جابر الشراوي… حكاية الستر اللي غلب الدم

جابر الشراوي… حكاية الستر اللي غلب الدم


جابر الشراوي… حكاية الستر اللي غلب الدم

كان يا ما كان في نجع صغير على شط النيل، البيوت فيه طين، والقلوب أوسع من الأرض، عاش جابر ولد الشراوي، شاب صعيدي معروف بكلمته اللي ما تنكسرش، وصدره اللي يشيل جبل. ومن يوم ما كان عيل صغير بيلعب في الطين على ضفة النيل، كان قلبه معلق ببنت عمه منصور… نوارة.

نوارة كانت مختلفة عن كل البنات. مش بس عشان جمالها اللي يخلي الناس تقول “زي القمر ليلة بدره”، لكن عشان حيائها وأدبها. كانت تمشي في السوق مغمّضة العينين، وصوتها واطي، وضحكتها قليلة. جابر كان شايفها بنظرة تانية، مش نظرة ولد مراهق، لكن نظرة راجل حاطط في دماغه إنها تكون بيته وسنده.

كبروا، وكبر معاهم الوعد اللي ما اتقالش بصوت، لكنه كان مكتوب في العيون. ويوم ما جابر طلبها رسمي، البلد كلها عرفت إن الفرح هيبقى فرح السنين. المزامير ما بطلتش، والخيالة ضربوا البارود، والرجالة زغردت قبل النسوان من كتر الفخر.

دخل جابر بيت العدل ليلة فرحه وقلبه بيرقص من الفرحة. كان شايف عمره كله قدامه، بيت مليان عيال، ونوارة ماشية فيه زي النور. لكن أول ما قفل الباب عليهم، لاحظ حاجة ما كانتش في الحسبان. وش نوارة مش وش عروسة. كان أصفر، ومرعوب، وجسمها كله بيرتعش.

قرب منها وقال بحنية: “مالك يا ست البنات؟ ده أنا جابر حبيبك.”

لكن نوارة انفجرت في العياط، ووقعت تبوس إيده وتقول: “استرني يا جابر… أنا مظلومة.”

الدنيا لفت بجابر. الكلمة دي في الصعيد مش سهلة. سألها بصوت مخنوق: “إنتي مش بنت بنوت يا نوارة؟”

نوارة حكت بكسرة نفس عن وقعة قديمة من فوق الساقية وهي طفلة، وعن نزيف، وعن أم خافت تقول الحقيقة لأب عصبي، فدفنت السر معاها. قالت له: “شرفي ما اتلمسش، بس جسمي اتوجع من بدري.”

جابر كان قدام اختبار عمره. برا الباب الناس مستنية البشارة. عرف البلد واعر، والدم في العرف يغسل العار. لو خرج وقال كلمة، كانت نوارة تروح ضحية شك ما لهوش دليل. ولو سكت، يعيش طول عمره بين نارين.

لحظة الرجولة جات أسرع مما توقع. مسك سكينة الفاكهة وجرح إيده، وخلّى الدم ينزل على الشال الأبيض. طلع قدام الناس ورفع الشال وقال: “نوارة بنت بنوت، وعروسة النيل كملت فرحتها.”

الزغاريد علت، والفرح كمل. محدش عرف إن اللي نزل على القماش كان دم جابر، مش دم غيره.

لكن الحياة بعد الفرح ما كانتش سهلة. جابر كان بيحبها، لكنه في أعماقه شايل قلق صغير، زي شوكة تحت الجلد. مش شك في كلامها، لكن أثر كلمة الناس. نوارة كانت تحس بالحاجز ده بينهم. تخدمه برموش عينيها، لكن عينها تستنى منه كلمة تصدّق قلبها، مش بس تحميها من الناس.

وفي ليلة مطر، وقفت قدامه وقالت: “لو مش مصدقني بقلبك، ريحني. الموت أهون من نظرة شك.”

وقبل ما يرد، دخلت الخالة ستيتة، داية البلد، وحكت الحقيقة كاملة. أكدت الواقعة، وأقسمت إن البت مظلومة من صغرها. ساعتها بس حس جابر إن الجمر اللي في صدره برد.

من الليلة دي، اتغيرت علاقتهم. مش بس زوجين، لكن شريكين في سر حفظهم من ظلم الدنيا. عاشوا سنين والناس تضرب بيهم المثل.

لكن الخير دايمًا له عدو. عزت، ولد عم جابر، كان قلبه مليان غل. فضل ينبش في الماضي، ولما عرف بحكاية الساقية، حاول يشعل الفتنة في السوق قدام الرجالة. رمى كلمة مسمومة عن دم ليلة الدخلة.

المندرة سكتت. جابر وقف زي الجبل وقال: “اللي يجيب سيرة عرضي، يجيب عرضه هو الأول.”

الموضوع ما خلصش عند الكلمة. نوارة عرضت تروح للحكيم قدام الناس عشان تسكت الألسنة، لكن جابر رفض إنه يحط شرف مرته في ميزان كلام ناس.

جمع كبار البلد، وجاب الحكيم في وجودهم، والخالة ستيتة. الحكيم أكد إن الإصابة قديمة وطبيعية ومفيهاش أي عيب. ساعتها اتكسرت شوكة عزت، واتطرد من البلد بفضيحته.

عدّت السنين، ونوارة خلفت زين، ولد زي الأسد في الشهامة، وأمه في الطيبة. جابر رباه على إن الرجولة مش بس دم، لكن عقل وستر.

لكن نار الحقد اللي خرجت من البلد رجعت على شكل تاني. عزت خلّف ولد اسمه سلمان، رباه على الكراهية. الأيام دارت، وزين في يوم أنقذ بنت صغيرة من الغرق في الترعة. طلعت البنت دي بدرية بنت سلمان.

الموقف ده هزّ سلمان. راح لجابر يشكره، والعداوة القديمة واقفة بينهم. جابر استقبله بالقهوة، وقال له: “اللي فات مات. إحنا نعيش بالستر، مش بالدم.”

الصلح حصل، والقلوب اتصفت. البلد فهمت درس جديد: إن الكلمة الطيبة أحيانًا أقوى من الرصاصة.

وفي مولد من الموالد، ظهر خال نوارة بورقة قديمة تثبت الواقعة من زمان. شهادة مكتوبة من حكيم أجنبي كان شغال في التفتيش وقتها. الورقة دي كانت صك براءة رسمي.

جابر جمع الناس، وقرا الورقة بصوت عالي. قال: “أنا صدقت نوارة من غير ورق. لكن ربنا حب يظهر الحق قدام الناس.”

نوارة سجدت لله شكرًا، وقالت لجابر: “سترك ليّ كان هو السد اللي حمانا.”

كبر زين، واتجوز، وبقى اسم جابر الشراوي يتقال في كل مجلس. وعلى باب مندرة جابر، اتحفرت جملة:

“الدم يغسل العار… لكن الستر يغسل القلوب.”

ومرت الأيام، وبقت الحكاية تتقال في السهرات، مش كقصة دم، لكن كقصة راجل اختار العقل على الغضب، والحكمة على العرف الأعمى. واتعلمت النجوع إن الشرف مش قماش أبيض، الشرف موقف، والراجل الحر هو اللي يحمي بيته بالحق، مش بالخوف.

عدّت سنين، والنيل ماشي في مجراه كعادته، لا يتعجل ولا يتأخر، يشوف حكايات الناس ويخبّيها في قلبه. جابر الشراوي كبر في السن، لكن هيبته ما نقصتش، ونوارة بقت أم الدار اللي يدخل عليها الغريب قبل القريب وهو مطمّن. وزين، ولدهم، بقى شاب يُشار له بالبنان، ماشي بخطى ثابتة، شايل اسم أبوه على كتافه، وفاهم كويس إن الاسم ده مش حروف، ده تاريخ ومواقف.

لكن الدنيا ما بتمشيش على وتيرة واحدة. في سنة من السنين، حصلت مشكلة بين عيلتين كبار في البلد بسبب أرض على حدود الغيطان. كلمة من هنا، ورد من هناك، والنار كانت بتكبر تحت الرماد. الشباب اتحمّسوا، والكبار حاولوا يهدّوا، لكن العناد كان أقوى من العقل.

زين كان حاضر الجلسة اللي اتعملت في المندرة. شاف بعينه إزاي كلمة غلط ممكن تولع فتنة سنين. افتكر حكاية أبوه، وافتكر إزاي جابر كان دايمًا يقول له: “الرجولة مش إنك تكسب خصمك، الرجولة إنك تمنع الخسارة قبل ما تحصل.”

في اللحظة اللي واحد من الشباب شد صوته وقال كلمة ممكن تقلب الجلسة لخناقة، وقف زين فجأة. سكتت الأصوات. كان في عينه نفس البريق اللي كان في عين جابر زمان.

قال بهدوء: “الأرض دي عمرها ما كانت أغلى من دم حد فينا. لو حد فينا هيمشي من هنا وهو شايل ضغينة، يبقى خسرنا كلنا.”

الكلمة نزلت زي المطر على أرض عطشانة. الكبار بصّوا لبعضهم، والشباب هدوا. زين ما كانش بيزعق، لكنه كان بيتكلم بثقة اللي عارف إنه واقف على حق.

جابر كان قاعد في طرف المندرة، ساكت، بيبص لولده وابتسامة خفيفة على وشه. نوارة كانت واقفة ورا الستارة، قلبها بيدق، لكن فخرها أكبر من الخوف.

الجلسة انتهت بالصلح. الأرض اتقسمت بالعدل، وكل عيلة خرجت مرفوعة الراس. الناس بدأت تهمس: “زين طالع لأبوه.”

في نفس الليلة، جابر قعد مع زين في الحوش، والليل هادي إلا من صوت صرصور بعيد. قال له: “فاكر يا ولدي أول درس علمتهولك؟”

زين ابتسم: “إن الدم سهل، لكن الستر صعب.”

جابر هز راسه وقال: “الستر مش ضعف. الستر قوة. لأنك لما تستر حد، بتحارب نفسك الأول، وبتغلب غضبك.”

زين سكت لحظة، وبعدين قال: “يا بوي، أنا عايز أحط جملة على باب المندرة جنب اللي أنت كتبتها.”

جابر ضحك: “قول.”

قال زين: “اللي يستر غيره، ربنا يبعث له اللي يستره.”

نوارة سمعت الكلام، ودمعة نزلت من غير ما تحس. حسّت إن السلسلة كملت. السر اللي كان يوم من الأيام حمل ثقيل، بقى درس يتورّث.

مرت الأيام، وجابر تعب شوية من السن، لكن قلبه كان مطمّن. كان شايف بيته متماسك، وولده ماشي على نفس الطريق. وفي ليلة قمر، وهو قاعد على المصطبة قدام البيت، قال لنوارة: “فاكرة ليلة الفرح؟”

نوارة ضحكت بخجل السنين: “أنساها إزاي؟ دي كانت بداية عمر.”

رد جابر وهو بيبص للنيل: “لو رجع بيا الزمن، أعملها تاني. يمكن كنت هخاف أكتر، لكن كنت هاختار نفس الاختيار.”

نوارة مسكت إيده وقالت: “وأنا كنت هاختارك ألف مرة.”

كبرت الحكاية، وبقت مش بس قصة زوجين، لكن قصة بيت اتبنى على ستر وثقة. وزين لما اتجوز، حكى لمرته حكاية أبوه وأمه، مش عشان يمجدهم، لكن عشان يورثها المعنى.

وفي يوم من الأيام، طفل صغير من أولاد النجوع سأل جابر: “يعني إيه راجل يا عمو جابر؟”

ابتسم جابر وقال: “الراجل يا ولدي هو اللي لما الدنيا تختبره، يختار الصح حتى لو كان الأصعب.”

والولد مشي يردد الكلمة، يمكن من غير ما يفهمها كلها، لكن البلد كلها كانت فاهمة إن جابر الشراوي ما كانش بس راجل صعيدي، كان حكاية تتعاش قبل ما تتحكي.

وهكذا، بقى فصل الستر مش نهاية قصة، لكن بداية عهد جديد، يتسلم فيه الأب الراية لابنه، ويعيش الاسم مرفوع بين الناس، مش بقوة السلاح، لكن بقوة الموقف.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان