صدمة أم: عندما يتحول الابن إلى غريب في بيته وتدفع زوجته ثمن الإهمال

صدمة أم: عندما يتحول الابن إلى غريب في بيته وتدفع زوجته ثمن الإهمال


صدمة أم: عندما يتحول الابن إلى غريب في بيته وتدفع زوجته ثمن الإهمال

عمري ما هنسى اليوم ده مهما عشت… اليوم اللي صوت ابني فيه جالي في التليفون، صوت بارد بشكل يخوّف، ضحكته خفيفة وكأنها عادية، وكأنه بيحكي موقف بسيط مش هيهد بيت كامل. قال لي: “يا ماما، تصدقي مراتي كبرت وعجزت وبقت كركوبة أوي؟” الكلمة نزلت عليّ زي السكينة، مش عشان بس فيها قسوة… لكن عشان خرجت من ابني أنا، اللي ربيته على إيدي، واللي كنت فاكرة إني زرعت فيه الرحمة قبل أي حاجة تانية. في اللحظة دي حسيت إن في حاجة غلط أكبر من مجرد هزار تقيل… في حاجة بتتكسر وأنا مش شايفاها. دمّي غلي، قلبي وجعني، بس مسكت نفسي… لأن الغضب ساعات بيعمي، وأنا كنت محتاجة أشوف الحقيقة بعيني مش بعصبيتي. قفلت معاه وأنا مقررة قرار واحد بس: لازم أروح أشوف بعيني إيه اللي بيحصل في البيت ده.

وصلت من غير ما أقول، ومن غير ميعاد… وكنت متخيلة إن يمكن أبالغ، يمكن ألاقي الأمور عادية، يمكن يكون بس بيهزر… لكن أول ما الباب اتفتح، حسيت إن قلبي وقع في رجلي. البيت كان مليان صوت وصراخ وتعب باين في كل زاوية… مش فوضى عادية، لا… دي فوضى مرهقة، فوضى حد بيحارب لوحده من غير ما حد يشيله. شوفت نهى… مرات ابني… البنت اللي كانت أول ما دخلت بيتنا وشها منور، ضحكتها مالية المكان، وعنيها فيها حياة… لقيتها قدامي نسخة تانية خالص، كأن الزمن جرى عليها سنين في شهور. شعرها مربوط بسرعة، عينيها غارقة في الهالات، هدومها عليها آثار يوم طويل ما خلصش. كانت شايلة طفل، وفي نفس اللحظة بتحاول تفك خناقة بين اتنين، والتالت بيعيط على واجب مش فاهمه، والتوأم بيصرخوا من الجوع. خمس أطفال… وخمس مسؤوليات فوق طاقة أي بني آدم لوحده.

وقفت أتفرج ثواني… يمكن كنت مستنية أشوف ابني بيقوم يساعد، يمكن كنت مستنية أقول لنفسي “لا هو أكيد بيتعب برضه”… لكن لما بصيت عليه، حسيت بحاجة بتتكسر جوايا. لقيته ممدد على الكنبة، موبايله في إيده، والتلفزيون شغال، عايش في عالم تاني خالص… كأنه مش شايف ولا سامع ولا حاسس بأي حاجة حوالينه. ولا حتى رفع عينه يشوف مراته بتتخبط إزاي بين العيال، ولا مد إيده يساعد، ولا حتى قال كلمة طيبة. في اللحظة دي، حسيت إن اللي قدامي مش ابني… ده راجل غريب، قلبه بقى تقيل، ونسي يعني إيه مسؤولية، ونسي يعني إيه شراكة.

قربت من نهى، وسألتها بهدوء: “محتاجة مساعدة يا حبيبتي؟” بصت لي بخضة… وكأنها اتفاجئت إن حد شافها أصلاً، إن حد لاحظ إنها تعبانة. قالت لي بصوت واطي: “لا يا ماما، أنا كويسة… بس تعبانة شوية.” الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة… لأن “تعبانة شوية” دي مش جملة عادية، دي جملة ست وصلت لآخرها، ست تعبت لدرجة إنها مش قادرة حتى تشرح تعبها. سألتها: “آخر مرة نمتي فيها كويس كانت إمتى؟” هزت كتافها… كأن السؤال نفسه غريب عليها، كأن النوم بقى رفاهية مش حق.

في اللحظة دي، أنا ما شفتش بس تعبها… أنا شفت تمن أنانية ابني، شفت الإهمال اللي بيكسر الست واحدة واحدة من غير صوت. مش دايمًا القسوة بتكون ضرب أو خيانة… أوقات بتكون في التجاهل، في إنك تشوف حد بيغرق وتكمل قاعد مكانك. نظرتي لابني اتغيرت… لأول مرة حسيت إني لازم أوقفه عند حدّه، مش كأم بس… لكن كإنسانة شايفة ظلم بيحصل قدامها.

تاني يوم، روحت لنهى من غير مقدمات، وقلت لها: “قومي البسي… إنتي جاية معايا.” بصت لي باستغراب وخوف، وسألتني عن العيال، لكن أنا كنت مجهزة كل حاجة… لأن اللحظة دي كانت لازم تحصل، لازم حد يفوقها ويفكرها إنها لسه موجودة. خدتها معايا لمكان هادي… كوافير، مكان بسيط لكنه كفاية يرجع لها إحساس إنها إنسانة مش مجرد ماكينة شغل. في الأول كانت قاعدة متوترة، كأنها بتعمل حاجة غلط، كأنها سرقت وقت من واجباتها… لكن مع الوقت، ومع كل لمسة بسيطة في شعرها ووشها، ملامحها بدأت ترجع.

ولما بصت في المراية… سكتت. عينيها دمعت، وقالت بصوت مكسور: “أنا مش عارفة دي مين… دي مش أنا.” وقتها مسكت إيديها وقلت لها: “لا… دي إنتي… بس إنتي اللي نسيتي نفسك.” الكلمة دي كانت بداية… بداية إنها تشوف نفسها تاني، بداية إنها تفتكر إنها تستاهل تعيش مش بس تتحمل.

اليوم ده ما كانش مجرد خروج… كان محاولة لإنقاذ روح كانت بتختفي. خرجنا، اشترينا لبس بسيط بس مريح، حاجة تخليها تحس إنها موجودة، إنها أنثى ليها قيمة مش بس أم وخدامة في بيتها. وروحنا مكان هادي ترتاح فيه… لأول مرة يمكن من شهور. وكانت ساكتة أغلب الوقت… بس سكوتها كان مليان كلام، مليان وجع بيتفك واحدة واحدة.

واحنا قاعدين، قلت لها بهدوء: “في شغل عندي… منسقة إدارية، مواعيد مناسبة، وفي حضانة للعيال… تقدري تشتغلي وتعيشي.” بصت لي بدهشة، وقالت بسرعة كأنها محفوظة: “ما أقدرش أسيب بيتي وجوزي.” الرد كان أسرع من تفكيرها… رد واحدة متعودة تحط نفسها في آخر القائمة. سألتها بهدوء: “وهو عمل إيه عشان تفضلي تضحي كده؟”

وساعتها… انهارت. مش عياط عادي… ده عياط سنين، عياط وجع مكتوم، عياط ست كانت بتصرخ من جواها ومفيش حد سامعها. حكت لي عن تعبها، عن الوحدة وهي في بيت مليان ناس، عن الإهمال اللي بيكسرها يوم ورا يوم. وأنا كنت سامعة… بس في نفس الوقت، كنت حاسة بالذنب… لأني يمكن اتأخرت، يمكن ما شوفتش بدري.

في اللحظة دي فهمت حاجة مهمة… إن أقسى حاجة ممكن يعيشها إنسان مش الألم الواضح، لكن الألم اللي محدش معترف بيه. إنك تتعب ومحدش يقولك “إنتي تعبانة”… إنك تختفي قدام حد بيحبك وميلحظش. وده اللي حصل لنهى… وده اللي خلياني أقرر إن السكوت مش حل.

رجعت البيت وأنا شايلة قرار جوايا… مش هسيبها ترجع لنفس الدوامة، ومش هسيب ابني يكمل كده. لأن التربية مش بس حب… التربية كمان مواجهة. وأنا، لأول مرة، كنت مستعدة أواجه ابني بالحقيقة… حتى لو الحقيقة دي هتوجعه… لأن الألم المؤقت أهون بكتير من الظلم المستمر.

رجعت البيت في اليوم ده وأنا شايلة جوايا إحساس غريب… مزيج من الحزن والغضب والخوف. الحزن على بنت شايفة نفسها بتضيع قدامي، والغضب من ابني اللي بقيت مش عارفة أبرر له أي حاجة، والخوف… الخوف من اللي ممكن يحصل لو فضلت ساكتة. طول عمري كنت بقول إن البيت يتلم بالسكوت، وإن المشاكل تتحل بهدوء، لكن اللي شوفته خلاني أفهم إن في لحظات السكوت فيها بيبقى جريمة، وإن المواجهة مهما كانت تقيلة… أهون بكتير من إننا نسيب حد يتحطم قدامنا وإحنا بنتفرج.

تاني يوم، قررت أروح لأحمد… لوحده. كنت عارفة إن الكلام قدام نهى مش هينفع، لأن وجودها هيخليه يدافع أو يهاجم أو حتى يهرب. أنا كنت عايزة أشوفه على حقيقته… من غير ستاره المعتاد. دخلت عليه، لقيته زي ما هو… نفس القعدة، نفس اللامبالاة، كأن مفيش حاجة حصلت، كأن البيت اللي حواليه مش بيصرخ. بص لي باستغراب: “خير يا ماما؟ جاية بدري كده ليه؟” نبرة صوته كانت عادية… عادية زيادة عن اللزوم، وكأن كل اللي شوفته امبارح كان مجرد مشهد عابر.

قعدت قدامه، وبصيت له كويس… حاولت أدور على ملامح الطفل اللي ربيته، اللي كان بيجري عليّ أول ما يتعور، اللي كنت بعلمه يعني إيه مسؤولية، لكن اللي شوفته كان راجل تاني… راجل شايف نفسه محور الكون، وكل اللي حواليه مجرد تفاصيل. قلت له بهدوء حاولت أخبيه ورا أعصابي: “إنت شايف اللي بيحصل في بيتك؟” ضحك ضحكة خفيفة وقال: “عادي يا ماما… كل البيوت كده.” الكلمة دي خبطتني جامد… “كل البيوت كده”… الجملة اللي بتبرر أي إهمال، أي قسوة، أي تجاهل.

قلت له وأنا بصيتي ثابتة في عينه: “لا… مش كل البيوت كده، ولا كل الرجالة بتسيب مراتهم تتكسر بالشكل ده.” وشه اتغير شوية، لكن بسرعة رجع لنفس البرود وقال: “هي اللي اختارت… الخلفه الكتير، وهي اللي بتحب العيال.” هنا حسيت إن الكلام اللي جواه أخطر بكتير من تصرفاته… لأنه مقتنع، مقتنع إنه مش غلطان، مقتنع إن كل اللي بيحصل طبيعي، وإن تعبه هو أهم من تعبها، وإن وجوده في البيت كفاية.

سكت شوية… مش عشان معنديش رد، لكن عشان كنت بجهز نفسي للحظة اللي جاية. اللحظة اللي الأم فيها لازم تبطل تكون أم بس… وتبقى صوت للحق حتى لو ضد ابنها. قلت له بصراحة من غير لف ولا دوران: “إنت ظالم يا أحمد.” الكلمة وقعت عليه تقيلة، باين في عينه… لأول مرة اتحرك من مكانه، وقال بنبرة فيها ضيق: “ظالم؟ أنا؟! أنا اللي بشقى وبصرف!” ابتسمت ابتسامة حزينة وقلت: “الشقا مش فلوس بس… الشقا إنك تشيل، إنك تحس، إنك تكون سند… مش تتفرج.”

الجو اتقل… السكوت بقى تقيل، لكنه كان ضروري. هو لأول مرة مش لاقي كلام جاهز يرد بيه، وأنا لأول مرة مش خايفة أواجهه. قلت له بهدوء أخطر من أي صوت عالي: “مراتك بتغرق يا أحمد… وإنت واقف بتتفرج.” ساعتها بص بعيد عني، وكأن عينيه مش قادرة تستحمل الحقيقة. يمكن لأول مرة يشوف الصورة من بره… يمكن لأول مرة يحس إن في حاجة غلط فعلاً.

قمت من مكاني، وأنا حاسة إن الكلام وصل… أو على الأقل بدأ يخبط جواه. قبل ما أمشي، قلت له جملة واحدة بس: “لو فضلت كده… مش هتخسر مراتك بس… إنت هتخسر نفسك.” وخرجت. وأنا ماشية، قلبي كان بيدق بسرعة… مش عارفة اللي عملته ده صح ولا لأ، لكن كنت متأكدة من حاجة واحدة… إن السكوت كان هيبقى أسوأ بكتير.

في نفس الوقت، كنت بفكر في نهى… هل عندها القدرة تكمل؟ هل هتفضل مستنية يتغير؟ ولا هتاخد خطوة لنفسها لأول مرة؟ كنت عارفة إن القرار مش سهل، وإن اللي بنته سنين مش بيتغير في يوم… لكن كنت متأكدة إن الشرارة اتولعت. وإن حتى لو الطريق طويل… أول خطوة فيه اتاخدت.

الليلة دي، ما نمتش كويس… لكن لأول مرة من فترة، حسيت إني عملت حاجة… مش مجرد اتفرجت. لأن أصعب حاجة في الدنيا مش إنك تشوف الغلط… لكن إنك تسكت عليه. وأنا قررت إني مش هسكت تاني… لا عشان ابني، ولا عشان أي حد تاني… لأن العدل، حتى لو جه متأخر، لازم ييجي.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان