الصندوق تحت البلاطة… الحكاية التي بدأت قبل أن أولد
أحيانًا لا تأتي الحقيقة في شكل صدمة مفاجئة، بل تزحف نحوك ببطء شديد، كأنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتختار توقيت سقوطها فوق قلبك. لم أكن أتخيل وأنا أصعد سلالم عمارة جدي القديمة بعد وفاته بشهر واحد فقط أن حياتي التي عشتها خمسة وعشرين عامًا ستنقسم إلى نصفين؛ نصف قبل دخول تلك الشقة، ونصف آخر بعدها… نصف كنت أظنه حقيقيًا، ونصف اكتشفت أنه مجرد قصة متقنة الكذب.
اسمي سما، والاسم نفسه كان دائمًا لغزًا صغيرًا يلاحقني منذ طفولتي. كل تجمع عائلي كان ينتهي بالجملة نفسها: “دي نسخة من عمتها سما الله يرحمها”. كانوا يقولونها بابتسامة حزينة، ثم يسود الصمت فجأة، كأن ذكر الاسم يفتح بابًا لا يريد أحد الاقتراب منه. عمة ماتت يوم زفافها، هكذا قيل لي دائمًا، حادث غامض انتهى قبل أن يبدأ، وذكرى مؤلمة قررت العائلة دفنها للأبد.
حين فتحت باب شقة جدي في ذلك اليوم، شعرت أنني لا أدخل مكانًا مهجورًا فقط، بل أدخل زمنًا متوقفًا. الهواء كان ثقيلًا برائحة البخور والورق القديم، الستائر لم تتحرك منذ سنوات، والغبار كان يغطي كل شيء كطبقة صامتة من النسيان. خطواتي كانت بطيئة، ليس خوفًا، بل احترامًا لشيء غير مفهوم… إحساس بأن المكان يعرفني أكثر مما أعرفه. بدأت أجمع الأوراق وأرتب الأدراج كما طلبت مني أمي، لكن شيئًا داخلي كان يدفعني نحو غرفة المكتب تحديدًا، الغرفة الوحيدة التي لم يسمح لنا جدي بدخولها طوال حياته.
وأنا أرفع السجادة الثقيلة المتآكلة عند أحد الأركان، لاحظت اختلافًا بسيطًا في لون بلاطة الأرض. فرق لا يُلاحظ بسهولة، لكنه كان واضحًا لمن يبحث. انحنيت ولمستها بطرف أصابعي، ثم طرقت عليها بخفة… فجاء الصوت أجوف، فارغ، كأن تحتها مساحة مخفية. في تلك اللحظة تحديدًا تسارع نبضي بطريقة غريبة، شعور يشبه استدعاء قديمًا، كأن أحدهم كان ينتظرني لأصل تحديدًا إلى هذه النقطة.
رفعت البلاطة بصعوبة، وتحتها ظهرت فجوة صغيرة تحتوي صندوقًا خشبيًا أسود، قفله النحاسي متآكل من الزمن. لم أفكر كثيرًا، لم أسأل نفسي إن كان من حقي فتحه أم لا، فقط كسرته بدافع لا أستطيع تفسيره. توقعت مالًا، أوراق ملكية، ربما أسرارًا مالية… لكن ما وجدته كان ألبوم صور فقط. ألبوم قديم مليء بصور فتاة في العشرينات ترتدي فستان زفاف كلاسيكي من زمن آخر.
ثم توقفت أنفاسي.
الفتاة لم تكن تشبهني… بل كانت أنا.
نفس الشامة الصغيرة تحت العين، نفس الابتسامة المائلة قليلًا، حتى طريقة إمساك الطرحة التي طالما قالت لي أمي إنها عادة غريبة خاصة بي وحدي. جلست على الأرض غير قادرة على استيعاب ما أراه، بينما شعور بارد بدأ يتسلل داخلي. كيف يمكن لصور التُقطت قبل ولادتي بسنوات أن تحمل وجهي بالكامل؟ لم يكن الأمر تشابهًا عائليًا عاديًا، بل تطابقًا مرعبًا.
أسفل الألبوم وجدت ظرفًا أصفر مهترئ الحواف، مكتوبًا عليه بخط جدي: “إلى سما الحقيقية… لا تفتحيه إلا وأنتِ وحدك في منزلي”. ارتجفت يداي وأنا أفتح الرسالة، وكأنني أعبر خطًا لا عودة منه. السطر الأول وحده كان كفيلًا بتجميد الدم في عروقي: “يا سما… اليوم 2 مارس 1990، وأنا أكتب لكِ وأنتِ ما زلتِ احتمالًا لم يولد بعد.”
توقفت عن القراءة طويلًا. كيف عرف؟ كيف كتب رسالة لشخص لم يولد؟ لكن الصدمة الحقيقية جاءت بعدها مباشرة، حين قرأت الجملة التي هدمت كل ما اعتقدته يومًا: “عمتك سما لم تمت… عمتك هربت.” شعرت بالأرض تميل تحت قدمي. إذن سنوات الحزن التي عاشتها العائلة لم تكن إلا مسرحية؟ لماذا الكذب؟ ومن كانوا يخفون الحقيقة؟
تابعت القراءة بينما قلبي يخفق بعنف، حتى وصلت إلى السطر الأخطر: “الحقيقة خلف المراية الكبيرة في الصالة… وإن كسرتِها ستعرفين من أنتِ حقًا.” رفعت رأسي ببطء نحو الصالة حيث تقف تلك المرآة الضخمة التي طالما رأيتها دون أن أهتم بها. فجأة بدت مختلفة، كأنها لم تكن مجرد قطعة أثاث، بل حارسًا لسر طويل.
وقفت أمامها وأنا أحدق في انعكاسي، لكن الإحساس كان غريبًا؛ لم أشعر أنني أنظر لنفسي فقط، بل لنسخة أخرى تحاول الخروج. كان الصمت كثيفًا، حتى دقات الساعة عند منتصف الليل بدت كإنذار. وبينما كنت أرفع الشاكوش بتردد، سمعت صوت المفتاح يدور في باب الشقة ببطء… رغم أن عائلتي كلها خارج المدينة.
تجمدت مكاني. الباب انفتح قليلًا، وخطوات ثقيلة دخلت الصالة. اختبأت خلف الجدار وأنا أضغط الرسالة في يدي، وسمعت صوت رجل يقول بهمس: “واضح إنها وصلت قبلنا.” لم أتعرف على الصوت، لكنه كان يعرفني. في تلك اللحظة فهمت معنى تحذير جدي… لم يكن يخاف عليّ من الحقيقة، بل ممن يريدون دفنها.
لم يعد أمامي وقت للتردد. رفعت الشاكوش وضربت المرآة بكل قوتي. صوت الزجاج المتكسر دوّى في المكان، ومع سقوط القطع ظهرت خلفها فتحة خشبية مخفية تشبه بابًا سريًا صغيرًا. فتحته بيد مرتعشة، فوجدت ملفات، شهادات ميلاد، وصورة لامرأة تحمل رضيعًا… أنا.
لكن اسم الأم لم يكن اسم أمي.
الرسائل أوضحت كل شيء؛ عمة سما لم تهرب عبثًا، بل هربت لحمايتي. كنت ابنتها، وليست ابنة من ربّوني. العائلة أخفت الحقيقة خوفًا من صراع ميراث قديم جعل وجودي خطرًا على البعض. جدي أخفاني وسطهم، ورباني بعيدًا عن الحقيقة حتى يحين الوقت المناسب.
عندما خرجت من الغرفة السرية، كان الرجل يقف في الصالة ينظر إلى الزجاج المحطم. نظر إليّ طويلًا وقال بهدوء مخيف: “كنا نتمنى ما تعرفيش.” عندها فقط أدركت أن الحقيقة لا تُحرر دائمًا… أحيانًا تجعل حياتك هدفًا.
في تلك الليلة، لم أخسر عائلتي فقط، بل ولدت من جديد بهوية أخرى، بتاريخ آخر، وحياة لم أخترها. فهمت أخيرًا لماذا كنت دائمًا أشبه عمة لم أعرفها… لأنني لم أكن أشبهها، بل كنت امتدادها.
ومنذ ذلك اليوم، كلما نظرت في أي مرآة، أسأل نفسي سؤالًا واحدًا:
هل الحقيقة نعمة… أم لعنة تأخرت خمسًا وعشرين سنة؟
لم أنم في تلك الليلة، ولم يكن النوم خيارًا من الأساس. بعد انكسار المرآة وانكشاف الباب السري، شعرت وكأن الهواء نفسه تغيّر داخل الشقة، كأن المكان الذي ظل صامتًا لعقود قرر أخيرًا أن يتكلم دفعة واحدة. جلست على الأرض وسط الزجاج المتناثر، أضم الملفات إلى صدري كأنها الشيء الوحيد الحقيقي في عالم بدأ يتفكك أمامي. الرجل الذي دخل الشقة اختفى فجأة بعد صوت سيارات الشرطة في الشارع، لا أعرف إن كان هرب أم اختار الانسحاب مؤقتًا، لكن إحساس المراقبة لم يغادرني لحظة واحدة.
فتحت أول ملف ببطء شديد، وكانت يداي ترتعشان ليس خوفًا فقط، بل رهبة مما قد أقرأه. شهادة ميلاد أصلية تحمل اسمي… لكن بتاريخ مختلف، ومكان ولادة لم أزره يومًا. اسم الأم: سما عبد الرحيم. الاسم نفسه الذي عاشوا يقولون إنه مات منذ خمسة وعشرين عامًا. شعرت بدوار قوي، كأن حياتي السابقة كلها تُسحب من داخلي خيطًا بعد خيط. لم أعد أعرف من أنا تحديدًا؛ هل أنا الابنة التي تربّت وسط عائلة ظننتها عالمي؟ أم الطفلة التي أُخفيت عمدًا داخل قصة مزيفة؟
داخل الملف صورة قديمة لامرأة شابة تحملني رضيعة. لم أحتج وقتًا لأعرف أنها نفس الفتاة الموجودة في ألبوم الزفاف. كانت عيناها تشبهان عينيّ بطريقة موجعة، نفس النظرة التي تجمع بين القوة والخوف في آن واحد. خلف الصورة كلمات بخط يد مرتجف: “لو وصلتِ للصورة دي، يبقى أنا فشلت أرجعلك بنفسي.” قرأت الجملة عشرات المرات، وكل مرة كانت تضغط على صدري أكثر. أمي… الحقيقية… كانت تخطط للعودة.
بدأت أربط الأحداث ببطء. لماذا كانت أمي — أو المرأة التي ربّتني — تبالغ في حمايتي؟ لماذا كانوا يمنعون التصوير في المناسبات العائلية؟ ولماذا كان جدي يصر أن أزوره وحدي دون باقي الأحفاد؟ التفاصيل الصغيرة التي بدت عادية طوال حياتي تحولت فجأة إلى إشارات واضحة كنت أتجاهلها دون أن أدري.
بين الأوراق وجدت تسجيلًا صوتيًا قديمًا محفوظًا داخل جهاز صغير يعمل بالبطاريات. ترددت قبل تشغيله، لأنني شعرت أن صوتًا واحدًا قد يغيّر كل شيء للأبد. ضغطت الزر، وبعد ثوانٍ خرج صوت امرأة متعب، لكنه دافئ بطريقة غريبة جعلت الدموع تتجمع في عيني فورًا.
قالت: “يا سما… لو سمعتي التسجيل ده، يبقى أنا مقدرتش أحميكي زي ما وعدت.”
توقّف الزمن حرفيًا عند تلك اللحظة. الصوت لم يكن غريبًا، بل مألوفًا بشكل لا يُفسَّر، كأن ذاكرتي تعرفه رغم أن عقلي ينكره. شرحت في التسجيل كيف اكتشفت مؤامرة داخل العائلة بعد وفاة جدتي الكبرى، صراع على ميراث ضخم جعل وجود طفلة بعينها خطرًا على البعض. تلك الطفلة كنت أنا. لذلك قررت الهرب ليلة زفافها، تاركة خلفها كل شيء، حتى اسمها، لتمنحني فرصة للعيش بعيدًا عن الطمع والانتقام.
لكن التسجيل لم ينتهِ عند هذا الحد. في الدقائق الأخيرة، انخفض صوتها وقالت جملة جعلت جسدي يقشعر بالكامل: “لو حد غيرك وصل للصندوق… يبقى هما سبقوكي.” عندها فقط تذكرت الرجل الذي دخل الشقة قبل قليل. لم يكن يبحث عني صدفة، بل كان يعلم بوجود الصندوق منذ البداية.
نهضت بسرعة وأغلقت باب الشقة بالمفتاح، وسحبت الستائر، بينما بدأ عقلي يعمل بجنون. إن كانوا يعرفون أن الحقيقة انكشفت، فلن يتركوني ببساطة أخرج من هنا. نظرت حولي للمرة الأولى ليس كحفيدة جاءت لترتيب شقة جدها، بل كشخص يملك دليلًا قد يهدد تاريخًا كاملًا من الأكاذيب.
وقبل أن أقرر خطوتي التالية، رنّ هاتفي.
اسم المتصل كان “أمي”.
ترددت طويلًا قبل الرد، لأن السؤال الذي كان يطاردني أصبح واضحًا أخيرًا: هل المرأة التي سأسمع صوتها الآن كانت تحميني فعلًا… أم كانت جزءًا من الكذبة منذ البداية؟
رفعت الهاتف ببطء، وما إن قلت “ألو”، حتى جاءني صوتها مرتبكًا على غير عادتها:
“سما… إنتِ في شقة جدك دلوقتي؟”
تجمدت.
لأنها لم تكن تسأل…
كانت متأكدة.