عشر سنوات من الظلم… حين اكتشفت أن العيب لم يكن فيّ

عشر سنوات من الظلم… حين اكتشفت أن العيب لم يكن فيّ


عشر سنوات من الظلم… حين اكتشفت أن العيب لم يكن فيّ

عشر سنين.. مش مجرد رقم، دي سنين من عمري ضاعت في شكشكة الحقن وكسرة النفس. “طليقي” رماني رمية الكلاب عشان قالي إني “مبخلفش”.. شالني ذنب مش ذنبي، وخلاني أصدق إني ناقصة.
بس الدنيا دوارة، والمقابلة كانت في أكتر مكان مكنتش أتخيله.. في مركز خصوبة في سياتل.
كنت قاعدة بشرب قهوتي الساقعة، وفجأة الباب اتفتح ودخل “فيكتور”.. داخل ببروده المعتاد وجاكت الجلد اللي فاكر إنه لسه لايق عليه. مكنش لوحده، كان معاه “آنيا”.. بنت شقراء صغيرة، ولابسة فستان أزرق مبين بطنها المنفوخة قصد.. كأنه بيقول للعالم كله: “شوفوا أنا عملت إيه!”
أول ما عينه جت في عيني، شفت فيهم نظرة “الانتصار” اللي كان بيذلني بيها زمان. قرب مني ببرود، ومن غير سلام ولا كلام، شاور بصابعه على بطن مراته وقال بصوت عالي سمعه كل اللي قاعدين:
“أهي دي اللي هتديني العيال اللي إنتي معرفتيش تجيبيهم!”
اللحظة اللي الدنيا وقفت فيها
الناس كلها لفت وشها.. السكوت ملى المكان.. الموظفة سابت القلم من إيدها. كان مستني أشوفني وأنا بنهار، أعيط، أترجاه يسامحني.. كان عايز يكسرني قدام مراته الجديدة.
بس أنا؟ أنا كنت في حتة تانية خالص.
افتكرت وجع الحقن.. وافتكرت صوته وهو بيقولي: “إنتي العيب فيكي يا ليلى”.
وافتكرت أهم حاجة.. إيميل الدكتور اللي لسه واصلي الصبح.
قمت وقفت بكل ثبات، عدلت جاكتي، وبصيت في عينه مباشرة. مكنتش خايفة، كنت “قوية” لدرجة مرعبة. قربت منه خطوة، وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقلتله:
“مبروك يا فيكتور.. بجد مبروك.”
سكت ثانية عشان أستمتع بوشه وهو مستغرب هدوئي، وبعدين رميت القنبلة:
“بس قولي.. الدكاترة أكدوا لي إن كل تحاليلي سليمة ومفيش فيا الهوا.. إنت بقى، عمرك فكرت تكشف على نفسك؟ ولا لسه بتخاف من الحقيقة؟”
الصدمة!
فيكتور وشه جاب ألوان.. “آنيا” مراته بصتله فجأة بنظرة شك مريبة، كأن الكلمة لمست جرح عندها أو سر مخبيه عنها. فكه اتشنج، ومبقاش عارف ينطق ولا كلمة
بعد الكلمة اللي رميتها في وشه، سيبت فيكتور واقف مكانه زي التمثال، ملامحه متلخبطة بين الغل والارتباك. مابصتش ورايا، فتحت باب العيادة وخرجت للهوا الساقع بتاع سياتل.. لأول مرة أحس إن الرئة بتاعتي بتشيل هوا بجد، مش همّ.
ركبت عربيتي، وقبل ما أدور المحرك، سمعت خبطة خفيفة على الإزاز.
قلبي دق.. افتكرته هو جاي يكمل وصلة الردح بتاعته. بس اتفاجئت بـ “آنيا”!
كانت واقفة لوحدها، وشها شاحب، وعينها غرقانة دموع. نزلت الإزاز نص نزلة، كنت مستنية شتيمة أو زعيق، بس هي مدت إيدها بظرف أبيض مقفول وقالت بصوت بيترعش:
“ليلى.. أرجوكي اقري ده لما تروحي.. فيكتور ميعرفش إني خدته من مكتبه.”
مشيت بسرعة قبل ما هو يخرج، وأنا فضلت واقفة مكاني والظرف في إيدي. فتحته بصباع بيترعش، ولقيت جواه ورقة واحدة.. تقرير طبي قديم من ٧ سنين، باسم “فكتور بتروف”.
عيني جت على جملة واحدة مكتوبة بالأحمر في آخر التقرير، جملة خلت القهوة تقع من إيدي وتغرق العربية.. جملة بتقول إن فيكتور “عقيم تماماً ولا أمل في علاجه”.
دمي اتجمد في عروقي.. لو فيكتور عقيم من ٧ سنين..
يبقى ابن مين اللي في بطن آنيا دلوقتي؟! وليه هي ادتني الورقة دي بالذات؟
فتحت الورقة في عربيتي وإيدي بتترعش.. “عقيم تماماً”. الجملة كانت محفورة في التقرير الطبي من 7 سنين. قعدت دقيقة مش قادرة أتحرك.. لو فيكتور مبيخلفش، يبقى المسرحية اللي كان عاملها في العيادة دي كانت تمثيلية على مين؟ وعشان إيه؟
موبايلي رن برقم غريب.. رديت بصوت مهزوز: “ألو؟”
جاني صوتها الباكي، صوت “آنيا”: “ليلى.. أنا في كافيه (بلو موري) اللي ورا العيادة. أرجوكي تعالي، أنا حياتي في خطر.”
المواجهة السرية
وصلت لقيت آنيا قاعدة في ركن ضلمة، وشها من غير مكياج، وبطنها اللي كانت منفوخة.. اختفت!
بصيت لها بذهول: “أومال فين.. فين البيبي؟”
آنيا ضحكت ضحكة مكسورة وطلعت من شنطتها “مخدة صغيرة” وقالتلي: “ده البيبي اللي فيكتور كان عايز يوريهولك. فيكتور مبيخلفش يا ليلى، وهو عارف ده كويس جداً.”
سألتها وأنا عقلي هيطير: “طب ليه؟ ليه يمثل عليا التمثيلية الرخيصة دي؟ وليه أنتي ساعدتيه؟”
آنيا مسكت إيدي بقوة وقالت: “فيكتور مش مجرد راجل مغرور، فيكتور نصاب دولي. هو كان محتاج يثبت لأهله وللشركاء بتوعه إنه خلف وريث عشان يستلم ورث ضخم من جده في روسيا.. وكان عايز يكسرك أنتي بالذات عشان مفيش حد يراجع وراه أو يشك في رجولته.”
“طب وأنا ذنبي إيه في كل ده؟” سألتها بمرارة.
آنيا بصت حواليها بخوف وهمست: “لأن الورث ده فيه شرط غريب.. لازم الوريث يكون من (زوجة شرعية)، وهو لسه مطلقكيش رسمي يا ليلى! الأوراق اللي مضيتي عليها زمان كانت مزورة، أنتي لسه مراته قانوناً، وأنا مجرد (كومبارس) مأجرها عشان الفيلم ده يكمل قدام المحامي اللي كان بيراقبكم في العيادة النهاردة!”
وقبل ما أستوعب الكلمة، لقيت باب الكافيه اتفتح ودخل فيكتور.. بس المرة دي مكنش بيضحك. كان معاه اتنين بودي جارد، وعيونه بتطلع شرار وهو بيبص للورقة اللي في إيدي.
قرب من التربيزة وهبد عليها بإيده: “كنت عارف إنك حية يا آنيا.. والظاهر إن ليلى لسه ملقنتش الدرس كويس.”
بصيت له بمنتهى القوة وقلت له: “الدرس خلص يا فيكتور.. والتقرير اللي في إيدي ده هيروح للمحامي، ولأهلك، وللبوليس.”
فيكتور ضحك بصوت عالي وقال: “المحامي؟ المحامي برا في العربية مستني (مراتي) ليلى تمضي على إقرار استلام الورث.. ولو متمش بالذوق، هيتم بطريقة تانية خالص.”
في اللحظة دي، سمعنا صوت سارينة بوليس بتقرب من الكافيه.. آنيا بصت لي بابتسامة غامضة وقالت: “أنا مكنتش بكلمك عشان تساعديني يا ليلى.. أنا كنت بكلمك عشان تكوني شاهدة على اللي هيحصل دلوقتي.”
فجأة، آنيا طلعت مسدس صغير من شنطتها وحطته في إيد فيكتور، وصرخت بأعلى صوتها: “الحقوني.. هيقتلني!”
الدنيا اتقلبت في ثواني.. صراخ آنيا، المسدس اللي في إيد فيكتور المذهول، وصوت سرينة البوليس اللي بقت تحت باب الكافيه بالظبط.
فيكتور كان واقف متجمد، باصص للمسدس اللي في إيده وباصص لآنيا اللي بتمثل دور الضحية ببراعة. بصلي وعيونه فيها رجاء لآخر مرة: “ليلى.. أنتي عارفة إني مقدرش أعمل كدة.. قوليلهم الحقيقة!”
في اللحظة دي، شريط الـ 10 سنين اتعرض قدام عيني في ثانية:
كسرته ليا.. إهانته لـ أهلي.. ذلي بموضوع الخلفه وهو عارف إنه العيب فيه..
بصيت له بكل برود، ورفعت موبايلي اللي كان بيسجل كل حرف من أول ما دخل الكافيه.
قلت له كلمة واحدة: “الذنب اللي شلتهولي 10 سنين.. جه الوقت إنك تشيله لوحدك يا فيكتور.”
اللحظة الحاسمة
البوليس اقتحم المكان، وفي لمح البصر كان فيكتور متثبت على الأرض والكلبشات في إيده. آنيا جريت على الظباط وهي بتعيط ومنهارة، وفي وسط الزحمة، غمزتلي غمرة سريعة.. غمرة خلت جسمي يقشعر.
بعد ساعة في قسم الشرطة، المحامي بتاع فيكتور جالي وهو وشه أصفر:
“مدام ليلى.. فيكتور مستعد يتنازل عن كل أملاكه، ويديكي تعويض خيالي، بس تسلمي التسجيل اللي معاكي وتغيري أقوالك.. فيكتور لو دخل السجن بالتقرير الطبي ده وتهمة الشروع في قتل، مش هيخرج تاني.”
بصيت للمحامي، وبصيت لآنيا اللي كانت قاعدة بعيد بتشرب ميه وبتبصلي بمنتهى الهدوء.. وفهمت اللعبة. آنيا مكنتش ضحية، آنيا كانت بتخطط لده من سنين عشان تاخد “تورتة” الوريث لوحدها، وكان ناقصها “شاهد” موثوق.. والشاهد ده كان “أنا”.
المفاجأة الكبرى (The Twist)
قمت وقفت، وبصيت للمحامي وقلت له: “أنا مش عايزة تعويض.. أنا عايزة (ورقة طلاقي) الرسمية، وتنازل عن الشقة اللي في سياتل، وحالا.”
تم كل حاجة في دقايق تحت ضغط الفضيحة. استلمت ورقة حريتي، وطلعت من القسم وأنا حاسة إني ملكة العالم.
وقبل ما أركب عربيتي، آنيا حصلتني. وقفت قدامي وهي ماسكة شنطتها وقالتلي:
“ليلى.. أنتي ذكية، عشان كدة استغليت كرهك ليه. فيكتور هيتسجن، والورث كله بقى بتاعي بصفتي (الأرملة المنتظرة) لشخص ملوش أهل.. والتقرير الطبي اللي معاكي؟ تقدري تحرقيه دلوقتي.”
بصيت لها وقلت لها: “والبيبي اللي فيكتور كان فاكره ابنه؟”
آنيا ضحكت وقالت: “فيكتور مبيخلفش يا ليلى.. بس أنا بخلف.. والأب الحقيقي للبيبي اللي أجهضته الأسبوع اللي فات هو (المحامي) اللي كان واقف معاكي دلوقتي!”
النهاية
ركبت عربيتي ومشيت، سبت ورايا غابة من النصابين والوحوش بيقطعوا في بعض.
بصيت في المراية، وشفت “ليلى” جديدة.. ليلى اللي مش محتاجة حد يكملها، ولا محتاجة تثبت لحد إنها “كاملة”.
فتحت الشباك، رميت ورقة الطلاق وتقرير فيكتور الطبي في الهوا.. ودوست بنزين نحو حياتي الجديدة.
تمت.
الخاتمة للجمهور:
الظلم آخره وحش، والحق لما بيبان بيحرق كل اللي حواليه.. تفتكروا ليلى كان مفروض تبلغ عن آنيا هي كمان؟ ولا كفاية إنها خدت حريتها؟

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان