سيدة السوق الغامضة

سيدة السوق الغامضة


سيدة السوق الغامضة

قصة سردية طويلة مستوحاة من حكاية متداولة على مواقع التواصل، بصياغة أدبية إنسانية مناسبة للنشر العام.

لم يكن سوق “بهاراتي” الشعبي في أطراف المدينة الهندية الكبيرة مجرد مكان تُباع فيه الخضروات والتوابل والأقمشة الرخيصة، بل كان كائنًا حيًا يتنفس مع الفجر، ويزدحم مع الضحى، ويهدأ عند المغيب كأن له قلبًا يخفق مثل البشر. في كل صباح، كانت الحمالات الخشبية تُسحب على الأرض بخشونة، وتُفتح الأقمشة عن أكوام الطماطم والبطاطس والبامية والفلفل، بينما يتصاعد من زوايا السوق خليط عجيب من روائح الكزبرة الطازجة، والزنجبيل، والعرق، والطين المبتل، والشاي الأسود المغلي على الجمر. أصحاب المحال يعرفون بعضهم بعضًا، ويتبادلون النكات نفسها كل يوم، ويختلفون على الأسعار نفسها كل يوم أيضًا، ثم يعودون آخر النهار إلى مصافحة بعضها كأن شيئًا لم يكن. وسط هذا النظام الفوضوي المألوف، كان “أرجون” يدير دكان خضروات صغير ورثه عن أبيه، لا يملك من الدنيا إلا عينين تريان التفاصيل بدقة، وذاكرة تحفظ الوجوه، وقلبًا تعب من الخسارة لكنه لم يتخل عن عادته القديمة في مراقبة الناس وكأنه يقرأ في وجوههم كتبًا مفتوحة.

في ذلك الأسبوع، كانت المدينة تعيش على إيقاع شائعة غريبة بدأت كسطر عابر في منشور مجهول ثم تحولت إلى حديث المقاهي والهواتف والحافلات والمدارس. قالوا إن كاميرا مراقبة في أحد الأسواق التقطت صورة لسيدة ظهرت فجأة في منتصف الليل داخل محل خضار مغلق، ترتدي ثوبًا أحمر مطرزًا وحجابًا داكنًا يحيط بوجه شاحب شديد السكون، ثم اختفت قبل أن يراها أحد. بعضهم أقسم أن ملامحها ليست بشرية. بعضهم قال إنها متسولة مصابة بمرض نادر. وبعضهم بالغ أكثر فقال إنها روح امرأة ضلت طريقها بين عالمين. كان أرجون، بطبعه العملي، يكره هذا النوع من الحكايات؛ لأنه يعرف كيف يختلط الخوف بالرغبة في التسلية، وكيف يحب الناس أن يمنحوا الأشياء العادية قناعًا من الرعب. لكنه مع ذلك لم يستطع أن يتجاهل ما حدث حين استيقظ قبل الفجر بيومين، ووجد هاتفه يمتلئ برسائل من التجار في السوق نفسه: “افتح التسجيل”، “شوف الست”، “الأمر حصل هنا، عندنا، ليس في مدينة أخرى”.

أعاد تشغيل اللقطة مرات عديدة. كانت جودة التسجيل رديئة، والكاميرا مثبتة في زاوية مرتفعة لا تمنح صورة واضحة، لكن ما ظهر كان كافيًا لزرع ذلك النوع من الارتباك الذي لا يزول بسهولة. باب المحل مغلق من الخارج، والممر خالٍ تمامًا، ثم فجأة تمر هيئة امرأة بطيئة الخطى، رأسها مائل قليلًا، وثوبها الطويل يلامس الأرض، ووجهها يبدو جامدًا على نحو يثير النفور. لم تتلفت. لم تتعثر. لم تحمل شيئًا. مشت كما لو أنها تعرف المكان أكثر من أصحابه، وكأن السوق الذي يضج نهارًا قد صار ليلًا ملكًا لها وحدها. وبعد ثوانٍ خرجت من مجال التصوير. وحين هرع صاحب المحل في الصباح ليفحص المكان، لم يجد شيئًا مفقودًا، ولا أثرًا لكسر أو اقتحام، لكن صناديق الطماطم كانت مزاحة قليلًا، وميزان النحاس القديم قد سقط على جانبه، والكلب الذي ينام عادة أمام الدكان رفض الاقتراب من الباب طوال اليوم.

في البداية سخر أرجون من كل ذلك، وقال لصديقه “فيكرام” إن أي شخص يستطيع المبالغة في تفسير مقطع ضبابي، وإن السوق مزدحم بالناس والمشردين والعابرين والمجانين والمتعبين، وليس من المعقول أن تتحول كل لقطة غريبة إلى أسطورة. لكن سخريته بدأت تفقد قوتها في الليلة التي قرر فيها مع ثلاثة من أصحاب المحال البقاء بعد الإغلاق حتى منتصف الليل. جلسوا خلف الأبواب المعدنية نصف المغلقة، يحتسون الشاي المر، ويتحدثون بصوت منخفض كأن مجرد رفع الصوت قد يوقظ شيئًا لا يريدون مواجهته. كان القمر ضعيفًا، والشارع الخلفي شبه خالٍ، ولا يُسمع إلا نباح كلاب بعيدة وصوت مروحة صدئة تدور في مخزن أحد التجار. مرت ساعة تلو أخرى ولم يحدث شيء، حتى بدأ الجميع يشعر بالخجل من فكرة السهر لأجل شائعة. ثم، عند لحظة لم يتمكن أرجون لاحقًا من تحديدها بدقة، تغيّر الهواء نفسه. لا ريح هبت، ولا باب صُفق، لكن إحساسًا باردًا زحف في المكان فجأة، كأن السوق حبس أنفاسه.

سمعوا أولًا خشخشة خفيفة من جهة الممر الشرقي، الجهة التي تنتهي بمخزن قديم مهجور منذ سنوات. رفع فيكرام مصباحه اليدوي، فلم يظهر شيء. ثم لاحت من بعيد هيئة تتحرك ببطء، أبطأ من مشية إنسان مستعجل، وأسرع قليلًا من مشية متعب يحتضر. كانت امرأة بالفعل، أو هكذا بدت. الثوب الأحمر المطرز واضح حتى في العتمة، والحجاب الأسود يحيط بالرأس والرقبة، والوجه… هنا شعر أرجون أن حلقه جف. لم يكن الوجه مخيفًا بمعناه الصريح، لكنه كان مقلقًا على نحو عميق، كأنه وجه فقد صلته بالعالم. لم تكن الملامح متناسقة، والعينان مطفأتين، والفم منغلقًا في خط جامد لا يعبر عن حزن ولا غضب ولا طلب. مشت المرأة في الممر دون أن تنظر إليهم، كأنهم غير موجودين أصلًا. حاول فيكرام أن يناديها، لكن صوته خرج ضعيفًا. حاول أرجون أن يخطو نحوها، لكن ساقيه بقيتا في مكانهما. وعندما وصل الضوء إلى طرف ثوبها، اختفت عن الأنظار لأن الممر انحرف خلف صف من الصناديق الخشبية.

ركضوا خلفها في اللحظة التالية، لا بدافع الشجاعة بقدر ما كان بدافع الذعر من فكرة أن تظل بلا تفسير. وصلوا إلى آخر الممر، فلم يجدوا أحدًا. لا باب مفتوح، لا سور منخفض يمكن القفز فوقه، لا دراجة نارية تهرب، لا أثر إلا قطعة قماش صغيرة عالقة في مسمار بارز من جدار المخزن. انحنى أرجون والتقطها. كانت حاشية من قماش أزرق مطرز بخيط ذهبي، مبللة قليلًا، وتفوح منها رائحة غريبة؛ ليست رائحة عفن ولا تراب، بل رائحة تشبه مزيجًا من البخور القديم والورد المجفف. عندها فقط اختلطت السخرية القديمة في رأسه بشيء أكثر إزعاجًا: احتمال أن تكون الحكاية حقيقية، لكن ليس بالطريقة التي تخيلها الناس.

في صباح اليوم التالي، انتشر الخبر في السوق أسرع من النار في الحطب الجاف. كل شخص أضاف إليه ما يناسب خياله؛ واحد قال إن المرأة تطير، وآخر قال إن قدميها لا تلامسان الأرض، وثالث أكد أنه رأى وجهها قبل عامين عند المقبرة القديمة. مع كل رواية جديدة، كانت الحقيقة الأصلية تتآكل. وحده أرجون تمسك بتفصيلة القماش. حملها في جيبه وذهب إلى حي قديم في طرف المدينة تعيش فيه “ساروج” العجوز، وهي امرأة اشتهرت بين أهل المنطقة بقدرتها العجيبة على تذكر تاريخ العائلات والملابس والطقوس القديمة. لم يكن يؤمن بالخرافات، لكنه كان يؤمن بذاكرة النساء الكبيرات، لأنهن كثيرًا ما يعرفن من الحكايات ما لا تحتفظ به السجلات. ما إن رأت العجوز طرف القماش حتى تغير وجهها. لم تصرخ، ولم ترسم علامة خوف، بل أغلقت الباب جيدًا وجلست بصمت طويل قبل أن تقول بصوت متحشرج: “هذا التطريز ليس حديثًا… هذا من ثياب النساء اللواتي كن يعملن في السوق القديم قبل الحريق الكبير.”

لم يكن أرجون قد سمع بتلك القصة إلا كإشارة عابرة في حديث أبيه قبل سنوات. سألتها عيناه قبل لسانه، فتابعت: قبل أكثر من ثلاثين عامًا، لم يكن السوق الحالي موجودًا بهذا الشكل، بل كانت هناك ممرات أضيق ومحال خشبية ملتصقة بعضها ببعض. في ليلة رطبة من موسم الصيف اندلع حريق هائل، قيل وقتها إنه بسبب تماس كهربائي، لكن كثيرين همسوا بأن سببه الحقيقي كان جشع أحد السماسرة الذي أراد إخلاء المكان لإعادة بنائه والاستفادة من التعويضات. مات في الحريق عدد من العمال والباعة، لكن أكثر الأسماء التي بقيت في ذاكرة الناس كانت امرأة تسمى “ميرا”. كانت تبيع الخضر الورقية والأعشاب الطبية، وتعيش وحدها بعد وفاة زوجها. قالوا إنها عادت إلى السوق تلك الليلة بعدما أُغلق كله لتبحث عن ابنها الصغير الذي كان يساعدها نهارًا، ولم تخرج أبدًا. لم يجدوا جثتها كاملة. ومنذ ذلك الوقت بدأت حكايات متفرقة عن امرأة تُرى أحيانًا في مواسم معينة، قرب المخازن أو عند الممرات التي كانت يومًا جزءًا من السوق المحروق.

كان أرجون يريد أن يرفض القصة، أن يقول إن السوق مليء بالمآسي القديمة، وإن الذاكرة الشعبية بارعة في جمع الصدفة بالحزن وصنع أسطورة منهما. لكنه حين سأل العجوز عن الثوب الأحمر، أجابت من دون تردد: “كانت ميرا تلبس في الأعياد ثوبًا أحمر مطرزًا بخيط ذهبي، وحجابًا داكنًا بحواف زرقاء، لأنه آخر ما اشتراه لها زوجها.” شعر أرجون ببرودة تسري في ذراعيه. لم يكن هذا دليلًا نهائيًا، لكنه كان أكثر مما يريد تصديقه. خرج من بيت العجوز وهو مثقل بخليط من الفضول والإنكار، وعيناه تعودان مرارًا إلى قطعة القماش الصغيرة في يده، كأنها تحولت إلى مفتاح لا يعرف أي باب سيفتحه.

عاد إلى السوق فوجد فوضى جديدة بانتظاره. صناع المحتوى المتلهفون سبقوا الجميع، ووصل بعضهم بكاميرات وهواتف وعناوين جاهزة: “شبح الهند الحقيقي”، “المرأة التي أرعبت السوق”، “اللعنة التي ظهرت في الكاميرا”. وقفوا عند الممرات يلتقطون الصور، ويسألون التجار أسئلة مستفزة، ويحوّلون الخوف الإنساني إلى مادة قابلة للمشاركة والإعجاب. غضب أرجون من هذا المشهد أكثر من غضبه من القصة نفسها. كان في داخله شعور متزايد بأن وراء ما يحدث إنسانًا ضائعًا، أو ظلمًا قديمًا، أو وجعًا لم يُغلق بابه، لا مجرد مادة للتسلية. لذلك قرر أن يبحث وحده قبل أن يبتلع الضجيج آخر ما تبقى من الحقيقة.

بدأ من السجلات البلدية القديمة، وهي أوراق مهملة في مبنى نصف متهالك لا يزوره إلا من اضطر. وبعد ساعات من التنقيب بين أسماء باهتة وتواريخ ممزقة، وجد إشارة إلى الحريق الذي وقع في السوق القديم، وقائمة جزئية بالمصابين والمتوفين والمفقودين. هناك ظهر الاسم: “ميرا ديفي – بائعة أعشاب – مفقودة”. وتحت الاسم سطر آخر بخط يد مرتجف: “طفلها نُقل حيًا ولم يُستدل على أقارب مباشرة.” بقي أرجون staring at the الورقة طويلًا. إذا كان الطفل قد نجا، فأين ذهب؟ وهل عاش وهو يصدق أن أمه تركته؟ وهل يمكن لأسطورة بكاملها أن تكون في أصلها مجرد أم لم يعثر أحد على جثمانها، وطفل لم يخبره أحد بما حدث حقًا؟

قاده هذا السؤال إلى البحث عن الطفل. لم يكن الأمر سهلًا، لكن السوق نفسه يحتفظ بخيوط لا تموت. من عامل قديم إلى صاحب مقهى متقاعد إلى امرأة كانت جارتهم في الحي القديم، تكوّنت صورة ناقصة ثم اكتملت بالتدريج. الطفل اسمه “راهول”. نجا من الحريق لأنه كان نائمًا في غرفة خلفية عند بائع حبوب قريب، ثم تبنته أسرة بعيدة في مدينة أخرى بعد أن قيل إن أمه ماتت، وإن لا أحد من أقاربها جاء للمطالبة به. كبر بعيدًا، وعاش حياة عادية إلى حد بعيد، لكنه ظل يحمل ندبة حريق صغيرة عند كتفه، ويكره الأسواق المزدحمة دون أن يعرف السبب. استغرق العثور عليه أيامًا من الأسئلة والاتصالات والسفر القصير، حتى وقف أرجون أخيرًا أمام رجل في الأربعين تقريبًا، يعمل مدرسًا للموسيقى، هادئ الملامح، يضع نظارة بسيطة، ولا يشبه صورة الطفل الناجي إلا في عينين واسعتين فيهما حزن قديم يصعب تفسيره.

لم يصدّق راهول في البداية ما سمعه. بدا عليه الانزعاج من اقتحام هذا الماضي الغامض، ثم التردد، ثم ذلك الارتباك الذي يصيب الإنسان حين تصله معلومة كان قلبه يعرفها قبل عقله بسنوات. أخبره أرجون بما عثر عليه، لا على طريقة مروجي الرعب، بل بهدوء شديد، وشرح له أمر التسجيل، وقطعة القماش، وقصة السوق المحروق. جلس راهول طويلًا بلا كلام، ثم قال جملة أربكت أرجون أكثر من كل ما سبقه: “منذ طفولتي، أرى أحيانًا في أحلامي امرأة بثوب أحمر لا أرى وجهها كاملًا، تمشي بين صناديق الخضار وهي تحمل شيئًا أخضر في يدها، وكلما اقتربت منها أصحو مذعورًا.” لم يكن أرجون يعرف ماذا يقول. قد تكون الذاكرة المخبأة. قد تكون المصادفة. قد يكون الحنين الذي يولد متأخرًا حين يسمع الإنسان قصة عن نفسه. لكنه شعر، لأول مرة، أن الخيط صار واضحًا: إن كانت هذه الحكاية تخص أحدًا، فهي تخص هذا الرجل أكثر من أي كاميرا أو منشور أو سوق مذعور.

عاد الاثنان إلى السوق بعد يومين، مع اقتراب المساء. لم يعلنا شيئًا لأحد، ولم يطلبا حضور جمهور، بل دخلا بهدوء واتجها إلى الممر الشرقي حيث ظهرت المرأة أكثر من مرة. كان المكان خاليًا نسبيًا بعد الإغلاق، والضوء البرتقالي الخافت يرسم ظلالًا طويلة على الأرض. وقف راهول صامتًا كأنه يحاول سماع شيء لا يصل إلى غيره. بعد دقائق، انحنى قرب الجدار القديم حيث وجد أرجون قطعة القماش، ومد يده إلى شق صغير بين الطوب. أخرج منه خرزة زرقاء صغيرة متسخة، جمدت الدم في عروق أرجون، لأن العجوز ساروج كانت قد أخبرته أن ميرا كانت تزيّن حجابها بخرز أزرق تخيطه بنفسها. لم يعد الأمر مجرد قصة متداولة أو مقطع ضبابي. صار المكان نفسه يشهد على شيء لم يُنهَ كما ينبغي.

اقترح راهول أن يقيموا طقسًا بسيطًا للذكرى، لا طقسًا سحريًا ولا دينيًا بالمعنى المثير، بل فعلًا إنسانيًا يعترف بمن ضاعوا ولم يودَّعوا كما يليق. وفي الليلة التالية، جمع أرجون بعض أصحاب المحال الكبار في السن، وشرح لهم ما توصل إليه، فاختلط الذهول بالحزن والندم. بعضهم تذكر أسماء قديمة نسيها الناس. بعضهم اعترف بأنه كان طفلًا وقت الحريق وسمع صراخ امرأة تبحث عن ابنها. وبعضهم خجل من الطريقة التي تحولت بها القصة إلى نكتة مرعبة على الشاشات. اتفقوا على تنظيف الممر الشرقي، ووضع لوحة صغيرة بأسماء الضحايا والمفقودين، وإضاءة مصباح قرب المخزن القديم، وقراءة دعاء قصير على أرواح من ماتوا. لم يكن الهدف مطاردة شبح، بل إعادة الكرامة لذكرى استُهلكت طويلًا بلا رحمة.

جاء راهول في تلك الليلة ممسكًا بسلة صغيرة من الخضار الورقية والريحان، وقال إن أمه، بحسب ما أخبروه، كانت تبيع هذه الأشياء. وضعها قرب الجدار بصمت، ثم جلس على الأرض كما يجلس طفل ينتظر حضنًا تأخر ثلاثين سنة. لم يبكِ فورًا، لكن ملامحه انهارت بهدوء موجع. وقف الرجال حوله، بعضهم مطأطئ الرأس، وبعضهم يمسح عينيه خفية. كان السوق لأول مرة منذ بدء الشائعة خاليًا من التهويل، ممتلئًا فقط بحضور إنساني صادق. وعند لحظة ما، بينما كانت الريح الخفيفة تمر من آخر الممر، لاحظ أرجون شيئًا لن يقسم بصحته لأحد، لكنه لن ينساه ما عاش: رائحة البخور والورد المجفف نفسها عبرت المكان، لا قوية ولا مخيفة، بل لطيفة على نحو مؤلم، ثم سمعوا جميعًا صوت خرزة صغيرة تتدحرج على الأرض رغم أن لا أحد تحرك.

لم تظهر المرأة بعدها كما قيل. لم تلتقط الكاميرات صورة جديدة. لم يعد الكلب يعوي أمام الباب، وعاد ينام في مكانه المعتاد. وحتى التسجيل القديم، حين أعاد أرجون مشاهدته بعد أسبوع، بدا أقل رعبًا وأكثر حزنًا. كأن ما كان مخيفًا فيه لم يكن الشكل الغريب أو الوجه الجامد، بل فكرة إنسان يبحث عبثًا عن نهاية لقصة لم يُسمح لها أن تكتمل. أما على مواقع التواصل، فقد استمر بعض الناس أيامًا في تضخيم الرواية، ثم انتقلوا إلى قصة جديدة، كما يحدث دائمًا. لكن داخل السوق نفسه، تغيّر شيء خفي. صار التجار يتحدثون عن الحريق بجدية، ويذكرون أسماء الموتى بدلًا من تسميتهم “لعنة” أو “أرواحًا”. وصارت اللوحة الصغيرة في الممر الشرقي تتلقى كل أسبوع زهرة أو شمعة أو حزمة ريحان يضعها أحدهم دون ضجيج.

بالنسبة إلى راهول، لم تمنحه تلك الليلة يقينًا كاملًا حول ما إذا كانت المرأة التي ظهرت في التسجيل هي أمه فعلًا، لكنه لم يعد يحتاج إلى هذا اليقين المطلق. كان يكفيه أن يعرف أن أمه لم تختفِ من العالم بلا أثر كما ظن طويلًا، وأن هناك من تذكرها أخيرًا بوصفها امرأة من لحم ودم، لا أسطورة للرعب الرخيص. أما أرجون، فقد تعلم درسًا ظل يردده في نفسه كلما تذكر بداية الحكاية: أكثر القصص التي تبدو مرعبة على السطح قد تخفي في عمقها ظلمًا بشريًا بسيطًا، وحزنًا لم يجد من يصغي إليه في الوقت المناسب. لسنا دائمًا بحاجة إلى تصديق الأشباح، لكننا كثيرًا ما نحتاج إلى الإصغاء إلى ما تحاول الذاكرة الجماعية قوله حين تعجز اللغة العادية عن حمل الألم.

وبعد شهور، حين عاد الشتاء وخفّت الحركة في السوق قليلًا، جلس أرجون أمام دكانه يتأمل الممر الشرقي وقد صار أنظف وأكثر هدوءًا. مرّ راهول في زيارة سريعة، يحمل آلة موسيقية صغيرة ويبتسم ابتسامة شاحبة لكنها صادقة. شربا الشاي معًا، وتحدثا عن أشياء عادية: الأسعار، المطر، تعب الظهر، وضوضاء المدينة. وقبل أن يغادر، وقف راهول لحظة عند اللوحة التذكارية ولمسها بأطراف أصابعه كما يلمس الإنسان باب بيت لم يدخله قط لكنه يعرف أنه كان يومًا له. لم يظهر شيء خارق، ولم تهب ريح مفاجئة، ولم تومض الأضواء. فقط ساد صمت نادر، جميل وثقيل في آن واحد. وعندها فهم أرجون أن النهاية الحقيقية للحكايات ليست دائمًا في الكشف عن سر مذهل، بل أحيانًا في إعادة إنسان واحد إلى مكانه الصحيح من الذاكرة.

هكذا بقيت قصة سيدة السوق الغامضة حية، لكن بشكل مختلف. لم تعد قصة امرأة مرعبة تتجول ليلًا لإخافة الناس، بل صارت حكاية أم ضاعت في مأساة قديمة، وطفل عاش عمره ناقصًا ثم عاد ليجمع شظايا نفسه من بين الصناديق الخشبية ورائحة الكزبرة وصدى الأسماء المنسية. وربما لهذا السبب بالذات استمرت القصة في البقاء؛ لأن البشر، مهما ادعوا حب الرعب والإثارة، لا يتوقفون في النهاية إلا عند القصص التي تذكّرهم بأن خلف كل صورة غريبة إنسانًا ما كان ينتظر أن يُفهم، لا أن يُستخدم. ومن يدري؟ لعل السيدة التي ظهرت في التسجيل لم تكن تطلب أكثر من ذلك: أن يتوقف الناس عن النظر إلى وجهها بخوف، ويبدأوا أخيرًا في النظر إلى حكايتها بقلب مفتوح.

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان