في جوف الليل: رحلة نور بين الظلام والخوف والوحدة
في جوف الليل، بعد أن تجاوزت عقارب الساعة الثالثة فجراً، تتحول شوارع حي الزمالك العريق إلى كيان صامت يبتلع كل أصوات الحياة ويترك خلفه سكوناً ثقيلاً يزن الجبال. السكون هذا لم يكن مجرد غياب للصوت بالنسبة لنور، بل كان وحشاً كاسراً يترصدها في كل زاوية من زوايا شقتها الواسعة، يملأ الهواء بنفَس الخوف ويُشعرها بأنها محاصرة داخل قفص مظلم لا مفر منه.
ستة أشهر مرت منذ الحادثة اللعينة التي خطفت من نور البصر، تاركة إياها تتخبط في ظلام أبدي لا نهاية له. في هذه الأشهر، كانت الذكريات البصرية تتلاشى تدريجياً، الألوان تفقد معناها، وملامح الأحباب تتحول إلى سراب. في عالمها الجديد، أصبحت حاسة السمع هي شريان الحياة الوحيد، الرادار الذي يرسم لها جغرافية المكان الذي تقبع فيه. الشقة ذات الأسقف العالية المزخرفة بالجبس، والجدران السميكة، وأرضيات الباركيه التي تصدر صريراً مع كل خطوة، صارت صندوق رنين كبير يكبر أي همسة ويحولها إلى صرخة في ودانها.
نور أغمضت عينيها، مستمعة إلى إيقاع بندول الساعة الخشبية الضخم المعلق في الطرقة: “تيك.. توك.. تيك.. توك”. هذا الإيقاع الرتيب كان الونس الوحيد الذي يطمئنها بأن الزمن ما زال يمضي، وأنها ما زالت على قيد الحياة. رائحة ماء النيل الممزوج بطمي الشتاء كانت تتسلل من شقوق شيش البلكونة، تضرب في مناخيرها وتعيد إليها الشعور بالحرية التي حُرمت منها.
سحبت نفساً عميقاً وقررت أن تستسلم للنوم، لعله يخفف عنها دوامة الأفكار السودا التي تعصر عقلها. مدت يدها اليمنى لتلمس عصايتها البيضاء المعدنية، الدليل الأعمى الذي يرافق خطواتها المترددة منذ فقدان البصر، ثم وقفت على حيلها وضبطت اتجاهها نحو الطرقة الطويلة التي تفصل الصالة عن غرف النوم. خطوة، ثانية، ثالثة، وفجأة شعرت بوخزة شديدة، وكأن تياراً كهربائياً عالي الفولت قد مر في أطرافها. صمت الليل تم كسره بصوت خربشة غريبة، ثقيلة وخشنة، كأن مخلب عملاق يحفر في الخشب، أو جسم ضخم يُسحب ببطء على أرضية الشقة.
حاولت نور أن تجد تفسيراً منطقياً للصوت، حاولت إقناع نفسها أنه مجرد تمدد وانكماش لمواسير الزهر القديمة في العمارة، أو ربما فئران كبيرة وجدت ملجأ في شقتها المهجورة. لكنها كانت تعلم في أعماقها أن هذه المبررات واهية. الشقة التي فوقها، شقة الخواجة ياني، مغلقة منذ أكثر من عشرين عاماً، وورثتها متنازعون، ومفتاحها مدفون في محاكم الإسكندرية. حارس العمارة، عم سيد، أكد لها مئات المرات أن العتبة المغلقة للشقة لم يُمس أحد منذ أيام طفولتها، وأن ما تسمعه لا يمكن أن يكون سوى وهم.
الخربشة استمرت، ببطء لكنها طويلة، تحركت من ركن السفرة حتى استقرت فوق رأس نور مباشرة. ثم انقطعت فجأة، تاركة سكوناً جديداً، هذه المرة مفعماً بالتهديد، سكون يسبق العاصفة. نور كانت تكتم أنفاسها بصعوبة، وعرق بارد بدأ يتصبب على جبينها. ومع ذلك، استجمعت ما تبقى من شجاعتها وقررت أن تكمل طريقها إلى غرفة النوم، لتغلق الباب وتختبئ تحت البطانية، كما تفعل الأطفال عندما يخافون.
تحركت بخطوات شبه زاحفة، تجر رجليها على الأرض لتجنب أي صوت في الباركيه، دخلت الغرفة، وأدارت المفتاح في الكالون مرتين بإيد ترتعش كأوراق الشجر في الريح. جلست على حافة السرير، محتفظة بحجابها وعبايتها، ضمت ركبها لصدرها ووضع يدها على ودانها محاولة عزل نفسها عن العالم الخارجي، لكنها لم تستطع الهروب من صوت آخر. هذه المرة، الصوت كان خطوات بشرية واضحة، ثابتة، كعب حذاء صلب يضرب خشب الأرضية، حادة ومليئة بالغرور، وكأن صاحبها يمتلك المكان ويستعرض نفوذه في مملكته الخاصة.
الخطوات كانت تتنقل من أقصى يمين الغرفة إلى أقصى شمالها، رايحاً وجاي، وكأن صاحبها يقيس الأبعاد أو يعذب ضحيته نفسياً قبل أن ينقض عليها. شعرت نور بجدران الغرفة تضيق حولها، وأحست بضيق في صدرها بسبب الخوف الذي يملأ كل ذرة من وجودها. فكرة الاتصال بالشرطة لمعت في ذهنها، لكنها أدركت أن محاولة إقناع أحدهم بأنها امرأة كفيفة تسمع خطوات مجهولة في شقة مغلقة سيكون مضحكاً، وسيزيد من شعورها بالخذلان والخوف.
توقف الخطوات فجأة، مباشرة فوق المساحة الفاصلة بين سرير نور ودولابها العتيق، وبدت وكأن صاحبها ينظر إليها من خلال سقف خشبي مهترئ، مستمتعاً برعبها وضعفها. ثم وقع شيء غير متوقع، خبطة عنيفة، زلزال صغير ضرب سقف الغرفة، كأن كتلة ثقيلة سقطت من ارتفاع كبير. النجفة القديمة اهتزت بشدة، وسلاسلها المعدنية أصدرت رنيناً مزعجاً، كإنذار موت. قبل أن تستوعب نور ما يحدث، سمعت صوت جسم صلب ومستدير يتدحرج على الأرضية، كررر.. كررر.. كررر، ثم اصطدم بالحائط وتوقف. صمت تام ابتلع كل شيء بعد التدحرج، صمت يثير الغثيان ويدفع للجنون.
دموع حارة سقطت على وجنتي نور المائلتين للصفرة، وكل خيالها المظلم رسم صوراً مروعة: جثة هامدة، دماء تنزف، أرواح تزهق في الظلام. وفوق ذلك، بدأت حاسة الشم لديها تلتقط رائحة غريبة، مزيج من النحاس المصدي والملوحة، رائحة دماء حارة تتسرب ببطء وثبات نحو عالمها المظلم، معلنة بداية كابوس لن ينتهي مع طلوع الشمس.
نور جلست منكمشة على نفسها، محاولة أن تجد في الحجاب والبطانية ملاذاً من الخوف الذي يلتهم كل شيء حولها. كل صوت وكل حركة وكل خبطة في الشقة أصبحت بالنسبة لها عقاباً نفسياً، وعالمها المظلم صار ساحة لصراع داخلي بين الرعب والرغبة في النجاة. كانت تعرف أن هذه الليلة ستكون طويلة، وأن الخوف سيكون رفيقها الدائم حتى الفجر، لكن داخل قلبها، في مكان خافت، كان هناك بقايا من الشجاعة التي لم تمت بعد، بقايا يمكن أن تساعدها على الصمود في وجه الظلام.
كل خطوة، كل صرير، كل خربشة، كل همسة في الشقة أصبحت جزءاً من سجل الخوف الذي تحمله نور، وسجل حواسها الجديدة التي اضطرت للاعتماد عليها منذ فقدان البصر. كانت تعلم أن الخوف ليس مجرد شعور، بل كيان حي يحيط بها، يراقبها، ويختبر قوة إرادتها في مواجهة الظلام والوحدة.
نور، رغم كل الرعب، بدأت تدريجياً تسمع تفاصيل أكثر دقة: خفق قلبها الذي يعلو ويهبط مع كل صوت، همس الريح الذي يمر عبر الشقوق، حتى الصرير الطفيف للباركيه تحت قدميها. كل شيء أصبح مؤشراً، كل شيء أصبح خيطاً يمكن أن يقودها إلى النجاة، أو على الأقل إلى إدراك أنها ما زالت حية، وأنها لم تستسلم بالكامل للخوف.
في تلك الليلة الطويلة، بين الخوف والوحدة، بين الظلام والهمسات الغريبة، بدأت نور تتعلم أن السكون ليس مجرد غياب للصوت، بل مساحة يجب أن تُقرأ بعناية، وأن الخوف يمكن أن يصبح أداة لفهم العالم المظلم الذي أصبح جزءاً من حياتها. كانت تدرك أن الشجاعة لا تعني غياب الخوف، بل مواجهته، خطوة بعد خطوة، نفساً بعد نفس.
ومع أول خيوط الفجر التي بدأت تتسلل عبر شقوق البلكونة، شعرت نور أن الليل الطويل بدأ ينحسر ببطء، وأن الخوف الذي رافقها طوال ساعات الظلام أصبح أقل حدة. ومع ذلك، كانت تعلم أن الخوف سيعود، وأن كل ليلة ستفتح لها أبواب هذا الكابوس مرة أخرى، لكن بداخلها، كانت هناك قدرة جديدة على الصمود، ووعي بأن العالم، رغم كل رعبه، ما زال قابلاً للمواجهة، حتى في عتمة الحواس.