة ماشطة فرعون
فكرة وكتابة / محاسن عبده
في تلك الليلة الهادئة، عندما كان العالم يبدو ساكنًا كأنه يلتقط أنفاسه بعد يوم طويل، وقفتُ أمام بابٍ غريب لم أره من قبل. كان بابًا ضخمًا، قديم الطراز، محفورًا عليه نقوش تشبه تلك التي تُرى في المعابد القديمة. الضوء حوله كان خافتًا، لكنه لم يكن ظلامًا حقيقيًا، بل أشبه بهالةٍ رمادية تتسلل إلى المكان فتمنحه رهبةً لا تُوصف. كان الصمت يلف كل شيء حولي، حتى أنني استطعت سماع دقات قلبي بوضوح.
اقتربتُ أكثر، ولاحظت جملة محفورة على الباب بحروف عتيقة تقول: “هنا تتكلم الأرواح التي صنعت التاريخ.” شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. لم أكن أعلم لماذا جئت إلى هنا، ولم أكن متأكدًا إن كان يجب أن أفتح الباب أم أبتعد عنه. لكن فضولًا عجيبًا كان يدفعني إلى الأمام خطوة بعد أخرى.
مددت يدي ببطء، ولمست المقبض البارد. في تلك اللحظة شعرت كأن الزمن توقف. دفعت الباب قليلًا، فصدر عنه صوت قديم كأنه يفتح بعد قرون طويلة من الإغلاق. ما إن دخلت حتى شعرت بأنني لم أعد في عالمي الذي أعرفه. الهواء نفسه كان مختلفًا، والضوء بدا كأنه يحمل ذكرى زمنٍ بعيد.
وقفت في مكانٍ واسع يشبه قاعة كبيرة، وفجأة سمعت صوت امرأة. كان صوتها هادئًا، لكنه يحمل قوة غريبة، قوة نابعة من يقين لا يتزعزع. لم أكن أراها، لكن حضورها كان واضحًا كأنها تقف أمامي تمامًا. قالت بصوتٍ عميق:
“أنا ماشطة فرعون… وهذه حكايتي.”
في تلك اللحظة أدركت أنني لم أعبر مجرد باب، بل دخلت إلى بوابةٍ للزمن نفسه. وهنا بدأت قصة ماشطة فرعون، المرأة التي لم تكن ملكة ولا قائدة جيش، لكنها امتلكت شيئًا أعظم من كل ذلك… امتلكت إيمانًا لا يمكن كسره.
كنت امرأة بسيطة من نساء بني إسرائيل، لا يعرف اسمي كثير من الناس، ولا يلتفت إليّ أحد في طرقات المدينة. حياتي كانت هادئة، تمضي بين عملي ورعاية أطفالي، ولم أكن أطمح إلى أكثر من أن أعيش بسلام بعيدًا عن ظلم ذلك الزمن القاسي.
كان عملي في قصر فرعون نفسه، حيث كنت أعمل في خدمة ابنته. مهمتي كانت بسيطة جدًا: تمشيط شعر الأميرة والعناية به. القصر كان عظيمًا إلى درجة يصعب وصفها. الأعمدة كانت مغطاة بالذهب، والجدران مزينة بالنقوش والأحجار الكريمة، والخدم ينتشرون في كل زاوية كأنهم جزء من ذلك النظام الضخم الذي يحكم المكان.
لكن رغم كل هذا البريق، لم يكن قلبي يومًا متعلقًا بذلك القصر. كنت أشعر دائمًا أنني غريبة بين تلك الجدران. الذهب لم يكن يعني لي شيئًا، والسلطة لم تكن تغريني. كان هناك شيء واحد فقط يملأ قلبي… الإيمان بالله، رب موسى.
كنت أخفي إيماني بعناية شديدة. لم يكن ذلك خوفًا على نفسي فقط، بل خوفًا على أطفالي الصغار الذين كانوا كل ما أملك في هذه الحياة. كنت أعلم أن كلمة واحدة قد تودي بحياتي وحياتهم جميعًا، لذلك كنت أحفظ إيماني في صدري كما يحفظ الإنسان أغلى أسراره.
مرت الأيام والسنوات على هذا الحال، حتى جاء ذلك اليوم الذي غيّر كل شيء. كان يومًا عاديًا في بدايته. دخلت غرفة الأميرة كما أفعل كل صباح، وجلست خلفها أمشط شعرها الطويل الناعم. كانت الغرفة مضاءة بضوء الشمس الذي يتسلل من النوافذ العالية، وكان كل شيء يبدو هادئًا ومعتادًا.
لكن فجأة، سقط المشط من يدي. لم يكن سقوطًا قويًا، بل مجرد حركة صغيرة، ومع ذلك كان كافيًا ليكسر الصمت. انحنيت لألتقطه، وفي تلك اللحظة خرجت مني كلمة لم أستطع منعها.
قلت بهدوء: بسم الله.
توقفت الأميرة عن الحركة فورًا. شعرت بنظرتها الحادة وهي تنظر إليّ عبر المرآة. كان في عينيها سؤال لم أكن مستعدة للإجابة عنه.
قالت بتعجب: “الله؟ ألك رب غير أبي؟”
كان السؤال بسيطًا، لكنه كان أخطر سؤال يمكن أن يُطرح في ذلك القصر. للحظة قصيرة شعرت بالخوف، وتذكرت أطفالي. لكن في تلك اللحظة نفسها شعرت أن الكذب لن ينجيني.
رفعت رأسي ونظرت إليها بثبات وقلت:
“نعم… ربي ورب أبيكِ… الله.”
في تلك اللحظة بدأت قصة ماشطة فرعون التي ستبقى في التاريخ إلى الأبد.
لم تمضِ لحظات حتى كانت الأخبار قد وصلت إلى فرعون نفسه. الرجل الذي كان يعتقد أنه إله الأرض لم يكن يقبل أن يسمع اسم إلهٍ غيره. استدعاني إلى مجلسه، حيث كان يجلس على عرشه الضخم محاطًا بالحراس والقادة.
دخلت القاعة وأنا أعلم أن حياتي ربما تنتهي هنا. لكنني شعرت بهدوء عجيب يملأ قلبي. كان فرعون ينظر إليّ بنظرة مليئة بالغضب والغرور.
قال بصوتٍ مرتفع:
“ألك رب غيري؟”
كانت القاعة صامتة تمامًا، والجميع ينتظر إجابتي. لو قلت كلمة واحدة فقط تنكر إيماني، ربما كنت سأخرج من هناك حية. لكنني لم أستطع.
قلت بهدوء:
“نعم… ربي وربك الله.”
اشتعل الغضب في وجهه، وأمر بإحضار قدرٍ عظيم من النحاس، مليء بالزيت المغلي. كان المشهد مرعبًا، والنار تشتعل تحته حتى صار الزيت يغلي بعنف.
الاختبار العظيم حدث عندما تم أمر بإحضار أطفالي. عندما رأيتهم أمامي، شعرت أن قلبي ينفطر. كانوا صغارًا، لا يعرفون لماذا يقفون في ذلك المكان المخيف. نظر إليّ فرعون وقال:
“ارجعي عن دينك… وسأعفو عنك وعنهم.”
في تلك اللحظة شعرت أن العالم كله يضغط على قلبي. كنت أمًا قبل أن أكون أي شيء آخر. رؤية أطفالي في خطر كانت أقسى ما يمكن أن يمر به إنسان.
لكن الإيمان الذي كنت أخفيه لسنوات طويلة أصبح الآن أقوى من الخوف.
قلت بثبات:
“لن أرجع عن ديني.”
وهكذا بدأت اللحظة التي جعلت قصة ماشطة فرعون واحدة من أعظم قصص الثبات في التاريخ.
كان أصغر أطفالي رضيعًا بين ذراعي. عندما ترددت لحظة بسبب شدة الألم في قلبي، حدث أمر لم يكن يتوقعه أحد. أنطق الله الطفل الرضيع بكلمات واضحة.
قال:
“يا أمي… اصبري، فإنك على الحق.”
عندما سمعت تلك الكلمات، شعرت أن السماء نفسها تساندني. ابتسمت رغم الدموع، وعرفت أن الطريق الذي اخترته هو الطريق الصحيح.
قبل أن ينفذ حكمه، طلبت من فرعون طلبًا واحدًا فقط. نظرت إليه وقلت:
“إذا قتلتنا… فاجمع عظامنا وادفنها معًا.”
ضحك بسخرية وقال: “لكِ ذلك.”
وهكذا انتهت حياة ماشطة فرعون في ذلك اليوم، لكنها لم تكن نهاية حقيقية. لأن قصتها بقيت حيّة عبر الزمن، تُروى لكل من يبحث عن معنى الشجاعة والإيمان.
تلاشى الصوت ببطء، وعاد الصمت إلى القاعة. شعرت أنني أعود تدريجيًا إلى عالمي، كأن الزمن يعيدني إلى اللحظة التي دخلت فيها. عندما خرجت من الباب مرة أخرى، كان الليل لا يزال هادئًا كما كان في البداية.
لكنني لم أعد الشخص نفسه. كنت أفكر في سؤال واحد فقط:
كيف استطاعت امرأة بسيطة مثل ماشطة فرعون أن تهزم طاغية كان يحكم أمة كاملة؟
الإجابة كانت واضحة جدًا.
الإيمان… عندما يسكن القلب بصدق، يستطيع أن يصنع من الإنسان العادي بطلًا لا يهزمه الزمن.