رجعت من الغربة بعد 15 سنة… الحكاية التي أعادتني للحياة

رجعت من الغربة بعد 15 سنة… الحكاية التي أعادتني للحياة


رجعت من الغربة بعد 15 سنة… الحكاية التي أعادتني للحياة

خمستاشر سنة غُربة مش مجرد رقم بيتقال في جملة عابرة، ولا حكاية تتلخص في كلمتين زي “اشتغلت وتعبت ورجعت”. خمستاشر سنة معناها إن عمرك اتقسم نصين، نص عشته بعيد عن روحك، ونص تاني سِبته وراك في حضن مكان مش عارف إذا كان هيحافظ عليه ولا لا. بالنسبة لي، النص اللي سِبته كان بنت صغيرة اسمها ليلى، كانت وقتها عندها عشر سنين، واقفة في المطار ماسكة في إيدي بإيدين ضعاف بيترعشوا من الخوف أكتر من البرد، وبتحاول تمنع دموعها قدامي علشان ما أضعفش. لكن أنا كنت شايف كل حاجة… شايف الرعب اللي في عينيها، وشايف السؤال اللي مش قادرة تقوله: “هو هترجع فعلًا يا بابا؟”وقتها وعدتها إني هرجع قريب. كلمة “قريب” دي كانت أكبر كدبة قلتها في حياتي، مش لأنني كنت ناوي أكذب، لكن لأنني كنت مضطر أقولها. الأب ساعات بيضطر يكذب علشان يدي الأمان، حتى لو هو نفسه مش مطمّن. وأنا كنت عارف إن الغربة مش هتكون قصيرة، كنت عارف إنها هتطول لسنين، بس كنت شايف قدامي طريق واحد بس: أسيبها شوية علشان ما تحتاجش حد طول عمرها.الغربة ما كانتش حلم ولا رفاهية، كانت حرب باردة يومية. بدأت من الصفر، شغل شاق في مجال النقل والخدمات اللوجستية، شغل يعتمد على الدقة، السرعة، والأعصاب الحديدية. كنت بشتغل ساعات طويلة، أنام قليل، أعيش بين المطارات والموانئ، أتعلم لغات غريبة، وأتعامل مع ناس ما تعرفش الرحمة غير في لغة العقود. كنت كل ليلة أرجع على سرير فندقي بارد، وأفتح موبايل أشوف صورة ليلى وهي صغيرة، وأقول لنفسي: التعب ده كله علشانها.

سنة ورا سنة ربنا كرمني. الشركة الصغيرة كبرت، وبقي عندي شبكة علاقات وشغل مستقر. الفلوس بقت تدخل حسابي، لكن الغربة ما كانتش بتدخل قلبي. كنت كل ما أحقق نجاح، أحس إن فرحتي ناقصة، لأن الإنسان مش بيتبسط لوحده، الفرح محتاج حد تشاركه معاه، وأنا كنت لوحدي.

قبل السفر، كنت عامل حساب كل حاجة بعقلية أب خايف زيادة عن اللزوم. اشتريت فيلا في التجمع الخامس باسم ليلى، مش إيجار ولا حل مؤقت، ملك كامل. كنت مؤمن إن الفلوس لو اتحطت في المكان الصح تتحول لأمان، مش لسلاح. سبتها في رعاية أختي نادية، أختي الكبيرة، اللي طول عمرها كانت تبدو مسؤولة وذكية، تعرف تتكلم كويس وتكسب ثقة أي حد. ما شكّتش فيها لحظة، لأن فكرة إن الدم ممكن يغدر ما كانتش موجودة في قاموسي.

السنين عدت، وأنا ما قصرتش يوم. تحويلات مالية منتظمة، مصاريف دراسة، مصروف شهري، فلوس إضافية لأي طوارئ. كل مرة أكلم ليلى كانت المكالمة قصيرة، صوتها هادي جدًا، دايمًا تقول: “أنا كويسة يا بابا”. كنت أفسر هدوءها إنه نضج، أو إنها مش عايزة تقلقني. نادية كانت دايمًا تطمّني، تقول إن ليلى عايشة في رفاهية، وأنا كنت مطمّن لدرجة إنني ما فكرتش أراجع أو أراقب.

رجوعي لمصر بعد خمستاشر سنة كان قرار نهائي. ما قلتش لحد، حبيت أشوف الحقيقة زي ما هي. لما وقفت العربية قدام الفيلا، حسّيت بشيء غريب… إحساس تقيل، كأن المكان نفسه مخبي حاجة. دخلت بهدوء، سمعت صوت احتكاك خفيف، رفعت عيني… وشفت بنت راكعة بتمسح الأرض عند السلم الرخامي.

المشهد كان عادي… لولا إنها رفعت وشها. الزمن وقف. كانت ليلى. بنتي. ملامحها متعبة، عينيها غويطة، وعلى دراعها كدمات. نطقت اسمها بصوت مخنوق: “ليلى”. بصّت لي وكأنها مش مصدقة، وقالت: “بابا؟”

في اللحظة دي، قلبي اتكسر. مش بس لأنها كانت بتشتغل خدامة في بيتها، لكن لأنني فهمت فجأة إن الغربة اللي كنت فاكرها بتأمّن مستقبلها كانت بتسرق عمرها.

خرجت نادية وقتها، وحاولت تبرر وتلف الكلام، لكن الحقيقة كانت أوضح من أي تفسير. في أقل من ساعة، اتخذت القرار اللي كان لازم يتاخد. الحسابات اتقفلت، الملكيات اتجمّدت، والأمانة اتكشفت. نادية خرجت من البيت، وليلى وقفت جنبي بتعيط بصمت، وأنا كنت بحاول أتماسك علشان أكون السند اللي غاب عنها سنين.

السنة اللي بعدها كانت أصعب من كل سنين الغربة. كانت سنة ترميم نفس اتكسرت بهدوء. ليلى كانت بتخاف من أصوات بسيطة، تعتذر على كل حاجة، حتى وهي حرة. قعدنا نبني علاقتنا من جديد خطوة خطوة، نفطر سوا، نتكلم، نتعلم نثق في بعض تاني.

دخلت العلاج النفسي، ودي كانت أصعب خطوة، لكنها كانت بداية الشفاء. بدأت تحكي، تبكي، تفهم إن اللي حصل مش عيبها. رجعت للدراسة، دخلت كورسات، بدأت تناقشني وتعترضني… وده كان أجمل صوت سمعته منها.

الشغل معايا جه بالتدريج. كانت بتزور الشركة، تسأل، تتعلم، لحد ما بقت عنصر مهم. يوم ما سمعت مدير يقول إنها شاطرة، حسّيت إن التعب كله كان ليه معنى.

بمرور الوقت، الضحكة رجعت، والخوف قل، والبيت بقى بيت بجد. وفي ليلة هادية، قالت لي: “الغربة انتهت يا بابا… مش لأنك رجعت، لكن لأنك رجعت حاضر.”

وقتها بس فهمت إن أغلى حاجة في الدنيا مش فلوس ولا شركات ولا فيلات… أغلاها إنك تكون موجود وقت ما حد يحتاجك. لأن الغياب أحيانًا بيجرح أكتر من القسوة، والإنسان ممكن يعيش فقير… لكنه ما يقدرش يعيش مهجور.

الفصل الثاني: ظل الغياب الذي لم يرحل

الليلة الأولى بعد ما رجعت ما كانتش ليلة عادية، رغم إن كل حاجة حواليا كانت هادية. الفيلا كانت مضاءة بنور أصفر دافئ، الجنينة مرتبة، والجو ساكن كأن الدنيا نفسها بتاخد نفس طويل بعد سنين صخب. لكن جوايا أنا، كان في عاصفة ما سكتتش. كنت قاعد في الصالة الكبيرة، المكان اللي طول عمري كنت بتخيله مليان ضحك وصوت عيلة، لكنه كان ساكت زيادة عن اللزوم. كل تفصيلة حواليا كانت بتفكرني بغيابي: السلم الرخامي اللي شفته ليلى بتمسحه، الكنب الفخم اللي ما حدش قعد عليه براحة، الصور المعلقة اللي كانت ليا وأنا مسافر أكتر ما كانت لينا وإحنا مع بعض.

ليلى كانت في أوضتها، الباب مقفول، والهدوء اللي جاي من ناحيتها كان يقلقني أكتر من أي صوت. كنت حاسس إنها مش عارفة تتصرف مع وجودي، زي طفل اتعود يعيش في الظلمة وفجأة حد فتح النور عليه. ما كنتش عايز أضغط عليها، ولا أدخل فجأة في حياتها كأني ما غبتش، لكن في نفس الوقت قلبي كان بيتقطع من فكرة إن بيني وبين بنتي مسافة أكبر من المسافة اللي قطعتها الطيارات بين القارات.

قعدت أفتكر أول ليلة في الغربة. يومها كنت قاعد في شقة صغيرة، على كرسي خشب، ماسك صورة ليلى وهي لابسة فستان المدرسة، وضاحكة ببراءة. كنت أقول لنفسي إن الغياب مؤقت، وإن كل يوم تعب هو خطوة ناحية مستقبل أفضل ليها. ما كنتش أعرف إن الغياب مش مجرد وقت بيعدي، الغياب بيسيّب ظل… ظل طويل بيمشي وراك حتى لما ترجع.

بعد شوية، سمعت صوت خطوات خفيفة في الممر. رفعت عيني لقيت ليلى واقفة عند باب الصالة، لابسة بيجامة بسيطة، شعرها مربوط، وعينيها فيها تردد واضح. كانت واقفة كأنها بتستأذن المكان نفسه قبل ما تدخل. قلت لها بهدوء: “تعالي يا بنتي، اقعدي.” اتقدمت بخطوات بطيئة وقعدت على طرف الكنبة، ظهرها مشدود كأنها مستعدة تقوم في أي لحظة.

فضلنا ساكتين شوية، الصمت كان تقيل لكنه مش مريح. حاولت أكسر الجليد بسؤال بسيط: “نمتي كويس؟” هزت رأسها وقالت: “شوية.” وبعدها سكتت تاني. كنت شايف في عينيها كلام كتير، لكن واضح إنها مش عارفة تبدأ منين. أنا كمان كنت تايه… الأب اللي جوايا عايز يحضنها ويعتذر ويبكي، والرجل اللي اتعلم في الغربة يحافظ على تماسكه واقف زي جدار.

فجأة قالت بصوت واطي: “كنت فاكرة إنك مش هترجع.” الجملة خرجت منها بهدوء، لكنها كانت زي سهم دخل في صدري. سألتها: “ليه يا ليلى؟” بصّت في الأرض وقالت: “علشان كل حاجة كانت بتقول كده… الوقت بيعدي، والمكالمات بتقل، والناس حواليّا بتقول إن اللي بيسافر ما بيرجعش.” ما ردتش فورًا، لأن الحقيقة إن جزء مني كان عارف إنها ما كانتش غلطانة.

قربت منها شوية وقلت: “أنا غلطت يا بنتي… افتكرت إن الفلوس تعوّض وجودي.” رفعت عينيها لي لأول مرة بثبات، وقالت جملة ما توقعتهاش: “أنا ما كنتش محتاجة فلوس… كنت محتاجة حد يسألني أنا حاسة بإيه.”

الجملة دي كسرتني من جوا. حسّيت لأول مرة بحجم الفراغ اللي سبتّه في حياتها. الفراغ ده ما كانش مجرد وقت ضايع، ده كان شعور مستمر بالوحدة والخوف. فهمت إن الغياب مش بس إنك تكون بعيد، الغياب الحقيقي هو إنك ما تبقاش حاضر في مشاعر اللي بتحبهم.

قعدنا نتكلم ساعتها لأول مرة بصدق كامل. حكت لي عن سنين الخوف، عن إحساسها إنها مش مرحب بيها في بيتها، عن الليالي اللي كانت بتنام فيها وهي حاسة إنها غريبة. ما قالتش تفاصيل مؤلمة كتير، لكنها قالت جملة لخصت كل حاجة: “كنت حاسة إني عايشة مؤقت… كأني ضيفة محدش عايزها.”

مع كل كلمة كانت بتقولها، كنت حاسس إني بتلقى محاكمة عادلة. مش محاكمة قانونية، لكن محاكمة ضمير. كنت فاكر إني ضحّيت علشانها، لكن الحقيقة إن التضحية دي كانت ناقصة… ناقصة وجودي جنبها.

في نهاية الليلة، وقفت ليلى وقالت بهدوء: “أنا مش زعلانة منك… بس محتاجة وقت أصدق إنك هنا فعلًا.” هزيت رأسي وقلت: “خدي كل الوقت اللي تحتاجيه.” لما دخلت أوضتها، فضلت قاعد لوحدي وقت طويل، أبص على الفراغ حواليا وأفكر في معنى الرجوع.

ساعتها بس فهمت إن الرجوع مش لحظة وصول، الرجوع رحلة طويلة… رحلة إصلاح، صبر، ومحاولة يومية إنك تعوّض اللي ضاع. فهمت إن الغربة الحقيقية ما كانتش في البلد البعيدة اللي عشت فيها، الغربة الحقيقية كانت هنا… في المسافة اللي اتخلقت بيني وبين بنتي من غير ما أحس.

ومن الليلة دي، بدأت مرحلة جديدة، أصعب من أي مرحلة فاتت. مرحلة إنك ترجع إنسان لحياته، وإنك ترجع نفسك كمان.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان