طلقتني في الشارع… قصة عروس واجهت الخيانة ووقفت من جديد

طلقتني في الشارع… قصة عروس واجهت الخيانة ووقفت من جديد


كلمة واحدة. قصيرة. ناشفة. خرجت من بُقه من غير ما يبصلها، بس وقعت على صدرها تقيلة، كأن حد حدف حجر وهو ماشي.

— انزلي.

قالها ياسين وهو مديّ لها ضهره، صوته ما فيهوش لا عصبية ولا تردد. البرود اللي فيه كان أوحش من الصريخ. ياسمين في الأول ما استوعبتش، أو يمكن استوعبت بس عقلها رفض يصدّق. كانت لسه شايفة نفسها منعكسة على زجاج العربية: فستان أبيض، طرحة متثبتة بدبابيس الفرح، ووش لسه فيه أثر الكحل اللي اتحط من ساعتين.

رفعت صوتها وهي بتحاول تطلع ضحكة خفيفة، ضحكة باهتة، زي محاولة إنقاذ أخيرة:

— يعني إيه أنزل؟ إحنا لسه واصلين… هنروح وين دلوقت يا ولد عمي؟

لف وشه لها ببطء. عينينه كانت ناشفة، لا ندم ولا حتى ارتباك. النظرة اللي كانت مستنياها في ليلة زي دي، نظرة أمان أو حتى شفقة، ما لقتهاش.

— مش هنروح. إنتِ اللي هتنزلي. وأنا هكمل لوحدي.

الكلمة دخلت جواها زي سكينة باردة. شهقت من غير صوت، ومدّت إيدها لا إرادي تمسك طرف الطرحة، كأنها بتتأكد إن اللي لابساه حقيقي، وإن اللي بيحصل مش حلم سخيف.

— إنت بتقول إيه؟ إحنا لسه متجوزين… النهاردة والليلة فرحنا! إيه الكلام ده؟

انفجر فيها فجأة، كأنه كان مستني اللحظة:

— فرح إيه؟! ده كله كان تمثيل وخلص. أنا ما كنتش رايد أتجوزك، واتجوزت غصب عني. ودلوقت كل حاجة انتهت.

بصّت حواليها. القاهرة كانت ماشية في حالها. عربيات، كلاكسات، ناس مستعجلة. ولا حد واخد باله إن في واحدة جوه عربية، فستان فرحها لسه أبيض، وحياتها بتتكسر في ثواني.

— يعني إيه؟ هروح وين؟ فين البيت؟ فين كل حاجة وعدتني بيها؟

فتح الباب ونزل. لف وفتح لها باب العربية بإشارة ناشفة، كأنه بينزل شنطة مش بني آدمة.

— انزلي.

وبصوت واطي، بس قاسي:

— إنتِ طالق بالتلاتة يا ياسمين.

الجملة نزلت عليها زي لطمة. نزلت بالعافية. فردة الشبشب زحلقت منها وهي بتحاول تثبت رجلها على الرصيف، والفستان الأبيض اتوسخ من طرفه. الهواء البارد دخل من فتحة صدرها، ولسه ريحة العطر اللي اترش في الفرح معلقة فيها، حاجة متناقضة توجع.

— إنت هتهملني في الشارع لوحدي؟! أنا كنت فاكراك راجل… كنت فاكراك هتخاف على بت عمك!

دموعها نزلت من غير استئذان:

— ده لو واحد غريب ما يرضاش يعمل فيا اللي إنت عملته.

ما اتحركش. قفل الباب بهدوء ورجع على كرسي السواقة. وهو بيشغل العربية قال من غير ما يبصلها:

— الغلط من الأول كان فيكِ. إنتِ اللي رضيتي. كنتِ عارفة إني مش بحبك.

داس بنزين.

— ما تقلقيش… ربنا مش هينساكي. مع السلامة.

العربية اتحركت، والزحمة بلعتها. ياسمين فضلت واقفة، فستانها الأبيض وسط الشارع، والناس بتبص لها بنظرات سريعة وبتمشي. محدش سأل، ومحدش وقف.

هي نفسها ما كانتش عارفة ترد على السؤال اللي جوه دماغها: “إيه اللي حصل؟”

مشيت كام خطوة من غير اتجاه. حست إن رجليها تقال، كأن الأرض بتشدها. عينها وقعت على كافيه صغير. دخلت، مش عارفة ليه، يمكن علشان الباب كان مفتوح.

المزيكا جوه كانت عالية شوية، بس ما قدرتش تغطي على صوت قلبها. قربت من بنت شغالة هناك، صوتها طالع متقطع:

— ممكن… أدخل الحمام… أغير هدومي؟

البنت بصّت لها من فوق لتحت، استغربت، بس ما سألتش. هزت راسها ودلّتها. ياسمين دخلت الحمام وقفلت الباب، وسندت بإيدها على الحوض. أول ما بقت لوحدها، انهارت. مش عياط وبس، إحساس كامل بيقع.

قلعت الفستان الأبيض ببطء، وكأنها بتقلع حلم مش قماش. لبست العباية الصعيدي اللي كانت جايباها احتياط، ولمّت شعرها، ومسحت وشها، بس الدموع سبقتها.

رجعت وقعدت على ترابيزة بعيدة. طلعت تليفونها بإيد بتترعش. أول اسم جه في دماغها: رحمة.

— إيه يا بنتي؟ إنتي فين؟ صوتك متغير ليه؟

— سابني يا رحمة… سابني أول يوم. قالّي إنتي طالق بالتلاتة وهملني في الشارع.

السكوت في التليفون كان تقيل. بعده رحمة صرخت:

— إيه؟! إزاي؟! انتي فين؟

— القاهرة… قاعدة في قهوة… ومش عارفة أروح وين.

رحمة حاولت تهديها:

— اهدي. صلي على النبي. ده مش آخر الدنيا.

قفلت المكالمة قبل ما تكمل. مش علشان مش محتاجة رحمة، لكن لأنها كانت خايفة من فكرة إن حد يعرف. في دماغها، العيب دايمًا سابق السؤال.

طلعت من الكافيه. كانت معاها شوية فلوس وشنطة هدومها. وقفت على الرصيف تستنى تاكسي. فجأة موتوسيكل عدّى، وإيد شدت الشنطة بقوة. اتشدّت لقدّام، والشنطة طارت، والموتوسيكل اختفى.

صرخت. مش خوف بس، صرخة قهر.

ست كبيرة قربت منها وطبطبت:

— لازم تعملي محضر يا بنتي.

— ما خبراش وين القسم.

— تعالي، أنا معاكي.

القسم كان زحمة وريحته ورق قديم. العسكري كان بيكتب، وياسمين حاسة إن كل كلمة بتثبت وحدتها.

— استني هنا لحد ما الباشا ييجي.

دخل مالك. أول ما شاف وشها فهم إن الموضوع أكبر من شنطة.

— إيه اللي حصل؟

حكت. من غير ترتيب. الكلمات كانت بتطلع متلخبطة بس صادقة.

— طلقك في الشارع؟

هزّت راسها.

— معاكي حد؟

— لا.

سكت شوية وبعدين قال:

— مش هينفع تباتي لوحدك. هتيجي معايا البيت. بيت أمي. في دادة هناك.

خافت، بس ما كانش عندها اختيار.

البيت كان هادي. الدادة حضنتها من غير أسئلة. الحضن ده كسرها أكتر من الطلاق.

تاني يوم، الشنطة رجعت. ومالك قال الحقيقة كاملة. ياسين متجوز. الجوازة منها كانت تمثيل.

الدنيا لفت، بس بدل العياط، حاجة تانية طلعت. غضب هادي.

— مش هسكت.

المواجهة كانت سريعة وحاسمة. قدام مراته التانية وقدام الشرطة. ياسين انهار.

— أنا عايزة حقي وبس.

أخدت حقها. وخرجت.

الهواء بره كان أخف. رجعت بيت الدادة. بصّت لمالك:

— شكراً.

— ده واجبي.

بعد أيام، رحمة وصلت. وبعد شهور، ياسمين اشتغلت. اتعلمت تمشي في القاهرة من غير خوف. الضحكة رجعت، بس أهدى.

وفي ليلة هادية على النيل، مالك وقف قدامها وقال:

— تحبي نكمّل سوا؟

ابتسمت. المرة دي، الاختيار كان بإيدها.

لأن اللي بيختار نفسه، عمره ما يكون مهزوم.

الدروس المستفادة:

  • مش كل صمت أمان؛ أحيانًا السكوت قبل القرارات المصيرية بيبقى إنذار لازم يتسمع.
  • الكرامة لا بتتحدد بوقت ولا بمكان؛ اللي يقع ويقوم محتفظ بكرامته أكتر من اللي يكمل وهو مكسور.
  • العار الحقيقي مش في اللي حصل، العار في الظلم وفي تحميل الضحية ذنب ما عملتهوش.
  • الستر الحقيقي في الحق، مش في السكوت؛ السكوت على الغلط عمره ما كان حماية.
  • طلب المساعدة مش ضعف؛ أحيانًا هو أقوى قرار ممكن يتاخد وقت الانكسار.
  • اختيار النفس بعد الظلم مش أنانية؛ ده بداية حياة جديدة وصحية.
  • مش كل بداية جديدة لازم تيجي بعد نهاية هادية؛ في بدايات بتطلع من وجع، لكنها بتكون أصدق.
  • القوة الحقيقية مش في الانتقام، القوة في إنك تكمل، وترجع حقك، وما تخليش الكسر يعرّفك.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان