صرخة في جنازة… حكاية مظلوم انتظر العدل ثماني سنوات

صرخة في جنازة… حكاية مظلوم انتظر العدل ثماني سنوات


جلسة لم تُرفع

لم يكن صباح ذلك اليوم مختلفًا في شكله عن عشرات الصباحات التي مرّت على الحي. الشمس خرجت مترددة، الشارع امتلأ بأصوات معتادة، والناس مضت إلى أعمالها كأن الزمن لا يحمل مفاجآت. وحده الرجل الذي خرج من بيته قبل الظهر بقليل كان يشعر أن هذا اليوم أثقل من أن يُحتمل.

وقف أمام المرآة قبل أن يغادر، نظر إلى وجهه طويلًا. لم يكن فيه شيء يلفت الانتباه: تجاعيد بسيطة، عينان مرهقتان، لحية غير مكتملة. لكنه رأى ما لا يراه غيره؛ سنوات كاملة من التعب، محاولات متكررة للفهم، وأسئلة لم تجد إجابة. ارتدى ثوبه بهدوء، وكأنه يتهيأ لشيء يعرف في داخله أنه لن يخرج منه كما دخل.

لم يكن ذاهبًا إلى المسجد بدافع العادة فقط، بل لأن جنازة ستُصلّى هناك. رجل يعرفه. رجل كان يومًا قريبًا منه أكثر مما ينبغي. صديق قال له ذات يوم: “اعتبرني أخوك”، فصدّق.

ثماني سنوات مضت منذ سلّمه المال. لم يكن المبلغ بسيطًا، ولم يكن القرار سهلًا. مئة وسبعة وسبعون ألف جنيه جمعهم من الغربة، من أيام طويلة تحت شمس لا ترحم، من سكن ضيق، ومن ليالٍ كان يعدّ فيها الساعات حتى ينتهي اليوم. حين عاد إلى بلده، كان يحمل حلمًا صغيرًا: مشروع، استقرار، حياة أقل قسوة على أطفاله.

قال له الرجل إنهما سيدخلان شراكة. كلامه كان مطمئنًا، صوته واثق، ووعوده كثيرة. وقّعا أوراق، وتصافحا، وافترقا على أمل اللقاء القريب. في البداية، كان الانتظار محتملًا. ثم طال. ثم أصبح ثقيلًا. ثم بدأ يتحول إلى خوف.

في كل مرة يسأل، كان الجواب جاهزًا: “اصبر”، “السوق واقف”، “الأيام الجاية أحسن”. ومع الوقت، لم يعد يسأل كثيرًا. ليس لأنه اقتنع، بل لأنه كان يخجل من نفسه حين يعود إلى البيت ولا يجد ما يكفي.

زوجته لم تكن تشتكي بصوت عالٍ، لكن القلق كان واضحًا في عينيها. المرض دخل حياتها بهدوء، ثم استقر. أطفاله كبروا قليلًا، وبدأت أسئلتهم تكبر معهم. كان يسمع ابنه يقول: “بابا، نفسي في…” ثم يسكت حين يرى وجهه.

مرت السنوات، والرجل الآخر لم يُعد المال، ولم يعترف، ولم يختفِ تمامًا. كان موجودًا، لكن بعيدًا، حاضرًا بالوعود فقط. وحين مات فجأة، جاء الخبر باردًا، بلا تمهيد.

لم يفرح الرجل بموته، ولم يحزن عليه كما يحزن الناس على موت الأصدقاء. شعر بشيء أقرب للفراغ. كأن قصة طويلة توقفت فجأة دون نهاية واضحة.

دخل المسجد يوم الجنازة وجلس في الصف الثالث. الصفوف كانت ممتلئة، الوجوه متقاربة، والأصوات خافتة. النعش في المقدمة، مغطى، صامت، لا يحمل أي تفسير.

حين كبّر الإمام، كبّر معه. الكلمات خرجت من فمه، لكنها لم تصل إلى قلبه. كان عقله في مكان آخر. في تلك اللحظة التي وقف فيها ابنه يومًا وقال له إنه يحتاج شيئًا بسيطًا ولم يستطع شراؤه. في تلك الليلة التي مرضت فيها زوجته ولم يكن معه سوى الصمت.

وحين انتهت الصلاة، ومع التسليم، شعر أن صدره لم يعد يتسع.

وقف فجأة.

لم يكن يريد أن يقف. لم يخطط. لكن الجسد سبقه. خرج صوته واضحًا، غير مرتفع، لكنه اخترق السكون.

قال: “يا رب… إنت أعلم إني ما بقولش غير الحق.”

التفت الناس. تردد الإمام. لكن الرجل أكمل.

“الراجل اللي قدامك ده… أنا ائتمنته على مالي. شقا عمري. غربة سنين. قال لي شراكة، وقال لي أمان، وسلّمته كل اللي معايا.”

كانت كلماته بطيئة، كأنها تخرج من عمق قديم.

“بحق كل مرة دخلت بيتي ومش قادر أفرح عيالي. بحق مرض مراتي اللي دخل حياتنا من القهر. بحق الذل اللي بلعته وأنا ساكت.”

بدأ صوته يهتز. دمعة نزلت، لكنه لم يمسحها.

“رد قلبي فيه يا رب.”

ساد صمت ثقيل. لم يتحرك أحد. ثم قال:

“أنا مش عايز فلوسي. حتى لو رجعت. مش مسامحه.”

ثم خرج.

حاول الناس اللحاق به. سألوا، عرضوا المال، اقترحوا الإصلاح. لكنه قال بهدوء:

“روحت لهم في حياته. محدش سمعني. دلوقتي هو قدام حكم مش بيغلط.”

عاد الناس إلى النعش. حاولوا رفعه، فكان ثقيلًا. ثقيلًا بشكل غريب. تعاونوا، ثم أكثروا العدد. وحين استقر على الأكتاف، انشق الكفن.

سقطت أوراق.

أوراق قديمة. إيصالات أمانة. كلها باسم الرجل الذي خرج منذ دقائق. وعلى ظهر آخر ورقة، بخط مهتز:

“أنا ظلمتك. المال أكلته ديون. خفت أقول. سامحني.”

أعادوا الرجل.

حين رأى الأوراق، لم يتكلم. جلس على الأرض، وبكى. لم يكن بكاء غيظ، بل بكاء رجل انتهت مقاومته.

وضع يده على النعش، وقال بصوت خافت:

“دلوقتي بس قلبي هدي.”

ثم قال:

“اللهم إني أشهدك أني قد عفوت عنه.”

خرج الناس من المسجد وهم يعلمون أن الجنازة انتهت، لكن الحساب الحقيقي لا يُحسم دائمًا في الدنيا.

لم يكن ما حدث معجزة بقدر ما كان انكشافًا متأخرًا. خرج الرجل من المسجد أخفّ مما دخل، ليس لأنه استعاد ماله، بل لأنه لم يعد يحمل السؤال وحده. في الخارج كانت الحياة تمضي كعادتها، الناس تضحك وتختلف وتتعجّل، بينما بقي داخله إحساس واحد ثابت: أن بعض الحقوق لا تضيع، لكنها تتأخر، وأن القلوب حين تُكسر طويلاً لا تحتاج إلى انتقام بقدر ما تحتاج إلى اعتراف. مضى الرجل في طريقه، لا منتصرًا ولا مهزومًا، بل إنسانًا ترك حسابه حيث لا تُزوَّر الأوراق ولا تُخفى النوايا، ومشى وهو يعلم أن الجلسة التي أُغلقت في المسجد، ما زالت مفتوحة في ميزانٍ لا يُخطئ أبدًا.

الدروس المستفادة

تكشف هذه الحكاية أن الظلم لا يُقاس بحجمه، بل بأثره. المال قد يضيع ويُعوَّض، لكن كسرة النفس حين تطول تترك ندبة لا يراها أحد من الخارج. الصمت الذي يظنه البعض ضعفًا قد يكون امتلاءً، وتأجيل المواجهة ليس دائمًا رضا، بل أحيانًا عجزًا فرضته الظروف.

تعلّمنا القصة أيضًا أن الثقة حين تُمنح بلا وعي قد تتحول إلى عبء ثقيل، وأن الشراكات، مهما كانت مبنية على القرب أو المعرفة، تحتاج وضوحًا وحدودًا تحمي القلوب قبل الأموال. فالكلمة الطيبة لا تكفي، والوعود غير الموثقة قد تصبح مصدر وجع طويل.

ومن أهم ما تطرحه الحكاية أن الاعتراف، حتى لو جاء متأخرًا، يملك قوة لا يملكها المال. كلمة صادقة قد تهدّئ قلبًا أنهكه الانتظار، وتعيد للإنسان شعوره بأنه لم يكن مخطئًا في ألمه. فالحق لا يحتاج دائمًا إلى انتقام، لكنه يحتاج إلى ظهور.

كما تذكّرنا القصة بأن العدالة ليست دائمًا فورية، وأن بعض القضايا تُرفع في قلوبنا قبل أن تُحسم في الواقع. وحين يعجز البشر عن الإنصاف، يبقى الإيمان بأن هناك ميزانًا لا يختل، يخفف ثقل الانتظار ويمنح المظلوم قدرة على الاستمرار دون أن يتحول إلى نسخة قاسية من ظالمه.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان